عودة الأمريكي القبيح: قصة قصيرة (الجزء الثاني) .. بقلم: السفير موسس أكول

 

moses.akol39@yahoo.com

(٦)
الطبيعة هنا في دلتا ((نهرالميكونغ)) خلابة وساحرة. حقول الأُرز الخضراء ممتدة على مدى البصر، وغابات شجر المطاط تطلي الأُفق لوناً أخضراً لامعاً. أشعة الشمس الطويلة تنبثق بين ثقوب فسطاط نباتي يعلو النهر حيث القوارب الطافية تبحر في هدؤ لا يشقه سوى شقشفة الطيور والمجاديف الخشبية الرقيقة التي تدفع بالمياه الى الوراء برفق بين الفينة وأُخرى. و كأن جمال طبيعة الأرض لا تكتمل هنا إلا بمباركة ورضاء السماء، هناك قوزقزح يشق كبد النهار بألوانه الزاهية، متبختراً كالطاؤوس.
لابد أن دلتا ((نهر الميكونغ)) ظل على هذا الجمال منذ قرون عدة، لكن ها نحن الآن نلحظ هذه الطبيعة الساحرة لأول مرة بالرغم من إننا جوبنا هذه الانحاء كثيراً في الماضي. لم يتثنى لنا فرصة الإستمتاع بهذه الطبيعة الخلابة من قبل، وذلك لأن مليشيات ((الڨيت كونغ)) جعلت من هذا النعيم جحيماً. كانت كل زهرة جميلة تخبئ وراءها جندي من قوات ((الڨيت كونغ)) يتربص بجنودنا، وكان كل منعطف جميل في النهر ينبئ بهجوم مفاجئ. كانت حرب غزرة بكل المعاني، أُرتُكِبتَ خلالها مجازر تقشعر لها الأبدان. من منا لا يتذكر مجزرة قرية ((ماي لاي) ويشمئز من وحشيتها! لكن ها هو نهر((الميكونغ)) اليوم ينبض بالحياة نبضاً وكأن مياءه لم تكن مسبوغة بلون الموت بالأمس. لقد مرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ سقوط ((سايغون)).

(۷)
و في أُمسية مازالت تناكف حرارة صيف هندي في منتصف شهر اكتوبر/تشرين الماضي، إندفعت بي عربة الاجرة من منزلي ب((فرجينيا)) على الطريق الضيق وسط الغابة الكثيفة في ضاحية العاصمة ((واشنطون)). الطريق الى مطار ((بلتيمور الدولي)) طويل وملئ بالمعالم الجميلة. جلست في المقعد الخلفي ويدي تداعب الحقيبة الجلدية التي إلتصقت بجسدي وكأنها تبادلني الخوف من أن أفقدها وأفقد كل ذاكرتي التي ترقد بين طيات أوراقي البالية. مرت السيارة بجوار مقر الإستخبارات المركزية الأمريكية في ((لانغلي بارك))، وعنئذ جال بخاطري أفكار غريبة عن الأدوار السرية الكثيرة التي لعبتها هذه المؤسسة الغامضة في حروباتنا المصطنعة في ((الهند الصينية)). وكأنه يعلم الهدف من سفري هذه المرة، عطف السائق يساراً من مقر وزارة الدفاع الامريكية ((البينتاغون)) ليمر أمام ((مقبرة آرلنغتون) حيث يخيم الصمت والظلام على قبور روؤساء أمريكا وبعض مشاهير جنرالاتهم. لا أعلم اذا كانت رفات قائد القوات الامريكية في الهند الصيتية ((الجنرال وليم ويستمورلاند)) ترقد ايضاً في هذه المقبرة.
عبرنا نهر ((البتوماك)) من جسر ((جورج تاون)) بمقربة من فندق ((ووترغيت)) الشهير الذي إقترن اسمة باسم الرئيس ((رتشارد نيكسون)). شكرت السماء لأنهم لم ينصبوا للرجل تمثالاً أمام الفندق الذي لا يبعد سوى بضع أمتار من نصب تذكار الرؤساء ((أبراهام لينكلون)) و((جورج واشنطون)) و ((توماس جيفرسون))، والتي تقف تذكاراً لعظمة أمريكا وماضيها التليد ولمستقبلها الباهر. وبالرغم من أنه لا يمكن رؤيته من بعيد، إلا أن النصب التذكاري الذي يخلد الجنود والمدنيين الذين قضوا نحبهم في ((فيتنام)) يقف شامخاً أيضاً للتذكير بالسياسات الخرقاء وعدم جدوى الحلول العسكرية للمشكلات السياسية.

(٨)
لقد قررت العودة الى ((الهند الصينية)) قبل أعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام ٢٠۱٦، إستجابة لرغبة داخلية جامحة تأججها أمران، أولهما الشعور بأن ربما قد تكون هذه آخر انتخابات رئاسية أمريكية ارغب في متابعتها بعد أن أنعم الله علي بعمر مديد شاهدت خلاله أحداث سياسية زلزلت العالم، وثانيهما شعور قوي بأننا على عتبة التاريخ كما كنا عند اعلان نتيجة الانتخابات الامريكية عام۱۹٦٠. ولذلك، كما ترغبت وزملائي في ((الهند الصينية)) نتيجة الانتخابات، وكما شاهدنا سوياً أمريكا تنتخب أول رئيس من الطائفة الكاثوليكية في ذاك العام، لقد أثرت العودة الى المنطقة لكي أشاهد ((وطن الأحرار)) يتحرر أخيراً من قيود العنصرية البغيضة والشفونية الذكورية العنيدة وتنتخب أول إمرأة رئيسة بعد أن اختار الشعب ((باراك اوباما)) أول إفريقي أمريكي رئيساً للولايات المتحدة الامريكية قبل ثمانية أعوام. بالرغم من هذه المشاعر الجياشة والأماني العراض قد يتسال البعض عن الحكمة في تكبدنا مشقة سفر سيكلفنا جزء مقدر من دخلنا المحدود. ولا نستبعد أيضاً أن يشكك بعض الرفاق في سلامة قوانا العقلية جراء هكذا القرار المكلف مادياً والمرحق بدنياً. حسناً، لكن عندما يتقدم بالمرء العمر فانه يفعل أشياء في غاية الغرابة لجلب الحظ مثل ان يلبس المرء شراب أخضر في قدمه اليسرى وآخر أحمر في القدم اليمنى أو أن يرتدي الشخص قلنسوة مزركشة فوق راسه في الظلام الدامس.

(۹)
أكيد، قد خاب ظني مثلما خاب ظن الكثيرين في الولايات المتحدة الامريكية وحول العالم حينما اتت الرياح بما لا تشتهي السفن، ودخل رئيس جديد البيت الذي تمنى الرئيس ((جون آدم)) أن لا يحكم تحت سقفه المهيب إلا الرجال الاذكياء والأقوياء. والان أصبح بقية القصة جزء من التاريخ كما يقولون! ولكن عن اي تاريخ يتحدثون؟ وهل اصبح الحاضر والمستقبل حقاً في خبر كان؟ أسمحوا لي أن أحدثنكم عن هذا الماضي المُرَوّع والعائد بقوة، والذي سيقلب حياتنا رأساً على عقب على نحو مخيف!

(۱٠)
لقد عاد السفير الأمريكي السابق لدي دولة ساركان الهندوصينية السيد ((ماكواهيت)) الى واشنطون بعد ان فشلت الدبلوماسية الامريكية عندما كان الرجل سفيراً لبلاده في ساركان وفيتنام وكمبوديا وافغانستان والعراق والصومال واليمن وخازكستان. ومثل شخصية ((ريب فان وينكل)) الأُسطورية في رواية الكاتب الامريكي ((واشنطون إرفنغ))، عاد السفير الى بلادٍ لم يكاد يستطع معرفة ملامحها العامة، ناهيك عن فهم التحول الديموغرافي الكبير التي إنتظمت أمريكا نتيجة التوسع في التعليم والعولمة و نيل الأقليات بعض حقوقها المسلوبة والنزوح الى المدن الكبيرة و ظهور جيل جديد من الأمريكيين الجدد من أصول افريقية وعربية ولاتينية وآسوية . و ((ماكواهيت)) إسم على مسمى، إذ يعنى إسمه ((إبن الأبيض)) بلغة اسلافه الاسكوتلنديين والارلنديين. لم يستطع سعادة السفير استعاب أو قبول امريكا الجديدة، وسرعان ما إنغمز الرجل مع بعض الرجال والنساء من اليمين السياسي المتطرف في تلميع شبيه سياسي للسفير يخوض الانتخابات الرئاسية الامريكية بغية تمهيد الطريق لعودة ذلكم الامريكي الذي ارسله الرئيس ((جون كينيدي)) الى المنفى السياسي عبر بوابة ((فرق السلام)) منذ ما يقارب ستة عقود من الزمان. وأخيراً نجح سعادة السفير وأعوانه في مشروعهم الكبير.

