هل سيأتي؟؟ هل سياتي؟؟ .. بقلم: شاهيناز عثمان
12 يناير, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
24 زيارة
يتلفت الطفل حوله بقلق ..يتلفت ويهتز..يحاول الثبات.. عندما يشاهد أعين المارة تحدق فيه يشعر بانصالها موجهة نحوه..يتحاشى النظر إليها..لن يقدم له أحدهم شيئا..بقايا قطع العملة المعدنية ..لاتفيده..كل هؤلاء البشر ..الذين يمرون أمامه مسرعين مهرولين إلى بيوتهم في هذا البرد القارس .. عشرات ..مئات..الوجوه..مرت أمامه هذه الأمسية وصل ربما عددها إلى ألف وجه عبروا هذه الناصية بعضهم ينظر إليه برثاء.طوفان الوجوه هذه لا يعنيه..الوجه . الذي ينتظر..ليس بينها..الأطراف شبه المتجمدة لأحدهم عندما يخرجها بصعوبة من جيب معطفه تؤكد أن البرد قارس ..قارس جداً..كان يشعر به ..يشد أكمام قميصه المهترئة محاولا تدفئة أطرافه قليلاً..لايفلح.. يحرك أطرافه قليلا ..يتأكد إنها لم تتجمد.بعد… ..يواصل التفاته القلق..يضع رأسه بين ركبتيه ينظر إلى الأرض دون أن يتوقف عن الاهتزاز ..لايبالي بقدميه وانتعاله نصف حذاء ..الآن فقد الإحساس بالبرد الآن….هو يشعر بالألم..فقط ..ألم شديد في رأسه ….ثم يلتفت ويهتز.. يضع رأسه بين ركبتيه ..دون أن يتوقف عن الاهتزاز بعصبية ..والتساؤل الصامت الداوي بداخله هل سيأتي?!..هل سيأتي?!..هل سيمنحني تلك الحبة الصغيرة..هل سيمنحني تلك القدرة الخارقة على النسيان..هل سيمنحني تلك الاحلام ..حيث ذلك البيت ..بيتنا.. ..تلك اللقمة..من يديّ أمي الدافئتين..تلك الجدران….ورسمي بالفحم عليها.. صوت ابي وهو ينتهرني في حنان.. . هل سيأتي?!..هل سيأتي?! يتسأل في صمته والتفاته ..القلق..هل سيأتي لأنسي تلك النيران المشتعلة في بيتنا في جسد اختي في صدر أمي المتفحم النيران التي تعيده دوماً إلى زمن الحريق والاختناق..والتفحم…هل سيأتي?! ..هل سيأتي ?!..يتسأل..والقلق يأكله..يعلم إنه لن يأت لأنه لم يأت منذ أسبوع أو أكثر.. ..عندما طلب منه مالاً..مقابل ..هذه الحبوب الصغيرة التي يمنحها إياه وتساعده على النسيان ..نسيان حريق.. أخته .. صدر والدته المتفحم …والده..بيتهم ..حيهم..والقرية بأكملها..نسيان الحريق المندلع بذاكرته ..الحريق الذي لا يطفئه شىء سوى تلك الحبة الصغيرة.. مرتفعة الثمن جداً .. التي يعود بعد تناولها طفلا في بيتهم ..بيت..وأم وأب..أسرةوامان..طفلاً ..مشاكساً..محبوبا..ومغموراً بالحنان ..طفلاًوليس(.. (الشماشي)..كما يطلقون عليه في هذه المدينة القاسية..المدينة .. التي تشبه وجه الرجل الذي ينتظر..الرجل الذي يطلب منه مالاً كثيرا..لا يملكه.الرجل الذي قال له إن أردتها..عليك ان تدفع مالاً..كثيراً..كم هومخادع.. هذا الرجل مثل مدينته التي تبدو جميلة ..وطيبة..وتسع الجميع ..لكن لا مكان للفقراء..أو كما يطلق عليه أهلها (الشماشة) لا مكان لهم فيها..كم هو مخادع..لماذا منحنى إياها مجاناً كل تلك الأيام..لماذا قال إنه يريد أن يساعدني لأنسي..لماذا..لا يأتي الآن..هل سيأتي?! ..هل سيأتي?! ..ماذا إذا أتى ولم يجد المال الذي طلبه مني?! ..لن استطع الاحتمال أكثر..ينهض محدثاً نفسه ..على أن اتدبر المال والآن !!. ..ينهض بجسده المتهالك ..يمشي.. . ..محاولاً حشر جسده في ذلك الباص المزدحم جداً..!!