السودان والولايات المتحدة الامريكية والحرب على الأرهاب .. عرض وتعليق : خالد هاشم خلف الله
7 فبراير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
47 زيارة
فى كتاب ( أسامة ) للصحفى الأمريكى جوناثان راندال ( 1 )
عرض وتعليق : خالد هاشم خلف الله
مراسل قناة النيل المصرية للاخبار ، وموقع هافنجتون بوست عربى ، الخرطوم
تقديم :-
بين صفحتى 149 و 212 يقع الفصل السادس من كتاب ( أسامة ) للصحفى الأمريكى جوناثان راندال الذى عمل وعلى مدى ثلاثة عقود مراسلاً لصحيفة الواشنطن بوست ، وقد خصص راندال هذا الفصل والذى حمل عنوان ” السودان جنة الأسلاميين ” لسرد وقائع السنوات التى أقام فيها زعيم القاعدة الراحل الشيخ أسامة بن لادن فى السودان وهى نحو خمس سنوات أمتدت بين أواخر عام 1991 وحتى مايو 1995 وما أكتنفها من تداعيات على مسار علاقات السودان مع الولايات المتحدة ، وقد جاء هذا الفصل و كذلك هوامشه غنياً بالتفاصيل والأسرار التى كانت مطمورة فى تقارير أجهزة الأستخبارات وبرقيات السفارات وصدور دبلوماسييها وبعض من صناع القرار فى الخرطوم ووأشنطن ، الكتاب ليس جديداً أذ صدرت طبعته العربية الاولى عن دار الشروق المصرية عام 2005 وقد ترجمه من الأنجليزية للعربية شكرى رحيم ، وهو خلاصة لقاءات وحوارات أجراها مؤلفه جوناثان راندال مع كثير من الشخصيات ذات الصلة بزعيم تنظيم القاعدة الراحل اسامة بن لادن من خالد باطرفى رفيق صباه ومراهقته فى مدينة جدة مرورا بعماد محمد أحمد الفضل مديره المالى فى الخرطوم الذى سلم نفسه للامريكيين وأصبح شاهد ملك ضد القاعدة وزعيمها ورجالها وأنتهاءً بحميد مير الصحفى الباكستانى ” البشوش ” على حد وصف مؤلف الكتاب والذى كان أخر من أجرى حواراً صحفيا مع أسامة بن لادن عقب تفجيرات الحادى عشر من سبتمبر 2001 .
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كانت أول بادرة صدرت عن الحكومة السودانية وتشى بأستعدادها للتعاون لأقصى مدى ممكن مع الولايات المتحدة الأمريكية فى مجال مكافحة الأرهاب قد صدرت فى شتاء 1996 حين عرضت الحكومة السودانية على وأشنطن والرياض تسليم زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن ، جاء هذا العرض وكأن حكومة الرئيس البشير التى كان يوجهها زمنذاك زعيم الجبهة الأسلامية حسن الترابى أرادات به أن تبرئ ساحتها من تهمة رعاية المنظمات والشخصيات المتهمة بالارهاب والتى بسببها أدرجت وأشنطن أسم السودان قبل ذلك التاريخ بثلاث سنوات على لائحة وزارة خارجيتها للدول الراعية للارهاب ، لم تكترث الحكومتان الأمريكية والسعودية للعرض السودانى، فأدارة الرئيس كلنتون كانت يداها فارغتان من أى دليل ملموس يبرر لها القاء القبض فى خارج أراضيها على أسامة بن لادن وينقل جوناثان راندال عن ديفيد بيترسون سفير واشنطن فى الخرطوم حتى أوائل عام 1995 قوله أنه لا يتذكر أن أسم أسامة بن لادن كان مدرجاً على قائمة الأرهابيين التى بحثها مع السودانيين ” لأننا نحن فى الخرطوم لم نكن فى حقيقة الأمر قلقين بشأنه ” ، ويعضد ما أدلى به السفير بيترسون للمؤلف ما نشرته صحيفة وأشنطن بوست فى أكتوبر 2001 من أن وزارة الخارجية الأمريكية لم تكن تصف أسامة بن لادن نفسه بالارهابى حتى ذلك العام (1996 ) ولكنها كانت تعتبره ” أحد أهم الرعاة الماليين للنشاط الأسلامى المتطرف فى العالم اليوم ” ، أمر أخر دفع أدارة الرئيس بيل كلنتون لعدم الأكتراث للعرض السودانى وهو أنها كانت متوجسة أزاء صحة التقارير الأستخبارتية حول نشاط بن لادن وجماعته والتى وصلت للمخابرات المركزية الأمريكية من أجهزة مخابرات صديقة مثل المخابرات المغربية التى شكلت حتى ذلك الوقت المصدر الرئيسى للمخابرات الأمريكية فى كل مايتعلق بنشاط بن لادن ورجاله فى أفغانستان والسودان ، كما أن الفرنسيين كانوا الأكثر ثراءً بالمعلومات حول نشاط القاعدة وزعيمها أكثر من أى جهاز مخابرات غربى أخر بما فيها المخابرات الأمريكية وذلك بفضل قنوات الأتصال والتعاون التى فتحت بين جهاز مخابراتهم وجهاز المخابرات السودانى وهو التعاون الذى أثمر عن تسلم باريس لمطلبوها الأول كارلوس من الخرطوم عام 1994 والذى للمفارقة كانت المخابرات الامريكية أول من رصدت وجوده فى الخرطوم لكنه لم يكن مطلوباً لديها فأبلغت نظيرتها الفرنسية بوجوده فى العاصمة السودانية .
