الحانوتي سمسار البلاغة: مشاهد (1- 2 – 3) .. بقلم: غسان علي عثمان
18 سبتمبر, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
45 زيارة
ghassanworld@gmail.com
نكتب هذا النص بعد رحيل عدد من الأصدقاء.. منهم من استوفى شرط الوجود بأن عمّر طويلاً، لكأنه سبب كافي، وآخرين ماتوا سمبلة..
مونولوج غير حزين:
القصة أن في كل رثاءً حكاية منها وفيها، حكاية تتغذى على نفسها، كما أن لكل انتقال أرضي، رواية يحتكم قانونها إلى مناسلة غير شرعية بين الواقع ومحاولة الإيقاع بالسماوي أو على الأقل تحييده، إنها فاعلية سردية مشروطة بالحرص على انتقاء اللحظات الأكثر غرابة، فليس من المعقول اكتشاف النهايات إلا عند حدوثها أو بصورة أقل رعباً عند تذكارها. إن داخل كل نهاية شكل جديد من أشكال الحياة، وقد بات من المحتمل انتخاب قصص كثيرة لمن رحلوا عنا، ومن الواجب أن تتخذ هذه القصص من ساردها المركز والقلب، إذ أن السارد ليس سوى روح جَوَّابَةَ تتقلص وتموت هي الأخرى في اللافضاء، وامتيازها الضحك المحدود، ولا تدري كيف تُداري سوأتُها.
لكن لنؤجل طريقة المونولوج هذه وندخل في الموضوع.. هَذِهِ قُصَّةٌ لَا تَعْتَرِفُ بِالْحَجْمِ، بَلْ تَعْتَذِرُ عَنِ التحقيب وَتَتَعَفَّفُ عَنْ ذَكَر اسماء الضَّحَايَا. هي قصة الحانوتي سمسار البلاغة الذي يستأجره الوراقون عند كل جنازة ليمنح أصحاب الحوانيت حق الربح، والسبب أنه وبالمران بات قلمه ساحر، وله قدرة خلاقة على ابتلاع الأحزان، وإخراجها نقية ثرية- شهية- مُربحة، وَفِي صٌرته الْمُمَزَّقَةَ كُرَاتُ مِنَ الْبَلَاغَةِ الْمُلْهَمَة وَالْمُهْلِكَة. رجل يشتغل على المدح والذم في آن، متنقلاً في خفة يحسد عليها، إذ في كل مرة يُطلب منه الكتابة بمقدار، فَلِكُلُّ كَلَمَّةِ حَظُّهَا مِنْ عَلَاَّقَةِ بِالْمُرْتَحَلِ، ولا يسمح له بكتابة أي شيء إلا بعد مراجعة لصيقة ومُدافرة ومُكاتفة حتى لا يتبرع بالمدح المجاني، أو الحزن فوق الطاقة، كما أنه لا يملكه، لا يملك حزنه الخاص إلا عبر حصص مكتوبة وبالقطارة، تُصرَف له من مستودع البكاء لا كيف يشاء، هو هنا يُركب الكلمات وفق إرادة المستفيدين من الموت، وبحذر شديد يطابق بين حجم المتوفي، وثقل دلالة الكلمة المشحونة في دولاب كلماته المتحرك عند عتبات الرثاء.
إن قصة الحانوتي بدأت حين اكتشف صباح يوماً ما أنه قد فارق الحياة، اكتشف؟!.. الصحيح أنه علم بذلك بعد الصفقة التي أجراها معه ملاك بجناح واحد كان أن قد عقد معه مقايضة مُكسبة، لم يملك إلا أن يوافق عليها، فبندها الوحيد مد فترة وجوده هنا على أن يكفل لهذا الملاك المرسل حقه في اختيار الموتى من طرف، ومهمة الحانوتي أن يشرع بهمة عالية في تدبيج الرثاءات مُرة ومُخربة للوجدان، لكنها بليغة وشديدة التأثير في من يهمهم الأمر. وما كان أمامه سوى الموافقة، لكن المشكلة التي واجهته في بداية الوظيفة الجديدة هي تواضع بضاعته في سوق السياق والدلالات والمجال الحامي لها، ولكن في سبيل الحياة كل شيء يهون..
تمر الأيام ليأتي اختباره الأول.. يطلب منه الملاك المقصوص أن يرسل برثاء عاجل ومستوفي وكمان خفيف لحارس المقبرة الذي وافته المنية وهو يحمل نعش زوجته، وللعجب أن جاءت مهمته الأولى مزدوجة، لذا يتوجب عليه في سرد انتقال الحارس أن يسطر بضع كلمات في زوجته، لزوم الواقعية غير السحرية. المهم عقد العزم على الكتابة وأحضر قلم مكسور الأسنان، ودواة فيها حبر ناشف، ولما لا أليس المتوفي شخص تافه لا يعدو دوره في الحياة إلا حراسة مقابر المسلمين وحدهم لكأن الموت بالديانة جواز مرور.
مشهد واحد:
اتخذ صاحبنا المشترط عليه الحياة نعي الجحيم وضعية الكتاب ببعد طبقي لا تخطئه العين. ارتدى حلة متهالكة تتناسب ووضعية المرثي، وعدَّل من جلسته نصف رجل تحت خلفه الأيمن، وشرع يساوم، كانت أولى المشكلات في العنوان، لكنه قرر الابتعاد شخصنة الأمر..
