رسالة مكلومٍ الى من مضى وما زال معنا…!! .. بقلم: أحمد عبد الوهاب جبارة الله


 أكتب رسالتي هذه بعد منازعة قاسية بوصفي مكلوما تأخر في التعبير عن نفسه ، ليس من قبيل العجز عن الكتابة ، ولكن مخادعة للنفس ووجلا من مواجهة الحقيقة الكبرى في هذه الدنيا … حقيقة الموت الذي لا يستثنى أحدا ولا يقدم الأجل فيه ولا يؤخر ، وتظل الحكمة فيه سرا مكنونا عند خالق الناس جميعا ويظل كنهه محاطا بالقدر الذي لا ينفع معه التحوط والاحتياط وإن كان ذلك على أيدى أبرع النطاسيين وأعتاهم علما وحكمة وممارسة .
واليوم وأنا اسطر هذه الكلمات ، أجد نفسي كالذي يبحث عن مفاتيح التعبير وهي تستعصي على الذهن ، باعتبار أن الرسالة موجهة إلى شقيقي يحيي الذي مضى ، ولكنه ما زال معنا .! فهو قد مضى في ذلك اليوم الرابع عشر من شهر ديسمبر الماضي ، وذلك زلزال قد هدّ منا الجنان وزعزع القلوب وأدماها ، لفقد جلل كنا كغيرنا من البشر نتقبله إرادة من الله ولا نريده أن يحدث بلطف منه ومقدرة على المعجزات . وهكذا كنا نسال الله اللطف ، أو حتى المعجزة عندما قال النطاسيون ، وهم بشر مثلنا ، أن أيام شقيقنا يحيي أصبحت معدودة بسبب ذلك الداء والابتلاء الذي ألم به وأضناه . غير أن إيمان الشيخ يحيي كان هو قمة التصالح مع النفس والقدر ، عندما أدرك فداحة العلة التي ابتلاه الله بها ، حيث كنا وقتها  خارج السودان نبحث له عن العلاج ،أدار وجهه الصبوح برغم العلة ، وقال لي : ما دام الأمر كذلك ، فلنعد إلى بلادنا ونرتب أمورنا ، لأن تلك إرادة الله العزيز الرحيم. وكلنا من أهل هذا المصير . وهو ما طفق يوصيني على بعض الأمور ويسدي النصح في ثبات وحكمة جعلتني ، وأنا أتمزق حزنا ، أشعر بفخر لا يضاهي لكوني شقيقا لذلك المؤمن الفريد ، ثم نهض وصلى ، وعدنا للجلوس لساعات طويلة مهيبة  لا يعلم مداها إلا الله ، لما فيها من مشاعر منهمرة ومتدافعة أخذتنا في عودة بالذاكرة (فلاش باك) من تلك اللحظة لأكثر من ستة عقود من الزمان عشناها من الطفولة ومبتداها في مدينة الأبيض الرائعة.
الشيخ يحي أو الأستاذ يحيي ، نذر حياته كلها لممارسة مهنة التعليم ، وهو من ذلك الجيل الذي لم يمارس المهنة لضرورات كسب العيش ، ولكنه مارسها كرسالة سامية تصنع الأجيال من الشباب وهم يتسلحون بالعلم والأخلاق والأدب والتميز بالصفات الحميدة. وقد كان معظم كفاحه التعليمي في مدينة الأبيض ، فيما عدا سنين قليلة في كل من مدينة أبو زبد ثم عامين أو ثلاثة في صنعاء عاصمة اليمن. ومما يشرح الصدر ، برغم مرارة الفراق ، أن المرء يرى آلافا من الذين تلقوا العلم على يديه يرفعون أكفهم بالدعاء له ويترحمون عليه ويسألون المولى عز وجل أن يدخله فسيح جناته ، مكافأة له على ما بذله من خيرات طوال حياته. وهنا يتوقف المرء أيضا عند صفات شخصية سمحة كثيرة تعلمناها منه ونحن نخطو خطانا في مراحل التعليم ومراحل العمل العام. فهو دائما مدافع عتيد عن ضرورة البذل والعطاء دونما انتظار لمكافآت من أحد ، لأنه كان يؤمن بان الله يجزي العباد ويكرمهم في الدنيا والآخرة ، جزاءا لأعمالهم الخيرة . وفوق ذلك كان يضرب المثل في الزهد والإصرار على التحقق من مصادر الرزق لتكون حلالا لا ريب فيه ، برغم مغريات هذا الزمان وتدافع الناس نحو التملك وكنز الأموال واستباحة المال العام. وكان على الدوام متمسكا بفلسفة القدوة الحسنة ، ويردد في كل المناسبات ، ان المعلمين يجب أن يكونوا قدوة حسنة في مخبرهم ومظهرهم وسلوكهم . وطبق كل ذلك على نفسه بصرامة ، لا تهاون فيها ولا تراجع ، حتى وإن كلفه ذلك في بعض الأحيان فقدان بعض امتيازات مادية زائلة. ولذلك كان يحدثني في سعادة غامرة يشعر بها عندما يلقى التكريم من الذين يقدرون جهوده في مجال التعليم.
ومما أذكر أنني كنت أول المستفيدين من نصائحه ودعمه برغم قلة عدد السنين التي تفصل بيننا ، وهو ما فتئ يشجعني على الحرص على التجويد في تلقي العلم في المراحل كلها حتى التخرج من الجامعة ، وقد ورثني الكثير من الحرص على قيمة العلم بوصفه أساس التفوق في الدنيا والآخرة ، لأن الإنسان  لا يستمد قيمته ومركزه من مظاهر الأمور ولكنه يستمدها من جواهر الأمور ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. ومن اللافت في حياة فقيدنا يحيي أنه كان يقوم بدوره ككبير للأسرة في كل الأمور . وهو كان لنا مرجعا في معظم الحالات وحريصا على أن يكون كل أعضاء الأسرة مع النجاح والحق والتقوى والصدق والصلاح ، في هذا الزمن الذي اختلطت فيه الأمور وتعقدت فيه مسالك الحياة للناس .
إننا بعد فراقك يا أستاذ يحيي(هكذا كان يناديه الجميع) نعلم أن ذهابك لم يكن إلا بعد حياة حافلة بالبذل من أجل تلاميذك وأهلك ومجتمعك ، وذلك هو ما يميز حياة تنفع الناس وتترك البصمات المشرقات النافعات . وأنت تظل معنا في كل موقع نذرت نفسك من أجله في سبيل تغذية عقول البنين والبنات بالعلم النافع والمفيد. وهكذا فقد ذهبت إلى ربك راضيا مرضيا . ونحن إن فقدناك ، ستظل أنت مصدر إلهام لنا ، ما حيينا ، لنبذل الجهد دون منّ أو تكبر. وسنذكر دائما قدرتك الفائقة على الصبر والتضحية والحنو على الصغار والتعامل مع الكبار ، والوقوف مع الحق ، ومساعدة المستضعفين .  
إننا إذ ودعناك فقد ودعتنا أنت إلى رب رحيم لا تضيع ودائعه ، وجراحنا عميقة ونحن نراك تمضي ، غير أنك مضيت يا شقيقي وما زلت معنا بروحك السمحة وأفضالك علينا . والفراق هنا ليس فراق اختيار ولكنه فراق أقدار ، كما قال الأيبرد الرياحي:
وكل امرئ يوما ملاق حمامه…وإن نأت الدعوى وطال به العمر
فاهنأ بمرقدك مع الصديقين والشهداء ، وحسن أولئك رفيقا.
agubara@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً