بسم الله الرحمن الرحيم
abdelmoniem2@hotmail.com
كلُّ جديد هو تمرُّدٌ وثورة على المعهود. والتَّمرُّد طبع في الإنسان يبدأ منذ الصغر كجزءٍ من عمليَّة انفصال شخصيَّته وتكوين هويّته المتفرِّدة عن والديه، وحينما ينجح يمتدُّ تمرُّده على مجتمعه ولذلك فلكلِّ جيلٍ شخصيَّته وثقافته المختلفة. ومثلما تختلف شخصيَّات النَّاس عن بعضها البعض كاختلاف بصمات بنانها، فكذلك تختلف الأجيال، والقبائل، والشعوب إذ لكلٍّ شخصيَّته وثقافته المتفرِّدة.
ودراسات التَّوائم وجدت أنَّ التَّوأم إذا نشأ مع توأمه يحاول أن يختلف عنه مقاوماً طبيعته الوراثيَّة ويخفُّ ذلك إذا نشأ في بيئة مختلفة.
وانفصال الطَّفل عن والديه يعتمد على كيفيَّة تربيته فإن كان تعلُّقه بهما أو بواحدٍ منهما آمنٌ فهو في غالب الأمر سيكون واثقاً من نفسه لأنَّ غريزة البقاء فيه غير مُهدَّدة ولذلك فسيكون انفصاله سلساً بلا توتُّر شديد وسيستطيع أن يقيم علاقات مع الآخرين حميمة وعميقة وآمنة.
وهو سيكون أفضل حالاً من الطِّفل الذي لم يتلقَّ تربيةً مليئة بالعاطفة والتَّقدير والاستجابة لتغذية حاجاته الجسديَّة والنَّفسيَّة والاجتماعيَّة والرُّوحيَّة، ولذلك ستكون عنده مقاومة كبيرة ضدَّ الأزمات، ومرونة في التَّعامل مع عقبات الحياة، لأنَّ الفصَّ الأمامي من مخِّه سليم ونامٍ بحيث تكون عنده ذخيرة من الحلول للمشاكل التي تواجهه وبعض الحكمة نتاجاً لذكائه العاطفيَّ وبالتَّالي فهو مُحصَّنٌ ضدَّ الأمراض النَّفسيَّة في المستقبل مثلما يُحصَّن ضدَّ الأمراض بأمصال الفيروسات.
والتَّعلُّق الآمن عرَّفه “جون بولبي” طبيب الأطفال والمعالج النَّفسي بأنَّه:
“هو نزعةٌ فرديَّة داخليَّة لدي كلِّ إنسان تجعله يميل لإقامة علاقة عاطفيَّة حميمة مع الأشخاص الأكثر أهميَّة في حياته، تبدأ منذ الولادة وتستمرُّ مدي الحياة”.
ولأنَّ الحياة غير مثاليَّة والإنسان مُعرَّضٌ لفقدان والديه، فهو عرضة لأن يعيش سنواتٍ من الحرمان المادِّي والعاطفيّ ممَّا يجعل ثقته بنفسه وتقييمه لها ضعيفاً، ويُحرم من عامل “التعلُّق الآمن” والذي هو الشرط الأساسي لنموِّ الإحساس “بقاعدةٍ آمنة” في داخله يلجأ إليها إذا أظلمت أيامه وتكالبت عليه الهموم.
والقاعدة الآمنة تُمثِّل الوالد الذي تثق فيه وتعتمد عليه، والمكان الذي نشأت فيه، والذِّكريات والمعارف التي اختزنتها أيَّام الطُّفولة والصِّبا ترجع إليها إذا احتجت لملاذٍ آمن من شرور أو متاعب الدُّنيا. ولهذا كان التَّعلُّق بالأسرة، وبالعشيرة، وبالقبيلة، وبالأوطان أمرٌ فطريٌّ لأنَّ الإنسان يحقن ذاته لاشعوريَّاً بذكرياته فيها، ويحمله في وجدانه بعد أن استحال عليه حمله معه أينما كان فعليَّاً، كما تحمل الصور أو أفلام الفيديو كرمزٍ للآخر الذي تحبُّه.
والذين لا يستطيعون أن يبنوا تعلُّقاً آمناً مع من يربِّيهم فليس لهم حظٌّ في نقل “القاعدة الآمنة” من الواقع للخيال كرمز يرجع إليه إذا احتاجه. هذا هو شعور الانتماء وإليه يكون الولاء.
فمثلاً إذا كان الإنسان يعيش في بلدٍ بعيدٍ وليس لديه مجالٌ في التَّحدُّث مع والديه لأيِّ سببٍ كان فهو سيرجع إلى ذكرياته، وسيسمع صوتهما الهامس إذا خلا بنفسه، وسيستطيع أن يُخمِّن ما الذي كانا سيقولانه له في مثل هذا الموقف. أمَّا المفتقر إلى مقدرة حقن النَّفس برمز القاعدة الآمنة فإنَّه لن يستقرّ له قرار حتى يسمعهما أو يراهما عياناً بياناً ولذلك ففرصة انفصاله منهما غير سلسة ومواصلة الحياة بدونها صعبة.
ونحن نحتاج إلى اللجوء إلى قاعدتنا الآمنة عندما يظهر ضعفنا، والإنسان أضعف مخلوقات الله سبحانه وتعالي، وأكثرهم اعتماداً على والديه منذ ولادته بخلاف المخلوقات الأخرى، وبدون رعايتهما فمن المؤكَّد أن يموت ما لم يقم شخصٌ آخر هذه المسئوليَّة ولذلك يقول المولي عزَّ وجلَّ:
” يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا”. وهذا أحد العوامل التي تكوِّن القاعدة الآمنة لأنَّها تظهر تعاون المُربِّي مع الطِّفل واهتمامه به حتى تنمو فاعليَّته وفعاليَّته بدلاً من الإحساس بالعجز.
وتري هذا الضَّعف عندما تصيبك حمَّي مثلاً وترجع لوالديك حيث ترجع نفسيَّاً لحالة شبيهةٍ بحالة الطُّفولة العاجزة، فيرعيانك كما كانا يفعلان في الماضي أو ربما تقوم زوجتك أو يقوم زوجك أو أولادك بهذا الدَّور ولكنَّك دائماً تجد ما تفتقده في دار طفولتك.
ولأنَّه من المستحيل أن يكون للإنسان “تعلُّقًٌ آمنٌ” مع إنسانٍ آخر في كلِّ الأوقات، أو يكون خالداً فكذلك حال الحصول على “قاعدةً آمنةً”، فلذلك كان الإيمان بالله سبحانه وتعالي بكلِّ صفات الألوهيَّة والملك والرِّبوبيَّة هو الشفاء النَّاجع من هلع وجزع الإنسان.
فالله سبحانه وتعالي مع عبده أينما كان حتى بعد موته لا يفارقه كما يفارقه الأهل: ” وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ”، وهو شرط آخر لتكوُّن القاعدة الآمنة لأنَّه يعطي الطِّفل الإحساس بتواجد المُربِّي كلَّما احتاجه ولذلك تنمو ثقته في العالم والحياة والنَّاس أنَّهم لن يخذلوه. فالمولي عزَّ وجلَّ لا يغفل عنه لحظة، وبابه مفتوح لاستقباله في كلِّ لحظة على مدار عمره، يجيبه إذا سأله وهو أقرب إليه من حبل الوريد، ويرعاه إذا نام، ويحميه من شرور النَّاس والجنِّ وبقيَّة المخلوقات. فكيف لمخلوق أن يوفِّر كلِّ هذه الشروط في كلِّ زمانٍ ومكان وهو أرأف بك من أمِّك التي أنت في حجرها؟
هذه هي الرَّحمة التي يعنيها الله سبحانه وتعالي أنَّه يُشبع غريزة البقاء فيك بالاطمئنان فلا خوف إلا منه ولا أمان إلا في حضرته. فالإنسان يحدِّثُ ربَّه متي ما شاء، ويُسرع له ربَّه إذا وجَّه وجهه تجاهه، ويسمعه إذا قرأ كتابه، فمن من النَّاس كتب كتاباً لابنه فيه ما علم ما ينفعه وما يضرُّه حتّى موته؟ ومن الذي وعد برحمته وبمسامحته مهما فعل بل وإثابته إذا أظهر النَّدم:
” قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ”. وهذا من شروط نموِّ القاعدة الآمنة وهو قبول الطِّفل مهما فعل بإظهار الرَّحمة.