يكتب: توفي.. يمسح.. يقول: ومن لا يتوفى.. غيرها.. انتقل إلى رحمة.. حذفها بقليل حبر.. وتمتم انتقل.. لم ينتقل أنه يعيش بينهم.. رحل.. لم يرحل فهذا سكنه.. وجدتها: مات إنها مناسبة وإن كانت تقليدية.. لكن لابد.. واكتمل النص. وهو يراجع ما كتبه وجد وفي غير إرادة منه أنه استخدم خط صغير جداً يشبه أنف الحارس الأفطس، ولم يحفل بتمرير التشكيل على الكلمات، فقد تسمع أن الميت لم يكن ينطق الأحرف العربية الشامخة بشكل فريد، بل فيه عُلَجة محببة عند البعض وإن كان هو ليس منهم. مات الحارس وهو يدفن يحفر قبر لزوجته الميتة منذ مساء الأمس، دفنها متأخرة بسبب وصول بضاعة (عفواً جنازة) عاجلة لسيدة كبيرة في السن ماتت في مستشفى فاخر، وارتبط في ذهنه أن جسد الزوجة عليه أن ينتظر دفن السيدة، وكان في ذلك محقاً بعض الشيء.
مشهد ثان:
يصحو على صوت يهزه بعنف ويقول: قم يا هذا فقد مات مأذون الحي، وهو يدون بيانات زوجان قررا الطلاق بعد شهر واحد، قم وأكتب وتذكر العهد. يصحو في غير فزع إلا من أصوات تأتي من بعيد لنسوة ينتحبن (وووب علينا أحيي وووووب.. مات صاحب السعادة.. مات أبوي) ووجدها مناسبة ليكتب متأثراً بحزن الابنة على أبيها، أتى بالورق وطفق يكتب.. (في ليل بهيم ووسط حزن عميق، خرجت روح الرجل الطيب الذي نذر نفسه لمتعة الآخرين، وفك سراح الزهجانيين.. ووو..) هنا تدخل الملاك وقال له: يا هذا المنتظر ماذا تكتب لم يكن طيباً ولا شيء، كان رجل فظاً ينتهر الأطفال في الحي، ويحمل عصاه يأمرهم بالذهاب إلى الصلاة وإلا العقاب.. اكتب ما يليق به، لا يرفع عينه ليبدي تحفظاً.. يمسح ما كتب.. يكتب (مات المأذون المأفون وهو يجري خلف طفل لئيم لم يمتثل للصلاة وعقابه.. مات بسكتة قلبية داهمته في زقاق الحاجة زينب بائعة الكسرة بعد أن وقفت حائلاً دونه وطفلها الذي لم يبلغ العاشرة.. وحمرت له عيونها وهي متحزمة بثوب خفيف.. وقالت: يضربك الضريب كسار العنقريب. فانكسر قلبه ولم يخفق..).. لم يقبل الملاك لكنه امتعض مجبراً فلم يجد بداً من الصمت حيال المنتظر..
مشهد ثالث:
عند الصباح الرابع له وهو مقيد بالعهد.. لم يسمع إلا طرقات الباب.. يفتح الباب لا يجد أحداً.. قبل أن يغلقه.. يأتيه طرف ريش الملاك المقصوص وهو لا يقف على رجلين بل أعلى البوابة.. يقول له: صباح الخير أيها المنتظر لماذا لم يمت أحداً حتى الآن.. وقبل ان يكمل كلماته إذ برجال يهرعون في عجلة..
سألهم: في شنو؟!
قالوا: الحاجة ثريا ماتت مخنتقة..
يبتسم الملاك وقال: حيَّا على العمل..
يغلق الباب جاء بالورق.. بدأ يكتب.. فجأة تذكر أن هذه السيدة التي كانت تعيش وحيدة كيف لها أن تختنق؟ وبماذا اختنقت؟! وهو يُدَوِّرُ هذه الأسئلة، أطل الملاك أعلى البوابة وقال: اكتب أن سبب موتها اختناق بالغاز في غرفة الطعام (ضحك صاحبنا المنتظر) ده ملاك خواجه ولا شنو؟! ما يقول في المطبخ.. عاد مرة أخرى فرش الورقة الوحيدة التي وجدها في كراسته.. كتب (الحاجة ثريا عليها رحمة الله – يتدخل (الصوت): مش شغلك!، طيب.. قالها زاماً شفتيه، الرحمة تجوز على الميت والحي، خليك من الميت عديل، ومخنوق كمان!. لفت (الصوت) انتباه المنتظر بحركة من جناحه ليعبر له أنه سمع خرمجته التي تفوها بها، طيب.. الحاجة ثريا نست تقفل الغاز وجرت عنقريبها جمب البوتوجاز.. تدخل: اكتب بالعربية.. إيه بوتوجاز دي؟! طيب.. جمب الأنبوبة وأغقلت بابها عليها كأنها تريد الموت عمداً..) استلم الورقة وقال: اعجبتني تريد الموت عمداً.. لا تكتبها لأحد مرة أخرى.. ارتفع حاملاً ورقة الرثاء.. تلفت صاحبنا وهم بالقيام ليحلق بالدفن.. لكنه قال لنفسه.. لسه في غسيل وشكلة نسوان وطلاقات وكركبة دق الصيوان.. لمن يروقوا نمشي نشيل الفاتحة..
نواصل..