أما الطرف الثانى الذى قدم له عرض تسليم أسامة بن لادن فهى حكومة بلاده المملكة العربية السعودية ولا يكشف المؤلف عن كيفية تقديم السودانيين عرضهم للسعوديين هل تم بصورة مباشرة بين مسؤولى البلدين أم عبر وسيط قد يكونوا الأمريكيين أنفسهم ، لكن الحكومة السعودية سارت على خطى نظيرتها الأمريكية ولم تلق بالاً للعرض السودانى فهى لم تعد تكترث بأسامة بن لادن كثيرا وأعتبرت نفسها غير معنية بما يقوم به من نشاط تجاه دول أخرى بعد أن أسقطت عنه جنسيتها قبل ذلك بعامين من تلقى العرض بتسليمه أى فى عام 1994 . ورغم هذا الر فض السعودى يكشف راندال عن معلومات زودها به دبلوماسى سودانى ألتقاه فى نيويورك أن أفرادا من أسرة بن لادن قاموا برحلات ماكوكية من الرياض وجدة للخرطوم وأن هذه الرحلات تمت بمباركة السلطات السعودية وأنها هدفت لأثناء أبنهم أسامةعن نهجه الناقد للأسرة الحاكمة ، لكن لماذا عرضت الخرطوم على وأشنطن والرياض تسليمهم بن لادن ؟ بدءاً من الربع الأول من عام 1996 بدأ ضباط المخابرات الأمريكية محادثاتهم مع نظرائهم السودانيين سلسلة أجتماعات كان مدارها أخراج بن لادن من السودان كأول خطوة من سلسلة خطوات طويلة هادفة لتحسين علاقات الخرطوم مع وأشنطن ، ويشير راندال الى أن السفير الامريكى الجديد فى الخرطوم وقتها تيموثنى كارنى الذى حل محل ديفيد بيترسون عامذاك أراد أستخدام ترحيل أسامة بن لادن من الخرطوم كوسيلة للحد من نفوذ حسن الترابى على متخذى القرار فى الحكومة السودانية ، على الرغم من أن الترابى كما يؤكد راندال قد محض الأمريكيين النصح بقبول بقاء أسامة بن لادن فى السودان حيث يمكن السيطرة عليه ومراقبة نشاطه عوضا عن أجباره على مغادرة السودان ليعود الى معقله فى أفغانستان حيث لا يمكن لأحد التعرف أو التكهن بما يفعل ، ولم يتبين الأمريكيين صواب نصيحة الترابى الأ ضحى وقوع هجمات الحادى عشر من سبتمبر ، ويرى راندال أن أخراج أسامة بن لادن بذلك الشكل المفاجئ من السودان ” لم يكن الأ ليسرع لديه تراكماً خطيراً من الغضب والرغبة التدميرية وأمحت من قاموسه نقاط العودة للوراء وتجاوز عتبة الحرب الكلامية ” .
والأمر اللافت أن هذه المحادثات التى أنعقدت بين جهازى المخابرات السودانية والأمريكية لم تمنع الأخيرة من أن تدفع عبر تقارير رئيس محطتها فى الخرطوم باول أكواجليلا أدارة الرئيس كلنتون لسحب طاقم السفارة الأمريكية من الخرطوم فى فبراير من ذات العام بحجة عجز السلطات السودانية عن توفير الحماية الكافية لمن يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية بعد أن تعرض أثنان من عملاء المخابرات الأمريكية العاملين ضمن طاقم السفارة فى الخرطوم لمحاولتى أغتيال من قبل ” القتلة التابعون لأسامة بن لادن ” وهى حجة لم تكن مقنعة حتى للسفير تميثونى كارنى ولبقية طاقمه الدبلوماسى الذين كانوا يرون بأن ” دبلوماسية الحوار و الصبر هى السبيل العملى الأفضل للتأثير فى السياسة السودانية المكروهة فى وأشنطن ” . فى العام التالى 1997 تعمقت وتجذرت العزلة والقطيعة بين الخرطوم وواشنطن ففى خريف ذلك العام أصبحت سوزان رايس على رأس مكتب الشؤون الأفريقية ووصفها مسؤول سابق فى وأشنطن للمؤلف بأنها ” كانت شابة صغيرة السن ، سطحية التفكير لحد كبير ، ولم تكن تعرف أى شئ عن السودان ” .
aiat93@hotmail.com