أساس الفوضى الحلقة رقم (45) .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
بسم الله الرحمن الرحيم
وللخروج من نفق منهج الأيديولوجيَّة فقد نبَّه الإمام الشافعي رضي الله عنه لهذا فقال:
ويقول سيدنا عبدالله بن عبَّاس رضي الله عنه:
ودورة الفوضى الهدَّامة قديمة وأسبابها واحدة تقوم على أساس الأيديولوجيَّة ينفِّذها طاغوتيٌّ براغماتيٌّ نصف متعلِّم، وقد تطرَّق لها العلماء من قبل وألَّف فيها الإمام المقريزي رضي الله عنه كتاباً يصف حال الأمَّة كما يصف يومنا هذا أسماه: “إغاثة الأمَّة بكشف الغمَّة”، ولنسمع ما قال:
وفي زمانه بلغ الأمر من الفوضى والمجاعة ما جعل النَّاس تأكل أطفالها وتأكل بعضها بعضاً في مصر والشام والحجاز والعراق واليمن. وعندما تمَّ إفقار الرِّيف بالحروب والضرائب والجوع والمرض هجره أهله وتحلَّقوا حول المدن ممَّا أدَّي إلى تناسل دورة خبيثة بانعدام الإنتاج وقلَّة المحصول وازدياد الغلاء كما نشهد في أيَّامنا هذه بينما اغتني أهل الدَّولة والتُجَّار والأطبَّاء والصيادلة من مآسي النَّاس.
ولذلك فيجب علينا النَّظر إلى تفاعل العوامل الخارجيَّة أو البرَّانيَّة مع العوامل الدَّاخليَّة أو الجُوَّانيَّة وكيفية التَّوفيق بينهما باستخدام ميزانٍ سليم. ولذلك فعندما يختلُّ الميزان المادِّي أو المعنوي الذي نُقيِّم به الأمور تختلُّ الحياة.
والمولي عزَّ وجلَّ يقول:
وقلب الإنسان مُغلَّفٌ ومحجوبٌ عن الحقِّ بالغفلة أكثر من بقيَّة مخلوقات الله سبحانه وتعالي رحمةً به، فهو لا يتزلزل ساعة يقرأ القرآن الكريم عليه، فتأمَّل لو أنَّ الإنسان أحسَّ بوعيٍ شديد أنَّ معه من يراقبه في كلِّ لحظة فإنَّه لن يستطع أبداً أن يقوم بفعل شيء خاصٍ لا يريد أحداً أن يطَّلع عليه وستكون حياته سلسلة من الشقاء:
وميزان الإنسان عقله، وإذا أراد أن يفعل شيئاً فإنَّه يفكِّر فيه قبل أن يُقرِّر، ويعتمد في حكمه على مصدر تشريع يأنس إليه أو يوافق على محتواه، وهذا التَّشريع قد يكون من المجتمع، أو من الرسالات السماويَّة، أو من فلسفات أفراد أو من هواه. فقبل اتِّخاذ الإنسان لقرارٍ يريد أن يعلم حقيقة المعلومات ليبني عليها الحجَّة قبل العمل.
ونحن نسعى لاستقصاء الحقَّ في الموازين، لأنَّك إن ذهبت لصائغ وشككت في ميزانه فلن تقبل بوزنه، لأنَّه في تقديرك ليس حقَّاً وتعتبره باطلاً، وتري حينئذٍ أنَّه ظلمك بتفضيل مصلحته على مصلحتك وتعتبره غشَّك نتيجة أنانيَّته.
ولذلك نقول إنَّ الله سبحانه وتعالي يثيب النَّاس فضلاً ويعاقبهم عدلاً ومنها جاء مفهوما العدل والإحسان أمراً من الله:
إذن نحن نسعى في حياتنا لننال حقوقاً وثمنها واجبات وتكاليف تثبت علينا، فإذا ألزمنا أنفسنا بالشراء فعلينا مسئوليَّة دفع الثمن، وإن لم نفعل وأخذنا البضاعة غصباً أو سرقةً، فسنتعرَّض في القضاء للمساءلة والعقاب. فلا حقَّ بلا ثمن. وكلُّ شيءٍ يمشي على قدمين مثل قدمي الحقوق والواجبات، وقدمي العلم والأخلاق، فالحياة لا تستقيم وتصير عرجاء بغير أحد القدمين وهذا واضحٌ في قول المولي عزَّ وجلَّ في ربط الحقِّ في امتلاك شيءٍ مباشرة بالمسئوليَّة وأداء الواجب:
ولذلك التَّشريع، والذي هو المثقال التي نستخدمه لوزن فعلٍ ما، يجب أن يكون حقَّاً واضحاً لا لبس فيه، ولذلك يقول المولي عزَّ وجلَّ أنَّه أنزل الكتاب بالحقِّ كمبدأ أوَّل، ولكنَّه أنزل معه الميزان كمبدأٍ ثانٍ ووضَّح أنَّ الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه:
ولكنَّه سبحانه وتعالي لم ينزِّل ما ليس له برهان، أي علم، وأنزل أيضاً ما يزيل ظلمة الجهل وجعله نوراً مبيناً؛ أي لا يمكن أن يغفل عن رؤيته أحد لأنَّه ليس بالخافت وهو مثل أقوى الكشَّافات الكهربائيَّة:
فمثلاً إذا بحثت عن دواءٍ لطفلك فأنت تذهب لطبيب، لأنَّك تعتقد وتثق في علمه، ليقرِّر لك الدَّواء ويكتبه لك في وصفة تذهب بها للصيدلاني، وهذه الوصفة تعادل التَّشريع.
فالإيمان، وهو الأصل، هو العلاج الرُّوحي وبدونه يموت الإنسان، فإذا أنت لم تؤمن أنَّ العلاج المعروض عليك هو الصحيح فلن تستخدمه وسيفتك بك المرض وستزيد فوضى المرض. والعمل الصالح هو أن تأكل أو تفعل حلالاً؛ لأنَّ أصل التَّحريم الضَّرر المادِّي أو الاجتماعي أو النَّفسي أو الرُّوحي، ونحن نعرف كيف تؤثِّر كثرة الخطايا على الإنسان.
فالإنسان يبحث في المفاهيم التي تُعرض عليه في سوق الحياة عن نورٍ يخرجه من ظلمات الجهل، ويهديه إلى راحة اليقين ليشفي أسقامه الجسديَّة والنَّفسيَّة والاجتماعيَّة والرُّوحيَّة. والمولي عزَّ وجلَّ يقول للنَّاس أنَّ ما أنزله هو أوضح ما يمكن أن يكون ولا يمكن ألا يراه إلا أعمي مثل الذي يمشي في صحراء مظلمة يبحث عن مصدر ضوء مثلما فعل سيدنا موسى عليه السلام:
أمَّا إذا شاءت مؤسَّسة الدَّولة أو المُنظَّمة التي تعمل لها أن تجعل المعاملة بين الزُّملاء بالوُدِّ إلزاماً حسب فلسفتها، فيصير السلوك الفردي واجباً عليك وحقٌّ لزملائك ويدخل دائرة القانون.
والمفترض في حالة الوزن بين الحقوق والواجبات أن نساوي بينهما في الحالة المثاليَّة ولكن لأنَّ الإنسان مجبول على الطغيان: “كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى”، وهو ظلوم جهول يقبل التَّكليف الذي لا يدرك مآله ولا يعلم مقداره: “إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًاً”، وعادته عدم أداء الواجب، لأنَّ نفسه ملهمة فجوراً أكثر من تقوي: “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا”، لذلك يجب عليه أن يحتاط بتقديم واجبه على حقوقه بأن يرفع كفَّة حقوق الغير ويخفض كفَّة حقوقه.
ولذلك سألنا المولي عزَّ وجلَّ أن ننتبه عند أداء الوزن فنتجنَّب ثلاثة أشياء وأوَّلها: أن نتجنَّب الطغيان؛ وهو رفع كفَّة حقوقك أو حقوق من لا يستحقُّ ممَّن لم يحترم حقوق الآخرين، مقارنة بحقوق الغير والذي هو جوهر الأنانيَّة بينما يدعونا المولي عزَّ وجلَّ للإيثار أي للتَّضحية.
والفرق بين الحقوق الأساسيَّة للإنسان التي تبنَّتها الأمم المتَّحدة وبين الحقوق الأساسيَّة التي أقرَّها الله سبحانه وتعالي يقع في ثلاثة أشياء:
والفرق الثالث:
وهذا من تكريم المولي عزَّ وجلَّ للإنسان الذي ساواه قيمةًّ بخلقه من تراب، وتعهَّد بحفظ حريَّته في كلِّ أمرٍ لا خيرة له فيه، ومنها حريَّة العقيدة لأنَّ الإنسان يولد في مجتمع لا يختاره فيتبنَّي أفكاره، ولكنَّه مطلوبٌ منه عند عمر التَّكليف أن يختار عقيدته بنفس المنهج الذي يختار به زيَّه أو زينته، ولا يركن في الاختيار على والديه.
ولذلك فدين الإسلام يذكِّرنا بأنَّ النَّاس خلقوا من نفسٍ واحدة، خُلق منها زوجها وبُثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً فتكاثروا، ونظنُّ أنَّه بعدما تكاثر النَّاس في قديم الزمان وكانوا أمَّةً واحدةً ذات منهج واحدٍ ولكنَّهم كانوا في مرحلة السذاجة العلميَّة يعتمدون على الحدس في تعاملهم بناءً على فطرة سليمة. وعندما صاروا قبائل وضاق بها المكان وشحَّت الموارد، أو ربما استيقظت روح التَّميُّز والتَّملُّك فيها، اختلفوا تنافساً على الموارد فتفرَّقوا في البلاد. ولمَّا تعقَّدت حياتهم وكثُر الخلاف جاءهم العلم من الله سبحانه وتعالي بواسطة رسله ليُنظِّم حياتهم ويهديهم للتَّعايش المُعافي، فتكوَّنت وتسلُّطت طبقة أنصاف المتعلِّمين العمليِّين البراغماتييِّن وتحاربوا على متع الدُّنيا وسلطتها:
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
لا توجد تعليقات
