أوراق قديمة (3) .. بقلم: د.مصطفى أحمد علي / الرباط
30 ديسمبر, 2015
منشورات غير مصنفة
35 زيارة
ما أسرع ما التأمت روحه مع بيير لوي..طبيب ، زهد في الطب و انصرف بكامل عقله و روحه إلى الثقافة!تعرف إليه في مدرجات السوربون، و ذرع معه شوارع باريس و تذوق معه و استكشف مآثرها العمرانية…أحس بضيق قبل أن يلقاه في ذلك الموعد..تأخر كعادته، فلم يقلق..حينما وصل كان ترحيبه به عاديا، ثم سرعان ما اتسق الحديث،قال له فيما قال ، ودون تمهيد:” لم تتغير !” أهداه كتابا حديث الصدور لبورديو، سره ذلك ووجد فيه عزاء له ووشيجة تشده إلى أحاديث باريس وشجونها!..دعاه لزيارة ايكس في الجنوب..ما زال يفكر بالأمر
قادته قدماه إلى حيه القديم في فوجيرار ، في الدائرة الخامسة عشرة.رغب أن يلم إلمامة قصيرة، وأن يزور مدام أقوادو الإسبانية، حارسة العمارة.انتابته لوعة و شوق قديم وهفا قلبه إلى معاهد شبابه و نضارة أيامه..مر ببائعة الصحف العجوز، لطالما داعبها و داعبته..نظر إليها لكنه لم يجسر على مخاطبتها وهي في شغل شاغل من أمرها..اتجه إلى المخبزة عله يرى الخبازة العجوز..كانت تهفو إلى لقائه وتبدي له احتراما وتقديرا يمس قلبه ..لم تكن هناك،فقد كان الزمان أغسطس!..دلف إلى داخل العمارة و قطع الدهليز الطويل مارا أمام دار مدام أقوادو.رغب في أن يضغط على جرس الباب، و أن ينتظر في الساحة-الحديقة كما كان دأبه.لمح امرأة عاكفة على غرس في الحديقة، حسبها مدام أقوادو، لكنها لم تكن كما ظن.لم تكن هي،فقد كان الزمان أغسطس!.تقدمت المرأة إليه #محيية تحية إسبانية..بسم لها و حادثها قليلا ثم حملها أشواقه إلى مدام أقوادو حينما ترجع من عطلتها الأسبانية
يومه الثاني في أورتنبرق..بيرق تعني الهضبة أو الربوة. يومان قضاهما بين فرنسا و ألمانيا،ستراسبورق و أوفنبورق و بادنبادن و أورتنبرق. أمضى نهار أمس في بادنبادن، مدينة صغيرة تجمع ما بين فيشي و مونت كارلو، وفرة في الماء و انبساط في الخضرة.. جنة معلقة في هضبة من هضاب الغابة السوداء. الغابة جبل يبلغ طوله مائة و خمسين كيلومترا، و عرضه ثلاثين.عجب مما قرأ ثم ما سمع من كلاوس، أن الغابة السوداء تموت من فرط التلوث!
نظر إلى الصفحة الأخرى من الغابة، السفح الآخر من الجبل،،فلم ير إلا شجرا متصلا بعضه ببعض، لا نهاية له.عاد طفلا و هو يجيل النظر صعودا و هبوطا وهو على أقدام الجبل. كانت تبدو له ، في عظمها وعنفوانها،نهاية العالم، أو كان على الأقل ،يرى في خياله ، وراءها عالما آخر مجهولا!
تذكرهما..معهما عرف باريس. باريس الكوسموبوليت: باربيس و المآكل الشرقية و المطاعم الطريفة المتنوعة، باريس التي يعشقها، باريس الباريسية:مونمارت و مطاعم لوبك و شارتييه و مقاصف شاتليه و سان لوي و ليالي الأوبرا و حمى الكاتورز جويييه.. تذكرهما و قد تفرقت بهم السبل واختلفت المشارب وحالت بينهم الأيام و الليالي!
باريس-أورتنبرق،ألمانيا،أغسطس ، 1987
alkhandagawi@yahoo.fr