hasabdin1939@gmail.com
تتردد من حين لآخر وتتناقل روايات شفاهية عن تاريخ السودان الحديث والمعاصر لا أساس لها من الحقيقة التاريخية : انها روايات يرويها ويحكيها الرواة منقولة من جيل لآخر ، منحولة موضوعة. صحيح ان فى طيات بعضها مثقال ذرة من الحقيقة التاريخية ( kernel of truth ) ولكن تضيف اليها سلسلة الرواة “لغرض في نفس يعقوب “…غرض سياسي اوثقافي او اجتماعي يعلق بها مسخا وتحويرا.
تكبر هذه الروايات مثل كرة الثلج بإضافات وتضخيم اثناء عملية السرد والنقل والتداول فالاشاعة مثلا وهى شكل من أشكال الرواية عن اخبار الحاضر يتناقلها الناس إناء الليل وأطراف النهار مضافا الي اصلها او محذوفا منه ، وهي عند السودانيين ملح ” وشمار” الونسة والمؤانسة .
ومن ناحية اخري تنسب بعض هذه الروايات كل عظيم من الأحداث او الشخصيات في تاريخ البشرية لأصل سوداني ورده لجذور سودانية! جاء مثلا في بضع روايات بل وفي كتابات مؤرخين هواة ان سيدنا موسي نوبي من شمال السودان، وان مقرن النيلين الأزرق والا بيض ليس سوي مجمع البحرين، وان لقمان الحكيم سوداني! وهناك من زعم ان الرئيس الامريكي براك اوباما من أصول قبلية سودانية من جنوب غرب السودان، وان اسمه الأصل بركة ابو آمنة !! وهذا ما قاله أستاذ للتاريخ الحديث باحدي جامعاتنا الناشئة وربما وفقا لمنهج العقيد معمر القذافي رحمه الله عندما قال وهو يؤصل للعروبة والتاريخ العربي ان الروائي الانجليزي الأشهر شكسبير أنما هو العالم العربي شيخ الزبير !
ان من آفات تاريخنا الشفاهي وتراثنا الشعبي القولي (الشعر والغناء والدوبيت والقصص والامثال) التعلق والتشبث والانتساب لكل عظيم في تاريخ العالم حدثا كان ام شخصا وذلك لتضخيم الذات السودانية / الوطنية وصناعة الأبطال واصطناع البطولات ، وتقديس الزعماء والقيادات. وفي ما جاء في كتاب الطبقات (طبقات ود ضيف الله) بعض مثال عن التراث السناري الزاخر بكرامات و”معجزات” الاولياء والمشايخ ومنها العبور من ضفة النهر للآخري مشيا علي الأقدام فوق الماء! وآخر يعبره طائرا في الهواء لا يمسسه ماء !! وكتب استاذنا يوسف فضل في مقدمة تحقيق الطبقات ان ود ضيف الله لم يك محققا وإنما ناقلا ومسجلا لروايات شفاهية ، ومن موقف الحياد.
والسؤال لماذا هذا التشبث والتعلق بكل عظيم شهير مذكور من الأحداث والشخصيات في تاريخ البشرية الحديث والمعاصر، ورده لأصل سوداني ؟. أزعم انها عقدة نقص في النفس والشخصية السودانية واختلال في بنية الهوية مرده نزاع وتنازع بين مكوناتها الدينية والعربية والأفريقانية. ولسد هذه الثغرة في اللاوعي وتبديد النزاع النفسي الداخلي يطلق السودانيون المسميات والأوصاف والتعميمات علي عواهنها ، ترادفا وتضادا ، تعظيما وتفخيما : فمعركة كرري انتصار وليس هزيمة وحركة ١٩٢٤ ثورة كما الثورة في فرنسا عام ١٧٨٩ ، والثورة الجزائرية ١٩٥٤ . بل اننا وصفنا كل انقلابتنا العسكرية بأنها ثورات وان لم تك : ثورة ١٧ نوفمبر (عبود ) ، ثورة مايو( نميري) وثورة الانقاذ( البشير ) ثم ماذا عن إطلاق صفة ومسمي ” الثورة ” علي حي سكني في أمدرمان .
اري ان كل هذا جزء من عقدة النقص في الشخصية السودانية وفي بنية الهوية ويكون غطاوءها الانتساب انتحالا والتشبه والتعلق تفاخرا بكل ما هو عظيم ومرموق وكل شهير مذكور في التاريخ الإنساني. ثم تضخيم وما يشبه التقديس لكل ما جاء في طيات التاريخ والتراث السوداني :
تقولي شنو تقولي منو
انحنا الساس نحنا الراس
انحنا الشان ونحنا النان
اتينا عشان نسوي الدنياللانسان
الا رحم الله الشاعر الكبير والديبلوماسي القدير سيد احمد الحاردلو.
د. حسن عابدين
باحث في التاريخ الشفاهي
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم