تكا شاك.. تكا شاك.. تكا شاك.. تكا شاك: ملاحقة الصوت اللامتناهي في المسارات اللانهائية لأصداء “الكمبلا” .. بقلم: أحمد حسب الله الحاج
صخبٌ وشرابٌ من بغو
ومثلها في ذلك مثل معظم ابداعات الفن العظيم، فإن “كمبلا.. كمبلا” عبد الله محمد تستدعي، وتحتفي وتحاور بعض إبداعات الشعراء الكبار، ومن بين ما تستدعيه “الهونكي تونك في كليفلاند، أوهايو” لكارل ساندبيرغ. ومن بين أشيائهما المشتركة onomatopoeia أي المحاكاة الصوتية. كما أن الإثنتين تعبران وتعربان أيضاً عن احتفائهما بتقليد موسيقي راسخ ومتميز.
وقد أغراني الحديث عن الجاز بالحديث عن “البلوز”، وكدت للحظة أن استسلم لذلك الإغراء لأتوقف قليلاً عند لانجستون هيوز في قصائده عن هارلم وبخاصة “البلوز المُرهَق”، ولكن لتفادي إغراق “كمبلا.. كمبلا” في فيض الأشعار الإنجليزية قررت أن لا أفعل. وأعود لأقول في محاكاة لاستهلال ساندبيرغ، إن الأمر هنا يتعلق بالكمبلا، رقصاً وإيقاعاً وتعبيراً عن وجدان:
كان هناك حفيف بدا وكأنه اصطفاق
وكما أسلفت فإن إبداعات المحاكاة الصوتية الشعرية ليست قاصرة على الشعر الإنجليزي. ولا بد من التنويه هنا إلى المساهمات اللغوية النظرية الرائعة للغويين العرب القدامي الذين كتبوا بعمق واستفاضة في علم الصوتيات، مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي في “العين”، وأبو الفتح عثمان بن جني في “الخصائص” وغيرهما. وعلى سبيل المثال أسوق هنا بعضاً من اللمحات البارعة لابن جني يتناول فيها تبادلية العلاقات بين الأصوات والمعاني عندما يقول:”فإن كثيراً من هذه اللغة وجدته مضاهيا بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبر بها عنها، ألا تراهم قالوا: قضم في اليابس، وخضم في الرطب. وذلك لقوة القاف وضعف الخاء، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى، والصوت الأضعف للفعل الأضعف”. وكذلك قالوا “صرَ الجندب فكرروا الراء لما هناك من استطالة صوته، وقالوا “صرصر البازي” لما هناك من تقطيع صوته.”
وعودة إلى الديار، وإلى الشعر السوداني المعاصر، فإن الحديث عن المحاكاة الصوتية في النصوص الشعرية لن يكتمل ما لم نقف عند رائعة محمد المهدي المجذوب “ليلة المولد”:
Twitched strings, the clang of metal, beaten drums,
Smiling between her painted lids a smile,
كتب الشاعر الإنجليزي بيرسي بيش شيللي مقاله الشهير “الدفاع عن الشعر” في 1821، وبعد مائتي سنة نجد الشعر يدافع عنا في وطن مهزوم، ويشد من أزرنا في زمن مأزوم، ولا عجب في ذلك: فالشعراء كما يقول شيللي “هم المشرعون غير المعترف بهم في العالم”. وقصيدة مثل “كمبلا.. كمبلا” تنتج داخل التاريخ وتنتج خارجه، وستظل تولد وتحبو وتخطو وتركض وترقص وترضى وترفض على الرغم من ثقل التاريخ، وفاقة الحاضر، وإدمان الساسة العجز والتثبيط. وفي زمن العنف وتعدد مرات التوقيع على اتفاقيات السلام، فإن مهمة الشعر هي عقد مصالحة بين الإنسان وبين أحلامه التي تجهض، وطموحاته التي تؤاد، والانكباب بإصرار ومثابرة على إيجاد فرجة نرى من خلالها ما نحن جديرون به. و”كمبلا كمبلا” برغم عذوبة استرجاعها لذكرى رجل ومشهد، ليست مجرد نوستالجيا تغازل القديم وتستدعيه محتفية به، وإنما هي بشكل أساسي تطلع يستشرف الجديد ويبشر به. وإذا كانت رقصة الكمبلا، من خلال قرونها وأقنعتها وذبائحها ومزاميرها وجلاجلها وسياطها وعصيها وأهازيجها وضجيجها، تستحث الرجال لكي يكونوا في جسارة الثيران وهي في عنفوان بطرها وخيلائها، فإن “كمبلا .. كمبلا” في كرنفاليتها المتجذرة والمتجددة محاولة لإعادة اليقين الذي زعزعته صروف الأيام في قدرة الإنسان على الصمود والتحدي. ودون أن أُسقِط عليها أكثر مما تطيق وتحتمل، فهي أيضاً احتفالية ترفض الانصياع للمألوف، ولا تقنع بقبول الواقع على علاته، أو الموافقة عليه بكامل مظاهر ضعفه وقصوره:
وفي “كمبلا.. كمبلا” يقول عبد الله محمد “للعم” إدريس شكر الله ستمشي، وسيمشي الناس معك. ومع تقدمهم في المسيرة سيشعرون بأن أحزانهم تتناقص، وأفراحهم تزداد، وطموحاتهم تكبر، وأفضل ما لديهم يزداد بهاءاً وألق وهم يمشون معك:
No comments.
