القانون والسياسة .. بقلم: عبدالرحمن حسين دوسة/مستشار قانونى
18 يناير, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
58 زيارة
“Politics are to be adopted to the laws, not the laws to politics”
راهن المشهد السياسى والأقتصادى مقروء مع المعطيات الماثلة يشئ بجلاء ومن دون مواربة الى أن عام 2018 سيختلف عن غيره من أعوام الإنقاذ الماضية وذلك لجهة الإنهيار الشامل لإقتصاد الوطن وما إستتبعه من معاناة حياتية تفوق الإحتمال، فى الوقت الذى لا يملك فيه المؤتمنون على إقتصاد الدولة أى أفق سوى مد أياديهم خلسة وعنوة تجاه جيب المواطن الشحات وحذارى إن أحتج الأخير وإلا فأن مجمد حاتم سليمان نائب رئيس الحزب الحاكم سيطلع ما تبقى من زيته، اى العصرة الأخيرة.
الثابت تاريخيا أن مسئولية مناهضة هذه السياسات العقيمة تقع على عاتق أربع كتل رئيسة، الشعب والبرلمان واالقضاء ومنظمات المجتمع المدنى بمختلف تكويناتها. حاليا يبدو أن هناك حراكا وإحتجاجا محدودا من بعض الأحزاب السياسية وقطاع من الشعب، أما البرلمان فحاله غنى عن الإشارة.
بطبيعة الحال من غير المألوف للقضاء – خاصة فى الدول ذات النظم الشمولية – أن يكون له ثمة دور فى مقاومة قرارات إقتصادية تصدرها الأجهزة التنفيذية أو السياسية وذاك لأسباب معروفة لدى الجميع، بيد أن حال القضاء الحر لدى الشعوب الحرة يختلف كثيراَ، إذ يقوم القانون بمناهضة السياسة تحقيقاَ للمصلحة العامة وليس فى ذلك ما يخالف نظرية فصل السلطات Separation of Powers وهذا ما أود أن أشرك القراء وزملائى القانونيين فى تلمس بعض ملامح هذا الدور من خلال سابقة قضائية إنجليزية قديمة تعد من إمهات القضايا، أى Leading Case وهى قضية: مجلس بلدية بروملى ضد مجلس لندن الكبرى
Bromley London Borough Council V. Grater London Council
تتلخص الوقائع فى أنه وأثناء الإنتخابات التى أجريت فى عام 1981 لإختيار مجلس لندن الكبرى، أصدر حزب العمال البريطانى بياناً إنتخابيا Manifest أوجز فيه برنامجه الإنتخابى الذى تضمن – فيما تضمن – وعداَ حزبياَ وسياسياَ بتخفيض أجور المواصلات العامة بمقدار الربع.
كسب الحزب الأستحقاق الإنتخابى بأكثرية مريحة وعلى الفور أصدر المجلس – الذى سيطر عليه الحزب – أمراَ للمجلس التنفيذى لوسائل النقل بلندن The London Transport Executive بتخفيض فئات وأجور النقل عملاَ بالبيان الحزبى.
كانت النتيجة الطبيعية لتنفيذ الأمر، ضمور إيرادات المجلس وعجز حاد فى الموازنة أفقد الحزب القدرة على تسيير شئون العباد والبلاد، ولتدارك هذا العجز فرض المجلس عوائد ضريبية إضافية على سكان مدينة لندن بلغت فى مجملها (69 مليون جنيه أسترلينى)، وطلب من كافة المجالس البلدية بلندن وعددها وقتئذ (35 مجلساَ) تحصيلها من دافعى الضرائب.
جرى تنفيذ الأمر على مضض، بإستثناء مجلس بلدية بروملى Bromley London Borough Council الذى تمرد وناهض قانونية الإجراء ثم قام برفع دعوى أمام المحكمة لفحص هذه الإجراءات كما طالب بالغائه بإعتبار أن دوافع القرار حزبية وسياسية ولا تتعلق بالمصلحة العامة اى ما يعرف بمبدأ او نظرية المسألة السياسية Political Question Doctrine
بعد تبادل المذكرات الأولية فيما بين هيئتى الأدعاء والدفاع، تمكنت المحكمة من صياغة عدة نقاط نزاع – وهى أحدى أهم المراحل فى القضايا المدنية – أذ أن هذه النقاط هى التى تحدد مسار الدعوى من حيث عبء الإثبات ووزن البينات ومحتوى المرافعات الختامية وغالباَ ما تتبين براعة المحامى وخبرته فى هذه المرحلة تحديداَ.
ما يهمنا من هذه النقاط، نقطة واحدة فقط تتلخص فيما إذا كانت الجهة الأدارية/التنفيذية أى مجلس لندن الكبرى له سلطة إصدار قرارات بتخفيض أجور المواصلات وفرض ضرائب إضافية؟، وإن كانت الإجابة بنعم فهل هناك حدود لهذه السلطة؟. كما تلاحظون، هذه النقطة لا تتعلق بالوقائع point of fact وإنما بالقانون point of law وبالتالى فإن عبء الإثبات يقع على المحكمة لا المتقاضين.
المفاجأة الأولى فى هذه القضية كانت فى شخصية القاضى نفسه الذى تولى النظر فيها وهو اللورد ديننج الذى يعد من إبرز القضاة الذين جلسوا على كرسى القضاء فى تاريخ بريطانيا، وقد كانت إحكامه وآراءه منهلاَ لتشكيل الوعى القانونى السودانى فيما قبل عهد الإنقاذ كما أن تأثيره على جيلنا من طلاب القانون وقتئذ عظيماً.
أما المفاجأة الثانية فهى الحكم الذى أصدره والحيثيات التى إستند إليها، أى ما يعرف بال ratio decidendi وللمفارقة ،أن طلابه بجامعة لندن حينما علموا بالحكم من خلال الصحف الصادرة فى اليوم التالى هتفوا صائحين هائجين أخرج، أخرج، أخرج لقد أخطأت أيها القاضى، إلا أن اللورد خاطبهم بحزن شديد قائلاَ:
“Law students should understand that things done in the Kings Court are presumed to be rightly done”
ثم أضاف قائلاَ أن واجبى كقاضى هو تفسير القانون وقد قمت بذلك كما يمليه على ضميرى، وعليكم أن تفهموا أن افضل وسيلة لتفسير القانون هو أن تجعل القانون يتوافق مع القانون:
“The best mode of interpreting laws is to make laws agree with laws”
نعود الى حكم المحكمة الذى أثار الطلاب والصحافة، حيث أعترف اللورد فى مستهل الحكم، أنه هو شخصياَ وزميليه أعضاء الدائرة لهم مصلحة شخصية ومباشرة فى كل جوانب القضية لأنهم من سكان لندن وبالتالى مستفيدون من قرار التخفيض وفى ذات الوقت متضررون من قرار دفع العوائد الإضافية الباهظة، لكن وبالنظر الى أن لا أحد أثار هذا الدفع الشكلى أو طالب بردهم كقضاة فإنه لا يتنحى من تلقاء نفسه وحتى لو تم إثارة هذه الجزئية فإن كل دائرة قضائية تنظر فى هذه القضية سيتم ردها لذات الأسباب وبالتالى يتعذر عملياَ البت فيها وفى ذلك إهدار للعدالة ومصادرة لحق التقاضى وهى مبادئ تعلو وتسود فوق الدفوع الشكلية والإجرائية.
فيما يتعلق بالحيثيات فقد أورد اللورد أسباباَ مطولة لا يسع المجال هنا لتلخيصها ويمكن للأخوة المهتمين من قبيلة القانونيين الوقوف عليها فى مجلة الأحكام القضائية الإنجليزية المعروفة بال Weekly Law Reports WLR لسنة 1982 العدد (62) صفحة (64).
ما يتسنى لنا إيجازه هنا هو ما قاله اللورد بأن على مجلس بلدية لندن الكبرى واجبان: الأول تجاه المواطن الذى يستخدم وسائل النقل وحقه فى الحصول عليها بأسعار تتناسب مع دخله والثانى تجاه المواطن الذى يدفع الضرائب وحرمة ماله الذى يتعين عدم التعدى عليه إلا نحو عادل ومنصف، ومن ثم ينبغى على المجلس عند شروعه فى الوفاء بهذين الواجبين الموازنة بين المصلحتين المتضاربتين وفقاَ لمقتضيات العقل والأنصاف والوجدان السليم لا طبقاَ لبرنامج سياسى أو وعد حزبى سياسى.
بعد التداول أجمعت الدائرة أن مجلس لندن الكبرى كان واقعاَ تحت تأثير برنامج حزبى فأقدم على إعلاء المصلحة الحزبية رغبة فى ضمان إستمرارية الحزب على سدة المجلس من دون مراعاة لمصالح الجمهور أوالمواطن العادى لا الشحات.
أضافت الدائرة قائلة، كان على المجلس أن يعمل على تقديم مواصلات فعالة وبأجور معتدلة وفى ذات الوقت فرض ضرائب لا تثقل كاهل المواطن أو تتجاوز ظروفه الإقتصادية. هناك الملايين من الركاب القادمين كل يوم من خارج لندن ويستفيدون من هذا التخفيض من دون أن يشاركوا فى دفع العوائد المفروضة على سكان لندن وفى ذلك مجانبة للإنصاف وتجاوز لحدود العدل بل هى هبة منحت لهم من دون أن يدفعوا عوضاَ.
عليه رأت المحكمة أن مجلس لندن العظمى قد أخل بواجب الثقة فيه Violates its fiduciary duty وعجز عن موازنة المصلحتين لبواعث حزبية وسياسية وفى ذلك تجاوز لإختصاصاته وصلاحياته Ultra vires وبالتالى أصدرت حكماَ ببطلان تلك القرارات الجبائية، فالسلطة فى رأى المحكمة ليست منحة أو إمتيازاَ وإنما مصلحة عامة Power is not conferred but for public good
hatemgader@yahoo.com