اليسار والجنوب
كنا قد بدأنا عرضنا لكتاب الدكتور سلمان محمد احمد سلمان البالغ الأهمية في الأسبوع الماضي، حيث تعرض المؤلف لبدايات المشكلة إبتداءً من مؤتمر جوبا وحتى الحكم العسكري الأول وتدرُج المعالجة الشمالية من التجاهل إلى محاولة تأسيس الوحدة على صهر الثقافات المتباينة في بوتقة الثقافة العربية الإسلامية. وننتقل اليوم لمرحلة ما بعد أكتوبر وننظر لرد اليسار على ورقة الإتهام.
كانت ثورة اكتوبر وليدة إضراب سياسي شارك فيه المجتمع المدني بمختلف تكويناته من نقابات العمال والمزارعين والمهنيين، وجمعيات طوعية، وهيئات مختلفة تجمعت تحت مظلة جبهة الهيئات. وفي 27 أكتوبر وفي إجتماع ضم جبهة الهيئات، وجبهة الأحزاب، التي ضمت الأحزاب السياسية الشمالية، تمت صياغة وثيقة الثورة الرئيسية والتي أطلق عليها إسم الميثاق الوطني. وهي وثيقة برغم أهميتها المطلقة غاب الجنوبيون عنها ، كما لاحظ المؤلف، حيث لم تحمل توقيع أياً منهم. كما أن الميثاق لم يتضمن أي فقرة عن مشكلة الجنوب نفسها، رغم أن فشل النظام في إيحاد حل لها كان هو الفتيل الذي أشعل الثورة. ولم يكن ذلك بسبب إهمال القيادة الشمالية للمشكلة، بقدر ما كان إنعكاساً للنهج الأبوي الذي كانت القيادة الشمابية تنتهجه، وتعتقد بسببه أنها ليست في حاجة للجنوبيين للتصدي لمشكلة الجنوب! ولكن من الجهة الأخرى فقد ضمت حكومة أكتوبر ثلاثة وزراء جنوبيين، منهم السيد/ كلمنت أمبورو الذي تولى وزارة الداخلية، وهي المرة الأولى التي يتولى فيها جنوبي وزارة سيادية، كما وتولى وزيران آخران حقيبتين وزاريتين على درجة من الأهمية. فقد تولى السيد/ أزبوني منديري وزارة المواصلات وتولى السيد/ هيلري لوقالي وزارة االأشغال. وهكذا إنتهى العهد الذي إقتصر وجود الجنوبيين فيه في مجلس الوزراء، على وزراء دولة بدون أعباء، أو وزراء يتولون حقيبة وزارة الثروة الحيوانية. كما ومثل السيد لويجي أدوك الجنوب في مجلس السيادة عقب إعادة العمل بدستور 1956 المعدل في 1964. كذلك فقد أعلنت حكومة أكتوبر أن الوصول إلي حل لمشكلة الجنوب هو من أول مهامها. وكان لذلك أثراً طيباً لدي الجنوبيين، فأرسل رئيس حزب سانو وليم دينق رسالة تهنئة لرئيس الوزراء السيد سر الختم الخليفة، يهنئه فيها بنجاح ثورة اكتوبر. وقد إقترح وليم دينق في خطابه عقد مؤتمر مادة مستديرة لمناقشة العلاقات الدستورية بين الشمال والجنوب، وطالب بتبني النظام الفيدرالي، وبالعفو غير المشروط عن اللاجئيين، والإعتراف بحزب سانو كحزب شرعي يحق له المنافسة في الإنتخابات. وطالبت الرسالة بدعوة ممثلين لمنظمة الوحدة الأفريقية والأمم المتحدة والدول المجاورة لحضور المؤتمر كمراقبين. وقد كان رد رئيس الوزراء ايجابياً، فقبل العفو غير المشروط، ووافق على عقد المؤتمر، ولكنه رأى ترك مسألة نقاش الفيدرالية إلى المؤتمر نفسه. وقد ثار خلاف حول محل عقد المؤتمر، وحضور المراقبين الأجانب، وفي النهاية تم الإتفاق على عقد المؤتمر في الخرطوم. كذلك فلم تكن الخرطوم مرحبة بدعوة أجانب للمشاركة في مؤتمر يناقش شأنا سودانياً داخلياً، لما في ذلك من فتح أبواب للتدخل الأجنبي، وهو أمر كان السودانيون آنذاك يتحسسون منه. إنتهى الأمر بالإقتصار على دعوة الدول المجاورة دون المنظمتين الإقليمية والدولية رغم أن دعوة المنظمتين كان أكثر إنسجاماً مع موقف الخرطوم. عموماً فقد تمت دعوة حكومات كينيا ويوغندا وتنزانيا ومصر ونيجيريا وغانا والجزائر، لإرسال مراقبين للمؤتمر.
غيوم تسبق المؤتمر