(۱۱)
و بعد سبعة أشهر منذ توليه مقاليد الحكم بعد إنتخابات ساخبة، هاهو السيد الرئيس الجديد ((القديم)) يقف بقرب من نافذة من نوافذ االطابق الأول للبيت الأبيض المطلة على نصاب ((جورج واشنطون)) التذكاري، ويستنشق الهواء بعنجهية بليدة وغطرسة متطرفة. يبدو على ملامحه قلق ممزوج بشئ من الغضب والتحدي. لابد ان الأزمات التي تلاحق الإدارة الجديدة بدأت تثقل كاهل الرجل بحيث أنه لم يبق في وجهه اي أثر للفرحة العارمة التي غمرت وجهه عند عودته من زيارته الاخيرة لكل من المملكة العربية السعودية وإسرائيل. والآن يلقي الرئيس نطرة عابرة على بعض المارة خلف السور الحديدي. و فجأة تتجمع شعر رموش عينيه على جبينه العريض، ويحدق النظر باستحياء واضح على شاشة هاتفه الذكي، ويبدأ الكتابة عبر التويتر: “وزير العدل رجل جبان لا يستطيع الدفاع عني ولم يتمكن حتى الآن من محاسبة السيدة هيلاري كلنتون لفسادها في قضية الرسائل الألكترونية. السيد ((جيف سيشنس)) لا يصلح لهذه الوطيفة. لابد ان يذهب!” “السيد ((إستيف بانون)) “كبير” المساعدين في البيت الأبيض أينع رأسه مبكراً! انه يتوهم اليوم بأنه صانع الملك، وبأنه هو الذي “صنعني” وجعل مني رئيساً! سنعرف قريباً مّنْ صَنع مّنْ! سيعود هذا المغرور المخبول عاجلاً الى حيث أتى. سيعود الى القفار السياسي في الجنوب حيث لا بيت أبيض أو سيارات فارهة !
وفي هذه الأثناء تمر في الشارع، خلف السور الحديدي، فرقة تتكون من عشرة أو دستة من الرهبان البوزيين يسيرون بخطوات سريعة متناغمة مع دقات الطبول الصغيرة التي تتدلى من اكتافهم. رؤوسهم الحليقة تلمع كالحجارة في شمس الضحى، بينما أخذت اطراف ملابسهم الفضفاضة ترفرف كالرايات من خلفهم. بصرهم مصوب الى الأمام فقط لا يزعزعه اي شئ حتى وجود السيد الرئيس في النافذة. لكن يبدو أن شيئا ما في انشاد الرهبان يزعج السيد الرئيس الذي أخذ يدير راسه ببطئ كأنه يريد أن يصغي جيداً للشعارات التي يرددها الرهبان.
“أسجد للبوذا العظيم…أسجد…الشر لا يقاوم إلا بالحق…”
أسمعت ماذا يقولون؟ الرئيس يقول وكأنه يخاطب شخصاً بالقرب منه.
“لا قوة في الكذب…لا قوة في العنف…أسجد..أرحل عن الدنيا وأترك ملذاتها! ازْهَدْ في السلطة…أركع!… أخضع… أرحل عن الدنيا المادية…أتقبل حكماً لا كذب فيه!”
“أسمعت ماذا يقول هولاء العلوج؟ “شوعيون في ثياب رهبان!” لقد شاهدتهم من قبل في سركان ولاوس وكمبوديا وبورما ((ميانمار))” “انهم مأجورون ومرتزقة أرسلتهم هيلاري كلنتون الى هنا لإثارة الشغب!” “سأدق أعناقهم بيدي!” “أوغاد!”
أحد رجال حراسة الرئيس يصيح: لا! أرجوك سيدي الرئيس لا تفعل ذلك! ياإلاهي! الرئيس! الرئيس!

