سَـدّ “النّهضة” وَخيارُ الدّبلوماسيّةِ الثنائيّة .. بقلم: جمَال محمّد إبراهيم


أقرب إلى القلب:

(1)

تنبأ العديدُ من المراقبين في الساحة الدولية، إلى أنّ  مستقبل الصراعات في العالم سيكون محوره  التنافس لاستغلال الموارد  الطبيعية الناضبة، ولقد كانت الإشارة بوجهٍ خاص إلى  صراعات التحكّم في المياه  والمياه العذبة تحديداً. فيما انشغل العالم، قبل أكثر من أربعة عقود، بوضع ضوابط لمياه البحار، وأنجزت حكومات العالم وتحت مظلة الأمم المتحدة، إتفاقية للبحار،كانت إنجازاً تفاخر به الدبلوماسية الجماعية. كان ذلك أكثر أشكال الدبلوماسية نجاعة في بسط أسسٍ لتعاونٍ دوليّ في مجال مياه البحار، أعطىالعالم مثلاً في دبلوماسية فاعلة . تلك هيَ النجاحات التي عزّزتْ دبلوماسية التعاون الدولي بأفقها الواسع،  مقابل الدبلوماسية الثنائية المحدودة الفعالية .

         لعلّ التحديات الماثلة في الساحة الدولية  تستوجب تعاوناً دولياً تقوده الدبلوماسية الجماعية، وتتجاوز في ذلك فعالية الدبلوماسية الثنائية المحدودة.هاهيَ قمّة تغيير المناخ ، وأيضاً جهود محاربة الإرهاب الدولي ، أو التصدّي لقضايا البيئة،  كلها تشكّل اهتماماتٍ تشغل بالَ المجتمع الدولي بأكثر من القضايا الثنائية بين دولة وأخرى.

(2)

         أقول ذلك وأنا أتابع  التفاوض المتعثر بين إثيوبيا ومصر والسودان ، حول  سدِّ “النهضة” الذي تزمع الحكومة الإثيوبية المضي في إنشائه ، بل قطعت خطوات في ذلك، وكأن إثيوبيا لا تلقي بالاً جاداً لتحفظات مصر والسودان. إن موارد المياه العابرة للحدود الدولية باتت  من المعضلات التي تستوجب معالجة ذكية ، لا تضيّع حقاً لطرفٍ على طرف، أو تحابي طرفاً ضد آخر. معروف أنّ النيل الأزرق، إلى جانب نهر النيل الأبيض، يشكل شرياناًرئيساً يغذّي نهر النيل، الذي يعبُر أراضي السودان وأراضي مصر، إلى مصبه في البحر المتوسط. من قال  إن مصر هبة النيل لم يكن يعني مصر بحدودها الحالية، بل هي الأراضي التي يدخل إليها النيل الأزرق ويعبرها إلى المتوسط. هكذا فإنّ القضية هي معضلة التناقض بين  أراضي المنبع وأراضي المصبّ.

(3)

         على هذه الخلفية، يتواصل التفاوض الثلاثي بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا  صاحبة سدّ “النهضة” من جهة أخرى، حول ملف اقتسام  مياه النيل الأزرق ، وهو ما قد يستبطن نزاعاً قد لا يقف عند حدود.  كان خيار التفاوض الثلاثي،  أمراً متفقاً عليه بينهم، على أن التعثر الماثل سيفتح باباً لصراع يتصاعد ، إذا ما قرر طرفٌ اللجوء إلى الكتلة التي ينتمي إليها ، إستقواءاً بها ، بما قد يجرّ أطرافا إقليمية إلى صراع لا يعرف أحد كيف تكون مآلاته. نعرف أن مصر والسودان عضوان في الجامعة العربية ، كما أنهما عضوان مؤسّسان في الاتحاد الأفريقي، وإثيوبيا  معهما في تلك المنظمة الأفريقية.

       بدأت تلوح في أفق التفاوض المعقد، خيارات للإستقواء بأطراف في المنظمتين، العربية والأفريقية ، وذلك في تقديرنا سيزيد من احتمالات التصعيد غير المحمود لقضية اقتسام مياه النيل الأزرق والتي لم تخرج من إطارها الثنائي بين الأطراف المعنية لعقود طويلة. نلاحظ أن حسابات الدول الثلاث لا تعتمد الخلاف الماثل خلافاً إقليمياً، بل هو خلاف يمكن احتوائه بالدبلوماسية الثنائية، بين كل من مصر والسودان في جانب،  وإثيوبيا  في الجانب الآخر.في  هذا النزاع يشكّل خيار اللجوء إلى المنظمات الإقليمية ، إستقواءاً يقود إلى تصعيد وإلى مخاطر لن تقف عند حدود.

(4)

      إنّ أفضل الخيارات لحسم الخلاف الناشب بين البلدان الثلاثة ، هو مواصلة الجهود الدبلوماسية الثنائية ، تفاوضاً ينأى عن توريط منظمات إقليمية مثل الجامعة العربية أو منظمة الإتحاد الأفريقي فيه. لن تكون الدبلوماسية الجماعية  والمتعددة الأطراف  أكثر فعالية من الدبلوماسية الثنائية، وذلك لطبيعة التنازع المحدودة. اللجوء لحلول عبر الدبلوماسية الجماعية سيفضي بالمتنازعين إلى تصعيدٍ لن يقف على محطة ، بل قد يزيد من إقحام أطراف من غير البلدان الثلاثة، وبالتالي تنفتح  احتمالات التصعيد والتعقيد، وهو ما يجب أن  تلتفتكل الأطراف إلى ضرورة النأي عن مثل ذلك الخيار..

الخرطوم 1/1/2016 – نقلاً عن “الوطن” القطرية

jamalim1@hotmail.com

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً