أساس الفوضى (6) .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقى على
بسم الله الرحمن الرحيم
فبينما كانت الأندلس تتشظّى وتعمّها الفوضى كدولة كانت الكنيسة أيضاً تتشظّى ابتداءً بتحدّى مارتن لوثر في عام ١٥١٧ م للكنيسة الكاثوليكيّة، عندما بدأت بيع صكوك الغفران والتي اعتبرها كنوع من الفساد الذى يستغلّ عامّة المسيحين من أجل كنز الذهب في جيوب القساوسة، وأيضاً بالفتوحات العلميّة على يد علمائها من أمثال جاليليو جليلى.
بينما بدأ هذا السجال في النصف المسيحى لأوروبّا كان أبو محمّد على بن حزم الأندلسى والمتوفّى في عام ١٠٦٤ م في الجزء المسلم من أوروبا قد أشبع هذا الموضوع تنظيراً دفاعاً عن مذهب الظاهريّة، وبعده بسنوات فنّده الإمام أبو المعالى الجوينى وأبو حامد الغزالى، ثمّ بعد ثلاثة قرون ردّ عليه الإمام أبو إسحق إبراهيم بن موسى الشاطبى في ١٣٦٠ م في كتابه الموافقات التي تُعنى بمقاصد الشرع. هذا المنهج العلمى بُنى على إرث كبير من فكر العلماء المسلمين منذ الإمام مالك بن أنس المتوفِّى في ٧٩٥ م والإمام على بن إسماعيل الأشعرى مؤسّس الطريقة الأشعريّة.
الذين يبحثون عن التّنوير في تجربة أوروبا يجدونها في تجارب المسلمين من قبلهم أكثر إشراقاً ومنفعة وما عليهم إلا أن ينفضوا عنها غبارها ويطوّروا أفكارها فيجنوا ثمارها.
فالفوضى لا تترك مخلوقاً إلا وطالته، فحتّى الأشياء الصلبة يصيبها التآكل، والتي بها حياة تصيبها الشيخوخة، والتي من مادة كيميائيّة يصيبها التّحلّل، أمّا المجتمعات فيصيبها الفساد، وتصيب حقب التاريخ حالة الاضمحلال أو الانحطاط.
الإنسان بطبعه يتحاشى المواقف والأفكار التي تغيّر قناعاته لأنّه يتشبّث بالثّبات ولا يحب الحيرة والشك وكلّما تبسّطت الأشياء كلّما
لا توجد تعليقات