(۱٢)
“أنقذوني! النجدة! كومي! اف بي آي!
هرج ومرج امام النافذة. فجأة يشاهد النصف الأعلى من جسد الرئيس متدلياً من النافذة كجسد مهرج في السيرك فقد توازنه على الحبل. البذة الرمادية تكاد تغطي راس الرجل بينما حكم إثنان من رجال الحراسة الخاصة قبضتهما على الجزؤ الاسفل من جسمه الضخم، وفي هذه الأثناء يشاهد رجل ثالث ممسك بما اوتي من قوة بالرئيس من الحزام الذي يحيط وسطه العريض. بعد لحظات عصيبة، وبفضل يقظة وحنكة رجال الحراسة الخاصة، يتمكن الجنود من إنتشال الرئيس من النافذة. والآن وبعد أن زال الخطر، يقف الرئيس على قدميه في البلكونة وينفض بعض الغبار عن بذته، وعلامات الغضب يملاء وجهه العبوس و الذي قد احمر من الفزع.
وفي محاولة يائسة لإخفاء الحرج الشديد، يقوم الرئيس بتوبيخ رجال الحراسة الخاصة قائلاً. “كان الأجدر بكم أن تمسكوا بهولاء المخبلولين من تلابيبهم بدلا من ان تتشبثوا بحزامي الغالي، أتعرفون كم هو سعر هذا الحزام؟”. لكنه أدرك بعد برهة ان حديثه لا طائل تحته ، ثم أردف قائلاً: “حسناً! حسناً ! هم بوزيون. ليست لملابسهم ياقات مثل ملابسنا. إنهم لا يلبسون ملابس كملابسنا لأنهم يفضلون التلفح بملاءات ذات اللون الأصفر الغامض كلون زهرة الشمس، وذلك ربما لأنهم من عباد الشمس! أليسوا كذلك؟”
لابد أن الرئيس أدرك أخيراً أن ليست هناك تحت الشمس أي ثرثرة تكفي أن تخفي ما إرتكبه من حماقة وتهاهور لا يليق بمقام رئيس دولة، ولكنه رجل لا يعرف الحياء ووجه مغسول بمرقة، كما يقول الخليجيون. صمت برهة قبل أن ينفجر غاضباً. “مالكم تنظرون إلي هكذا؟” “ألم تشاهدوا من قبل شخصاً حاول ان يقفذ من النافذة؟”
قال أحد الجنود في هدوء تام: “كلا، سيدي الرئيس. أن بعضهم يقفذون عادة من الطائرات بالمظلات وذلك بعد انتهاء فترات رئأستهم.”
“هراء!” “إنصرفوا!”

(۱۳)
هدؤ تام يخيم على البلكونة حيث يقف الرئيس وحيداً بجوار النافذة و في يده اليمنى هاتف ((بلاك بيري)).
“السيد كوشنر!”
“نعم سيدي الرئيس.”
“أرجو ترتيب مأدبة عشاء فاخرة في البيت الأبيض يوم السبت القادم تكريماً لقادة تنظيم ((كوكلس كلان)) والنازيين الجدد ورؤساء المنظمات العنصرية الوطنية الذين شاركوا في المسيرة الكبرى في ((شارلوتفيل)) في فرجينيا. أن هولاء الوطنيون هم السد المنيع الذي يغي أمريكا من الغزو الأجنبي. ستكون الوليمة لائقة بمقام هولاء الأبطال. لكن، فليكن معلوماً لدي جميع موظفي البيت الابيض أن من يتورط في تسريب خبر دعوتنا الكريمة هذه للصحافة اليسارية المأجورة سياقبل بالغضب واللظى!”
“أمرك، سيدي الرئيس.”
الرئيس يتأمل شاشة هاتفه وعلامات الرضاء عن صهره ((كوشتر)) المخلص تكسو وجهه، ثم يرحل ببصره بعيداً كمن يتوقع ظهور جسم غريب في الافق.
“كيم!”
“نعم، دونالد!”
“هل أطلقت جسماً غريباً نحونا؟”
“كلا، دونالد.”
“كيف حال زوجتك الفنانة ذات الصوت العذب؟”
“على مايرام. وكيف حال السيدة الاولى صاحبة الوجه الصبوح؟”
“شكر! أن ((إيفانا)) بخير. هل حددتم موعد قاطع لإطلاق الصواريخ البيلستية نحو بلدة قوام؟”
“نعم، لقد حددنا يوم الثلاثاء موعداً نهائياً للتجربة الحاسمة.”
“حسناً! استمع جيداً لأنني قد قررت الآتي: أولاً، ترحيل سكان قوام الذي يبلغ عددهم نحو 162،800 نسمة الى اليابان لأنهم أقرب الى شعوب تلك الجزر ثقافياً. أنظر كيف مازال رجالهم يرتدون تننانير من الأعشاب! ثانياً، قررت منح العفو العام للرئيسة السابقة لكوريا الجنوبية ((بارك قون هي)) وترحيلها الى العاصمة ((بيونغ يانغ)). كما تعلم أن لدي صلاحيات منح العفو ايضاً لكل أفراد اسرتي ولشخصي القوي. ((بارك)) امرأة جميلة، وغير متزوجة وليس لديها أطفال. أعتقد انها ستكون رفيقة مخلصة. ثالثاً، لقد قررت نقل سفارة الولايات المتحدة الامريكية من ((سول)) الى ((بيونغ يانغ)) فوراً. عليه، قررنا وقف كل إجراءات نقل سفارتنا من ((تل أبيب)) الى ((القدس)) وذلك لكي نتمكن من تنفيذ هذه الخطة العاجلة. رابعاً، أن مناوراتنا العسكرية مع ((سول)) هذا العام ستكون بدون ذخيرة حية وذلك لأننا نريد لها أن تكون مناورات صورية فقط، وذلك تأيداً لسياسة ((الشمس المشرقة)) التي ينتهجها نحوكم الرئيس الكوري الجنوبي الجديد ((مون جي إن).”
“دونالد، هذه قرارات موفقة بحق السماء، وعلى ضوئها سنوقف فوراً إجراءات إطلاق صواريخنا نحو قوام.”
“لا، لا. أرجو أن تستمر في خطتكم، كما أرجو أن تزيد من نبرة الحرب الكلامية مع أمريكا لأن ذلك يرفع من شعبيتنا التي أخذت تتدهور في إستطلاعات الرأي العام بصورة بشعة منذ أن أتيتُ الى البيت الابيض قبل بضعة اشهر فقط.”
“لكن المضي قدماً في هذا المشروع يسبب لي مشكلة نفسية كبيرة. لقد خططت لهذا المشروع لكي أحظي باهتمام خاص من العالم ومن أمريكا بصفة خاصة. لعلك لا تعلم إني وُلِدتُ وسط ترسانة ضخمة من الأسلحة الفتاكة، ومن ثم ترعرعتُ بين جنرالات يدفوني دفعاً نحو الهاوية يوماً بعد يوم. لقد غدوتُ سجيناً بين جدران هذا القصر الضخم والذي أعمل فيه نهاراً لكني لا أقضي فيه ليلة واحدة في السنة وذلك لأنني أنام في بدرون خرساني تحت القصر خوفاً ليس من الصواريخ الأمريكية بل من جنرلات الجيش الذين يريدون الإطاحة بي. إنهم يتربصون بي على مدار الساعة! سأحدثك لاحقاً عن الدعاية المغرضة ضدي. بلاشك انه بلغ الى مسامعكم الدعاية التي تقول بأني قتلت عمي العزيز بقذيفة ((بيكام)) المضادة للطائرات، وعن كيف أني قتلت اخي ((كيم)) بالسم في بلدي أجنبي وهلماجراً.”
“لا! حسناً! لا تقلق! سنوفر لك الحماية السياسية والحضانة الأبوية والرعاية الإجتماعية.”
“شكراً، شكراً كثيراً سيدي الرئيس. سأنام نوم قرير العين هذه الليلة. سأطلق الصواريخ البيلستية نحو ((قوام)) يوم الثلاثاء القادم وذلك بعد خلو البلدة من السكان.”
“حسناً، ((كيم))! لكن لدي سؤال مهم.”
“تفضل، سيد الرئيس.”
“دولة المكسيك، كما تعلم، ستتكفل بكل تكاليف السور العتيد الذي سنشيده في حدودنا الجنوبية مع المكسيك، وذلك لأن سياسة “أمريكا أولاً” التي ننتهجها تعني أن كل المعاملات المالية لابد أن تصب في مصلحة أمريكا أولاً وأخيراً. إذاً، السؤال البديهي والذي لا يجب أن يطرح نفسه هو من الذي سيدفع فاتورة ترحيل سكان قوام الى اليابان وترحيل السيدة ((بارك)) الى ((بيوتغ يانغ)) ونقل السفارة الامريكية من ((سول)) الي عاصمتكم؟”
توت!..توت!..توت!
“كيم! كيم! أتسمعني؟ الفاتورة! أمريكا أولاً! كيم! أتسمعني؟
توت!..توت!..توت!
“لابد أن شبكة الإتصالات صينية الصنع في ((بيونغ يانغ)) قد تكالبت عل مرة اخرى مع مرتزقة هيلاري كلينتون و مافية بوتن و داعش و مع لاجئ أنجيلا “المسترجلة” ميركل و”نابليون الصغير” الذي يبدو أنه خرج من رحم أُمه مصاباً بعقدة أجداده؛ ((عقدة فشودة)). أوغاد!

جوبا، جنوب السودان
19 سبتمبر 2017

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً