مدخل في قراءة المحبوب لتجربة الإسلام السياسي .. بقلم: حافظ كبير
24 نوفمبر, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
84 زيارة
أثار حديث الأستاذ المحبوب عبد السلام رئيس الرابطة العربية للتربويين والتنويريين والقيادي في المؤتمر الشعبي نقاشاً واسعاً في أوساط الشباب والطلاب والمهتمين بالفكر الإسلامي والمراقبين لمسيرة وتجربة وفكر الحركات الإسلامية في العالم. وقدّم الأستاذ المحبوب نهار الثلاثاء الماضي في ندوة حاشدة نظمتها أمانة الفكر والتثقيف بطلاب المؤتمر الشعبي في جامعة النيلين بعنوان ” قراءة في تجربة الإسلام السياسي ” قدم خلالها قراءة لظاهرة الحركات الإسلامية منذ نشأتها والتحديات التي تصدت لها معترفاً بأن الخلوص إلى نتائج واضحة أمر في غاية الصعوبة في دراسة ظاهرة ما تزال تؤثر تأثيراً بالغاً على العالم كله ، ودعا المحبوب إلى مراجعة عميقة ، ليس لإدانة طرف ما ، بل لقراءة الماضي من أجل فهم الحاضر والتخطيط للمستقبل. ونادى المحبوب بأن تعود الحركات الإسلامية بناءً إنسانياً يتكامل مع البشرية ، مضيفاً أنه لا يمكن أن تقوم حركة اجتماعية اليوم دون أن تتفاعل مع المناهج الحديثة .
يقول المحبوب أن هناك بنية غير ديموقراطية ولا يمكن أن تصبح داعمة للديموقراطية ، ويطالب بضرورة أن تكون الحركات الإسلامية داعمة للديموقراطية ، وأنّ عليهم إمّا أن يراجعوا أنفسهم أو ستحدث لهم إزاحة من داخل التيار الإسلامي إذا ثبت أنهم جوهرياً لا يمكن أن يكونوا ديموقراطيين .
واقرّ المحبوب في مستهل حديثه بأن مصطلح ” الإسلام السياسي ” فيه خلاف خاصة من المتهومين بالإسلام السياسي معتبراً أنه وصف من الخارج وليس كما يتمنى الموصوفون به ويسبب لهم عقدة وأنهم ينظرون إليه باعتباره ” يُبعِّض الإسلام “، وأشار المحبوب إلى عدم حساسيته تجاه المصطلحات ، داعياً إلى الاعتراف به والتعامل معه على هذا الأساس والانطلاق خطوات أخرى للاستفادة من طاقات كل المسلمين.
ويعزو المحبوب الاهتمام الكبير بقضية السلطة / الإمامة إلى أن غالب المذاهب الفقهية تمحورت حولها ، وإن المسلمين منذ بداية عهدهم حصلوا على درجات عالية في التحديات التي وقعت عليهم من جهاد وهجرة ودعوة ، إلا أن أداءهم كان متدنياً في قضية السلطة / الإمامة ، ويؤكد المحبوب أن الإمامة قضية محورية تقع في قلب الصراع الفكري والفلسفي.
اتخذ المحبوب من مقولة المؤرخ والفيلسوف الإنجليزي أرنولد توينبي مدخلاً في قراءته لظاهرة الحركات الإسلامية ، والتي وصف فيها التقاء الحضارة المسيحية الغربية بالحضارية الشرقية بأنها أهم حدث في القرن العشرين ويعتبر المحبوب الاستعمار وأصوات المدافع والمطابع هي من انتجت ظاهرة النهضة العربية وبالتالي الحركات الإسلامية بنت هذه المفارقة، وبنت الجهود التي قام بها جمال الدين الأفغاني.
