أكتوبر: هذا واقعنا وأنت غَدُنا .. بقلم: د. محمد محمود
وهذا الفشل متوقّع في ظل أي نظام عسكري، وهو القاسم المشترك بين نظام الفريق عبود (اليميني)، ونظام العقيد نميري (الذي بدأ يساريا ثم انتهي به المطاف لمواقع اليمين)، ونظام العميد البشير (الإسلامي اليميني). وفي ظل كل هذه الأنظمة كانت الحرب الأهلية في الجنوب هي موطن ضعفها. وهذه هي المفارقة، إذ أن شنّ الحرب وقتل “العدو” أو الانتصار عليه هو ما يبرّر وجود الجيوش والإنفاق عليها، وخاصة وأنه في ظل النظام العسكري تتّحد الإرادة السياسية وآلة العنف العسكرية لضمان القضاء على أي “تمرد” قضاء نهائيا. إلا أن نظام عبود فشل في ذلك رغم تدريب قواته المسلحة وعدّتها وعتادها. وكان هذا الفشل إيذانا بنهايته عندما أتاح الفرصة لمناقشة الوضع في الجنوب وفتح الباب أمام الحلّ السياسي. وعندما جاء نظام نميري كان هذا الحلّ السياسي (متمثّلا في اتفاقية أديس أببا في عام 1972) أكبر إنجاز له وأكبر فشل في نفس الوقت. فبتوقيع الاتفاقية تحقّق السلام وراود السودانيين الأملُ بأن مواردهم ستنصبّ في التنمية، إلا أن الطبيعة الاستبدادية للنظام العسكري وتقاليد سياسة “فرّق تسُد” التي رسّختها النخبة المدنية والعسكرية في الجنوب ما لبثت أن عصفت بالسلام الهشّ واشتعلت الحرب الأهلية مرة أخرى. وعندما غصب الإسلاميون السلطة فإنهم غيّروا بين ليلة وضحاها طبيعة الحرب وحوّلوها لحرب “جهادية” ضد “الكفّار”، ودفعوا ولأول مرة بقطاعات واسعة من المدنيين في ميادينها وشحنوا الأذهان بالأوهام الموروثة عن المدد السماوي والملائكة الذين يشاركون في القتال. وخسر الجيش والمدنيون الذين جيّشهم النظام، وعجزوا عن الانتصار على الحركة الشعبية ولم يكن أمام الإسلاميين إلا التوقيع على اتفاقية سلام. إلا أن اتفاقية السلام هذه المرة كانت مختلفة عن اتفاقية السلام التي وقّعها نظام نميري إذ أن الإسلاميين اضطروا للقبول بإجراء استفتاء وقبول حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم. وعندما جاءت اللحظة الحاسمة صوّت الجنوبيون باجماع رائع على استقلالهم وخلعوا عن رقابهم نِير قهر الشمال.
وفي هذا التراث المقاوِم تقف ثورة أكتوبر 1964 كأعلى نقطة لأنها كانت أول ثورة شعبية ناجحة في تاريخ السودانيين بعد الاستقلال استطاعت الانتصار على أول نظام عسكري. والمغزى الكبير والخاص لتاريخ 21 أكتوبر 1964 لا ينفصل عن مغزي ما حدث يوم 17 نوفمبر 1958، إذ أن هذا التاريخ دشّن بداية اغتصاب العسكريين للسلطة وفَتْح شهيتهم لها ليتحوّل الجيش من مؤسسة دورها “الدفاع عن الوطن” لآلة قهر ضخمة ارتكب أفرادها في الماضي أبشع الانتهاكات تعذيبا وتقتيلا في حقّ عدد لا يحصى من المدنيين ومن العسكريين المأسورين في جنوب السودان ولا يزالون يواصلون انتهاكاتهم حتى اليوم في أصقاع مختلفة من السودان، ليتحوّل الجيش من مؤسسة دورها “الحفاظ على سيادة الوطن ووحدته” لآلة قهر برعت في الدوس على الدستور والحكومات المنتخبة ديمقراطيا لتفرض أنظمة عسكرية استبدادية ذاق السودانيون على يدها ولا يزالون يذوقون أبشع مظاهر الانتهاك لحقوقهم الإنسانية.
محمد محمود أستاذ جامعي سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم وحاليا مدير مركز الدراسات النقدية للأديان.
لا توجد تعليقات