ومن أهمِّ العوامل التي تساعد الطِّفل على بناء قاعدة آمنة بداخله هي المساعدة من المُربِّي لتنظيم مشاعره المضطَّربة وبناء الذكاء العاطفي وما رسالة القرآن الكريم إلا عن كيفيَّة ترويض العقل للقلب ومثال ذلك في هذه الآية الكريمة الجامعة المانعة:
” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.
وآخر العوامل التي تكمل بناء قاعدة آمنة بداخل الطِّفل هي الشعور بالانتماء:
” قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”.
وبهذه الحكمة فقد جعل المولي سبحانه وتعالي التَّعلُّق به والانتماء إليه هو “التَّعلُّق الآمن” الحقّ، وما عداه زائل: ” كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ”.
وأيضاً وضع بيته على الأرض ليكون “القاعدة الآمنة” للنَّاس التي يأوون إليها وتذهب عنها كدرها ويمتلئون أملاً وتفاؤلاً:
” إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ”. بل وذكر المولي عزَّ وجلَّ هذا مفهوم الأمن بالتَّحديد:
” أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ”
واكَّد هذا المفهوم في سورة قريش:
” فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ”. وهذا الأمر يسري على كلِّ المسلمين في كلِّ زمانٍ ومكان.
ولم يكن الخالق ليهمل من خلق وهو أعلم بحاجاتهم النَّفسيَّة والاجتماعيَّة والرُّوحيَّة وهو يعلم عدم قدرة معظمهم على التَّفكير المُجرَّد ومحدوديَّة تفكيرهم وحاجتهم لشيء يرونه ويلمسونه فكان بناء بيته المحرَّم أوَّلاً، ثمَّ إرسال الرُّسل ثانياً ثمَّ كتبه ثالثاً ويفني الرُّسل وتبقي سيرتهم وحكمتهم ويبقي إلى آخر الزمان بيته وكتابه المحفوظ.
فإذا كان الانتماء يكون للذي أنعم عليك وحماك وسيحميك من الخوف والحزن فيجب أن يكون الولاء له:
” أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”.
ولكلِّ أمَّة بيت يحجُّون إليه وهو لهم بمثابة قاعدتهم الآمنة ولذلك يتعلَّقون به. ونجد هذا في طبيعة الإنسان مع الذين يظنُّ فيهم الصلاح في كلِّ بقاع الأرض.
وما علاقة المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم بأصحابه إلا ترجمة لهذا المفهوم فهم أنشأوا معه علاقةً آمنةً لأنَّ تعلُّقهم به كان آمناً ومثَّل مسجده لهم القاعدة الآمنة ولذلك لا يزال المسلم يجد نفس الرَّاحة النَّفسيَّة والاطمئنان اليوم إذا زار قبره الشريف. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يلوذون بظهره للحماية إذا حمي الوطيس في المعركة مثلما تلوذ بظهر أبيك إذا ظهر ما يُخيفك في الشارع:
” كنا إذا حمي الوطيس أو اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب من العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله”. فالذين حجُّوا لبيت الله المحرَّم وزاروا مسجد رسوله لا بُدَّ وأنَّهم أحسُّوا بهذه الطمأنينة لأنَّهم وصلوا قواعدهم الآمنة.
وسبب ذلك هو توفُّر كلّ شروط التَّعلُّق الآمن في هذه الآية الكريمة:
” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ”
وما كانت الرُّسل منذ بدء الخليقة إلا ثوَّاراً على المعهود عندما تحوَّرت تركيبة المعهود ونقصت فاعليَّته، وفشلت فعاليَّته لتطبيب علل المجتمع. وإذا تتبَّعنا سيرتهم فسنجد أنَّهم جميعاً كانوا متمرِّدين على الثقافة السائدة في زمانهم، ومختلفين في طريقة تفكيرهم وسلوكهم.
فخذ مثلاً خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام وخذ المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم كأمثلة حرِموا من عطف الوالدين وحنانهم فبحثوا عن مصدرٍ يعوِّضهم يجدون فيه “تعلُّقاً آمناً” و “قاعدةً آمنة” ولذلك كان بحثهم عن صفات الرّبوبيَّة وهي المطلوبة في الوالد لرعاية وليده وصفات الملك مطلوبة لحمايته من الأخطار فلا أحد يريد والداً ضعيفاً. وقد كان امتنان المولي على المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم بهذه الصفات بعد نفي أنَّه ابتعد عنه ولم يهتمّ به بعد أن جزع المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم من هجر مولاه:
” مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى”، فقال له واعداً له بمستقبلٍ أفضل:
” وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى”، وهو مساعدة على تنظيم مشاعره واسترجاع حالة الطمأنينة لقلبه وهي نتاج الإحساس بالأمان والذي ينتج من قاعدة آمنة تقوم على أساس “تعلُّقٍ آمن” ولذلك فقد بدأ، بعد القسم العظيم حتى يطرد أيُّ ريبة من بال المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم، بتأكيد العلاقة الآمنة ثمَّ أمَّن على استمرار العلاقة الآمنة في المستقبل واستمرار العطاء حتى مرتبة الرِّضا وهي المرحلة قبل الأخيرة تعلوها مرتبة الشكر، ذكَّره بكلِّ عطاء الرِّبوبيَّة: “أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى؟، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى؟، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى؟” والمطلوب منطقيَّاً أن يكون ردُّ المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم شكراً وحمداً وكيف له أن يغفل عن ذلك واسمه أحمد ومحمَّد ومحمود؟
وإذا تأمَّلنا في هذه الآيات لوجدنا أنَّ المولي سبحانه وتعالي تحدَّث عن حاجات الإنسان ابتداءً بالمرتبة الأولي في هرم “أرام ماسلو”، وهي مرحلة المأوي الذي يشمل الأكل والشرب واللبس والدِّفء للجسد، ثمَّ تحدَّث عن الحاجة النَّفسيَّة ابتداءً بالعقليَّة ثمَّ العاطفيَّة، وعرج على حاجته الاجتماعيَّة وختم بمرتبة تحقيق الذَّات وهي حالة الرِّضا التَّام بالحياة ولكنَّه أعطاه وسيلة التَّطوُّر الرُّوحي حتى الوصول لمرتبة الشكر بعد مرتبة الرِّضا:
” فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ”، ونعمة الله هي دين الإسلام وهي إرشاد لاتِّخاذ سبيل الدَّعوة لسبيل الله منهجاً:
“الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا”.
ولكن التَّمرُّد كوسيلة عقليَّة نقديَّة للمعهود وكعمليَّة مراجعة وغربلة للعناصر التي شوَّشت وأفسدت طبيعة الحقيقة يختلف عن التَّمرُّد كغاية. فالأوَّلُ يستخدم الشَّك المنهجي والثَّاني يستخدم الشكَّ العبثي بحيث يظلُّ الإنسان مبحراً لا يجد مرفأً يقتنع به أبداً.
