في العمي الأيدلوجي .. بقلم: عبدالرحمن عمسيب
24 أغسطس, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
63 زيارة
abdalrahmanamasib@gmail.com
الهزيمة السياسية ، أو كما أحب أن أسميه السقوط الكبير لليسار “الكلاسيكي” في أواخر السبعينات و بداية الثمانينات ، دفع بناشئة الحزب الشيوعي وقتها الي الأرتماء في أحضان خطاب جديد ..
عندما قرأت الطريق الي المدن المستحيلة _ رواية لأبكر أدم أسماعيل _ أعجبت بتلك النزعة الماركسية التي تتخلل صفحاتها ، لكنها تبدو “عاطفية” و ليست “عالمة” ، ماركسية ليست “صلبة” بما يكفي ليتمسك بها صاحب الرواية في مجمل ما كتب ..
أو ربما لأن الماركسية لن تعطيه ذات الأجابات علي أسئلة أختار مسبقآ أجاباتها وفقآ لتجربة شخصية أو غبن “عنصري” رضعه مع لبناته الأولى ينجح في تفسير هذا التفاوت في السلطة و الثروة علي أساس أوضح ” أنهم عرب و نحن لسنا كذلك ” ..
الماركسية تقدم أجوبة بعنوان “الطبقة ” أما منهج التحليل الثقافي فيقدم أجوبته علي أساس “السحنة” ثم يضفى طابع الماركسية ليطبع نفسه بالنفس “الثوري ” و “العالم” ..
ما حدث أن هذا المنهج يقف أمام تحليل الظواهر البسيطة أو يتعامى عنها ، هو ذاته المنهج الذي يقصر الأعمال الهامشية علي الأثنية الأفريقية ، و لكن يعجز عن رؤية بائعي المياه و العلك علي “أستوبات” وسط الخرطوم ..
نعم العمي الأيدلوجي هو الذي يجعل صاحبه يرى “النوباوي” جالسآ علي الأرض في صف “الكماسرة” لكنه يعجز عن رؤية “عربي الجزيرة” الذي يتقاسم معه ظل ذات الحافلات المرتصة ..
هو ذات العمى الأيدلوجي الذي دفع بعشاري و بلدو علي كتابة مؤلفهما عن “عودة” الرق ، عندما زعموا بأن مليشيات البقارة و الرزيقات تسترق الدينكا علي أساس هوياتي و أسموه رقآ _فسروه علي أساس “ثقافي” _ لكن عندما أسترق الدينكا و النوير بعضهما البعض أثر أنقسام الحركة الشعبية في 91 كان “أختطافآ” ، نعم سموه “أختطافآ” ..
لنعود مرة أخرى و نقول أن العنصرية تلعب دورآ ثانويآ في مسألة الرق نفسها لا دورآ رئيسيآ كما يخيل لأهل الزعم ..
و لكن ما الذي جمع مثقفي الشمال المسلم بالحركة الشعبية ذات التوجه الأثني المسيحي ؟!
المسألة ببساطة أن العداء المشترك للثقافة العربية الأسلامية هو السبب ..
فالحركة تستعدى الشق العربي لطابع تأسيسها الأثني الأول المعادي للعروبة .. و اليسار الجديد يستعدى الشق الأسلامي لعدائه الصريح و غبنه القديم من صراعه مع الأسلاميين .. و تشاء أرادة الله أن تتجسد هذه الثقافة كلية في شخص حسن الترابي كرمزية و في حزبه كماعون حركي لها ..
الخرطوم 2016