هذه المفارقة التي فرضت السؤال الشهير ” لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ ” اعتمد المحبوب في قراءته على الجزء الأول من السؤال ” لماذا تخلف المسلمون؟ ” واستعرض جهود الافغاني والإمام محمد عبده ورشيد رضا ثم حسن البنا وحركة الإخوان المسلمون التي أسّسها، وتعرض المحبوب لفلسفة الإخوان التي تعتمد على بناء الفرد المسلم ثم الأسرة المسلمة ثم المجتمع المسلم فالدولة المسلمة ، وأشار إلى أنها انتهت إلى بناء مجتمع موازي إلى جانب المجتمع المصري ، له مصالحه وشركاته ومصانعه ، ووصف حركة (تمرد) بأنها انتقام الغرس القديم على الغرس الجديد لأنه هدد جهاز الدولة.
ويجيب المحبوب عبد السلام على التساؤل حول محاصرة الحركات الإسلامية ودمغها بالإسلام السياسي بأنّ المجتمعات العربية بها غرس استعماري وليبرالي عميق لم تستطع الحركات الإسلامية أن تصطلح معه أو تتدرج في رؤيتها وبرنامجها لإصلاح الواقع.
تعرض المحبوب لتجارب الحركات الإسلامية في فلسطين والجزائر والأردن والعراق وتونس بالإضافة إلى مصر والسودان ، وإلى الانقسامات التي مرت بها ، ووصف هذه التجارب بأنها تعيش حالة من التعقيد لا يعلمها إلا الله ، إلا أنه وصف الحالة السودانية بالأكثر تعقيداً كونها حكمت مجتمعاً لأكثر من ربع قرن ووقعت في أخطاء كثيرة ، واعتبرها متقدمة جداً مقارنة بمثيلاتها من الحركات الإسلامية ، إذ تجنبت التوازي مع المجتمع واشتبكت معه وخلقت شبكة معقدة يصعب تفكيكها.
انتقد المحبوب كثيراً الجمود الذي يعيشه العالم الإسلامي ؛ فبينما شهد العالم ثلاثة تغييرات كبيرة ظلّ العالم الإسلامي جامداً وأضاف أننا كثيراً ما نتأخر عن التجديد فيفرض علينا مثلما فُرضت الديموقراطية ، والتي هي في الأصل رد السلطة إلى الشعب ، وهي قيمة إسلامية فشل العالم الإسلامي في الحفاظ عليها بعد الخلافة ، ويرى المحبوب أن البشرية مقبلة على تحول جذري فيه شبكة علاقات اجتماعية ، يجدي معها التفاعل الإنساني الحر عبر الثقافة والفنون ، وأن التقارب العالمي مستمر وهذا ما يجعل الحوار متاح بين العالم والتيار الإسلامي ، وبذلك فإن العالم الإسلامي يمكن أن يساهم بالجهد النظري في أن لا تكون الديموقراطية متوحشة ، وأن تكون الرأسمالية أقل توحشاً وأكثر إنسانية وأن تقدم الحركات الإسلامية الإسلام بوصفه داعماً للديموقراطية .
يؤمن المحبوب بأن هناك فرقاً جوهرياً بين التجديد والحداثة ، فالتجديد دائماً ما يرتبط بالمجدد والملهم والمرشد ، كما كانت البشرية تنتظر النبي ، لكن الحداثة بجوهرها الانساني المنفتح هي سعيٌ واسعٌ متكاملٌ يمتد على أفق الإنسانية ، ولكنه يشير في الوقت نفسه إلى أنّ حديث الرسول ( ص) ” إنّ الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مئة عام من يجدد لها أمر دينها ” ، ويشير الى أن (مَنْ) تفيد الجماعة كما تفيد الفرد في اللغة العربية ، ويؤكد أنه لا يمكن لواحد فذ أو لجماعة مغلقة أن تتصدى لتجديد الفلسفة والعلم ، لا سيما في البيئة الأدنى التي تهب عليها الرياح من مناطق الضغط العالي .
ويُعتَبر المحبوب وفقاً لمراقبين الأكثر جُرأةً في المراجعة والأكثر حماساً وانفتاحاً على الحداثة والقيم الإنسانية العالمية ويصوّر العالم كُلُه وكأنّه يجلس على مائدة واحدة ، يستدعي فيها التيار الإسلامي الدين الخالد لمعالجة أدواء المادية وبلوغ التكامل الإنساني العالمي .