وبالرَّغم من تحكُّم الفكر في حياة النَّاس؛ لأنَّ له الكلمة الأخيرة بوصفه علماً حقَّاً لا ظنَّاً أو شكَّاً أو وهماً، إلا أنَّ النَّاس تنفر من منظومة الفكر وتفضِّل مجموعة الأفكار، لأنَّ الفكر يقيِّد الأنانيَّة في الإنسان بإعلاء قيمة الأخلاق والمبادئ، وهو شيءٌ ضدَّ طبيعة الإنسان، وهو الفرق بين العلماء والسَّاسة، بينما السياسة همُّها الأوَّل الاستحواذ على السلطة الزَّمنيَّة حتى وإن أدَّي ذلك للتَّخلِّي عن الأخلاق أو السياسة.
وهذا يفسِّر موقف المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم عندما حاولت قريش مساومته بإعطائه الملك أو المال على أن يتخلَّى عن رسالته، وهو أمرٌ رأي فيه عمُّه أبوطالب معقوليَّة بحساب السياق القبلي، ولكنَّ الرَدَّ كان حاسماً:
” يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك دونه “. فرسالته لهم كانت واضحة أنَّ كلَّ ملك وملكوت الأرض والسماء لن يجعله يساوم وهو من عرف معني الأمان الحقّ ومعه ملك الملوك يحميه.
والموقف الثَّاني هو عرض نوعيّْ الرِّسالة بواسطة سيدنا جبريل عليه السلام:
” قال يا محمدُ أرسَلَني إليك ربُّك أفملكًا نبيًّا أجعلَك أو عبدًا رسولًا؟ قال جبريلُ: تواضعْ لربِّك يا محمدُ: قال: بل عبدًا رسولًا “، فاختار العبوديَّة على الملك، ولأنَّه اختار بعلمٍ لم يكن ليختار السياسة على العلم، وهو يعلم ما في السياسة من مساومات، ومن استخدامٍ للقوَّة الخشنة في تثبيت أركان الملك بدلاً من القوَّة النَّاعمة في نشر الرِّسالة وهي تشتمل على العلم والأخلاق.
ونصيحة سيدنا جبريل عليه السلام كانت علماً ولكن التَّوجيه لمعيار أخلاقي وهو التَّواضع ممَّا يدلُّ بأنَّ وجه العملة الأخرى للعلم هو الأخلاق لا ينفصلان، فإن نزعت الأخلاق والتزمت العلم خسرت أكثر ممَّا إذا عدمت العلم ولم تعدم الأخلاق. وهذا هو إشكال الحداثة التي تري الإجابة في الاستثمار في العلم وهدم الأخلاق.
وهذا الاختيار للعبوديَّة يُحرِّره من سلطة الحياة الدُّنيا وزينتها، ولذلك لم يبن قصوراً أو ينام على فراش ليِّنٍ، ولم يمتِّع نفسه بترف الحياة الدُّنيا، وعندما طلب سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عندما رأي المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم ينام على حصيرٍ وقد أثَّر في جانبه أن يضع له فوقه شيئاً يغطِّيه، كان الرَدُّ حاسماً:
” ما لي وللدُّنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحتَ شجرةٍ ثم راح وتركها”.
وعندما تاقت أمَّهات المؤمنين لبعض متاع الدُّنيا وكان في سلوكهنَّ ما يشغل عن أداء أعباء الرِّسالة كانت الرِّسالة الرَّبانيَّة حاسمة:
”يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ”
والمصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم أتي في زمانٍ استولت فيه السياسة على مقاليد الأمور وطغت وأفسدت وطُمر العلم تحريفاً وكتماناً وسوء استخدامٍ في سبيل السلطة الزَّمنيَّة فسادت الفوضى وفشا الجهل.
فماذا كان سيحدث إذا لم ينزل الوحي على المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم؟
أوَّلاً الأمر المُرجَّح أنَّه لربما عاش حياته مثل غيره من أهل مكَّة، وإن كانت ستكون حياةً مختلفة في نوعيَّتها تتّسم بالأمانة والمروءة والتَّفكُّر، ولكن بعد قرونٍ من موته ودفنه بمكَّة، لم يعد ليذكره أحد خارج قبيلته أو أهله.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم