بسم الله الرحمن الرحيم
abdelmoniem2@hotmail.com
للحكم على شخص يفتري أو يطرح رأياً أو نموذجاً للنَّاس لا بُدَّ من وزنه بمعايير ستَّة في سياق قدرة الإنسان في هذا الكون وهي الممكن والمستحيل، والمحتمل وغير المحتمل، والمعقول وغير المعقول. وعندما تعرض أمراً على شخصٍ فهذه المعايير تُطبَّق بطريقة تلقائيَّة على الفكرة المعروضة وذلك كجزء من نشاط العقل فيحكم بناءً عليها على إمكانيَّة واحتماليَّة ومعقوليَّة الأمر المعروض وهي لذلك تتمُّ من غير وعيٍ بها لأنَّها مرتبطة بغريزة البقاء مثلما تغمض عينك إذا رمي شخص وجهك بشيء.
فالأمر الممكن يُعرَّف بالأمر الجائز وقوعه أو تحقُّقه، والمستحيل هو ما لا يمكن وقوعه أو ممتنع التحقَّق قطعاً.
والمحتمل هو أمرٌ مُرجَّح الحدوث، أمَّا الغير محتمل فهو أمرٌ غير مُرجَّح الحدوث.
والمعقول هو الأمر المنطقيّ الذي يقبله العقل ويمكن تصوُّره أو إدراكه وتصديقه، والأمر غير معقول هو ما لا يقبله العقلُ ولا يصدِّقه أو لا يمكن تصوّره أو إدراكه.
وإذا اكتمل رشد الإنسان فإنَّ معرفته وخبرته ومهارته وأخلاقه ستساعده في وزن الأمر بهذه المعايير قبل أن يُصدر حُكماً أو قراراً يتبعه فعل كما يحدث في المحكمة. ولو أنَّ النَّاس تُركوا ليتَّهموا الآخرين قدحاً بما يظنُّون ولا يسندون دعواهم بحُجَّة لصارت الدُّنيا فوضي، ولو أنَّ القضاء تبع الهوى وهو يعرف الحقَّ لصارت الدنيا فوضي، ولو أنَّ القاضي جاهل لصارت الدنيا فوضي.
فمثلاً إذا طرقت باب أحدٍ وقلت له إنَّك تعلم أنَّ زوجته تخونه فسيسألني عن الدَّليل؛ هذا إذا كان عاقلاً غير أحمقٍ لربما يقتل زوجته أو يقتلني قبل التبيُّن: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ”.
ودعنا نطبِّقُ هذه التعاريف على زعمي للزوج الذي اتَّهمت زوجته، فهو من الغالب سيقول في نفسه: “إنَّ ذلك ممكن الحدوث لأنَّ البشر يفعلون ذلك وليس شيئاً مستحيلاً ولكنَّه أمر غير محتمل الوقوع لثقتي في زوجتي ولأنَّها لا تفارقني. أو من المحتمل أن يقول لربما ذلك صحيح، وربما تعني احتمال وقوع الأمر، لأنَّها تبيت عند صاحبتها من فترة لأخري.
عند ذلك لا بُدَّ من الدَّليل لوزن الأمر ومعرفة صدقي من كذبي أو معقوليَّة كلامي من عدمه.
فإذا قلت له إنَّني رأيت زوجته باتت البارحة مع رجل فسيقول إنَّ هذا أمر مستحيل لأنَّ زوجته لم تغادر سريرها لأنَّها كانت مريضة وكان يسهر على علاجها لذا فكلامي ليس معقولاً ولا مُحتملاً.
فإن سألني تقديم دليلٍ بديل وادَّعيت أنَّ السبب هو ظنِّي أنَّها لا تُحبُّه ولكنَّها تزوجته من أجل ماله أو جاهه وأنَّها لا تخونه بجسدها ولكنَّها تخونه بخيالها وأنَّها تكذب عليه عندما تخبره أنَّها تُحبَّه.
فإن كان فقيراً غير ذي جاه وقد رفضت من هو أكثر مالاً وجاهاً منه فهو سيحكم أنَّ كلامي غير معقول، ولذا احتمال حدوث خيانة زوجته له ستقلُّ في نظره وسيحكم على رأيي بعدم المعقوليَّة بالرغم من إمكانيَّة حدوثه.
وإذا قلت له إنَّها كذبت عليه لأنَّها لم يتقدَّم إليها ذو مالٍ ولا جاه فهو أمام أربعة أمور: إمَّا أن يقول لي أنَّه كان شاهداً على ذلك ولذلك لا فهو يصدِّقني لأنَّ كلامي كذب ولذلك فهو ليس مُحتملاً ولا معقولاً، أو قد يطالبني أو يطالبها بالدليل إن لم يكن شاهداً.
فإن قلت له إنَّ دليلي هو إحساسي وظنِّي لا غير فهو سيقول في نفسه إنَّ كلامي غير معقول وغير محتمل وسيتَّهمني بالجنون، أو يتَّهمني بالكذب ولربما يظنُّ أنَّ غرضي إفساد زواجه حتى أحظي بزوجته الجميلة المخلصة الصادقة.
فالكذب هو قول يخالف الحقيقةَ مع العِلم بها، ولذلك يقول المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم: “إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُور”، أي نهي عن الافتراء بغير دليل وسيؤدِّي للفجور وهو الخروج من دائرة الخير والدخول في دائرة الضرر ودائرة الخير تبني ودائرة الضرر تهدم.
والدكتور محمد أحمد محمود لو أنَّه كان مُلحداً سلبيَّاً أو حتى نشطاً لما التفتنا إليه، ولكنَّه كان مُلحداً مبادراً بالشرِّ مُحارباً لله ورسوله اتَّهم الله سبحانه وتعالي بعدم وجوده واتَّهم نبيَّه بالكذب. وهو يريد أن يُقيم بناء نموذجه على أنقاض نموذج دين الإسلام وغفُّل عن أنَّ المساحة واسعة تسع، كما وسعت من قبل وتسع الآن، كافَّة النَّماذج الدينيَّة والفكريَّة، وليس هناك من سبب ليطرق على باب المسلمين ويقول لهم إنَّه ينوي هدم دينهم لأنَّه أكثر وعياً وعقلانيَّة منهم لأنَّهم خُدعوا في نبيِّهم لأنَّه لم يصدقهم القول وابتدع نبوَّةً من ذات نفسه ولم يرسله الله وذلك لأنَّ الله، سبحانه وتعالي علوُّاً كبيراً عمَّا يقولون، لا يُوجد أصلاً.
وأنَّ ادِّعاء النُّبوَّة كذب وصناعة استفاد فيها من الأساطير السابقة للأنبياء والرسل الذين أيضاً ألَّفوا كتباً من عند أنفسهم وادَّعوا أنَّها من عند الله وهو ما يُعرف بالافتراء.
والمُلحد ينقسم إلى ملحد سالبٍ يُعلن إلحاده ولكنَّه بنفس القدر يحترم اختيار الآخرين، ولا يستهزأ بهم، أو يهاجمهم، ومعظم الملحدين الذين نعرفهم من هذه الطينة نقابلهم ونعمل معهم.
وهناك الملحد النَّشط الذي يبشِّر بأفكاره ويقدِّم نموذجاً أو فهماً بديلاً عن السائد ينتهج العلميَّة في تحليله والأصالة في طرحه مثل كارل ماركس. ومن المعروف أنَّ كارل ماركس كان يمزح ويقول أنَّه ليس ماركسيِّ؛ أي أنَّه لا يحبس نفسه في قوقعة نظرية يمكن أن تتغيَّر وهو مبتدعها وأعلم بها من غيره، ويعلم كيف نشأت وكيف تحوَّرت. وهذه هي علامة العالم الحقَّ المتواضع.
وهناك الملحد المبادر بالشرِّ وهو الذي يحاول جهده هدم ما يراه لا يتَّسق مع أفكاره بلا حكمة أو إحساس بمشاعر أو حاجة الآخرين، معتبراً نفسه المُخلِّص للبشر من ضلالهم واستغلالهم، وأنَّ نموذجه هو الوحيد الذي يحمل مشعل الوعي والاستنارة والحداثة.
وهو لا يُقدِّم نموذجاً بديلاً لما هدم بل يكتفي بالهدم كأنَّ النموذج البديل سينبت من تلقاء نفسه كالذي يكتفي بتحضير حقله بإزالة المعوِّقات وحرثه، ولكن يغفل عن إحضار البذور والماء وإنَّما يُحضر ثلاثة مواعين كُتب على أحدها “الوعي”، وعلى الثاني “العقلانيَّة”، وعلى الثالث “الحسّ َالأخلاقي”، ولكنَّها ليست مليئة ببذور تعريف المصطلحات والمفاهيم، ولا شكل النبات الذي سيملأ الحقل، ولا طبيعة فائدته للإنسان أو كيفيَّة استخدام النَّاتج.
فمواعينه فارغة لأنَّ أفكاره ليست أصيلة، ولا نموذج له، ولا رؤية، وإنَّما هو غاضب على ما يوجد ويتَّهمه بتسبيب مآسي البشرية غير مُتَّهمٍ لنفسه أبداً، والتي لا يري فيها عيباً ويضع على رأسها تاج الحكمة لم تتوفَّر للآخرين. وكلُّ ذلك لأنَّه لا ينتهج العلميَّة في تحليله، ولا يحترم الآخرين ويرميهم بتهمة الكذب بلا دليل إلا الظنَّ، ثمَّ إذا سألته عن الشيء الذي يجب أن يتَّبعه النَّاس يقول يدلَّك على مفاهيم مُبهمة لا اتِّفاق حتى على تعريفها مثل الوعي والعقل والحسَّ الأخلاقي.
وقوله هذا ليس جديداً وليس فيه أصالة، إذ لو أنَّه قرأ القرآن لوجد كلَّ حُجَجه واردة ومردود عليها، فقد قاله النَّاس في أوَّل الرسالة، وقاله المكذِّبون لكلِّ الرسل من قبل، ولكنَّ المسلمين منهم وزنوا الأمور بميزان العقل، والأوزان التي استخدموها كما قلنا هي مفاهيم الممكن والمستحيل والمحتمل وغير المحتمل والمعقول وغير المعقول وفي كلِّ كفَّة ميزان وضعوا البرهان.
وأوَّل الأخطاء العلميَّة الفاضحة هي نفي وجود ما يغيب عنك فكيف تنفي غيباً لا تعلمه ولا تشاهده ولذلك باستخدام المعايير الستَّة لا يمكن أن نقول أنَّ وجود الله مستحيل ولا يمكن أن نقول أنَّه غير مُحتمل ولا غير معقول والسبيل الوحيد لإثبات ذلك أن تكشف الغيب وتثبت أن وراء جداره لا يوجد شيء.
فأنا لا أستطيع أن أتكلَّم بيقين على أنَّ غرفة ما شاغرة لا يوجد فيها شيئاً بمجرَّد النَّظر إليها من الخارج أو غياب أثر لحركة أو صوت صادر منها، ولكن بفتح بابها وإثبات ذلك.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم