البروفيسور عبد الله الطيب: أحاديث لما يزل أريجها باقياً .. بقلم: عبدالله الشقليني
يَظَلوُّنَ في خَشْناءَ مِن شدَّةِ الأذى .. ويُمْسون صَرْعى تَحتَ ضوء الكواكِب
من قصيدة للبروفيسور” عبد الله الطيب المجذوب “، نَظمها بعد سقوط ألمانيا سنة 1945 م . وكان العرب يُعلّقون آمالاً بهتلر ، وحُنقاً على إسرائيل . وقد أشار الدكتور “طه حسين ” في الأدب المُعاصر إلى هذه القصيدة كاملة ، وقد نظمها البروفيسور” عبد الله الطيب” قبيل سفره الأول من السودان إلى الخارج ببضعة أشهُر .
أول ما جمعني معه عام 1975 ، عندما كُنا نعمل في جمعية الفنون بجامعة الخرطوم ، بالتعاون مع جمعية طالبية أخرى ، من أجل استنفار كل منْ أسهم ويُسهم في أعمال الفنون التشكيلية . كان رئيسها من طلاب الجامعة آنذاك، هو الآن البروفيسور “صلاح حسن” من جامعة ” كورنيل ” بالولايات المتحدة الأمريكية ،وهو الذي تخصص في دراسة الفنون التي تسمى بالأفريقية ، و الذي استضاف لاحقاً، ذلك الفن العريق إلى حظوته الأكاديمية . فيه لمحات من حياة البشر الذين خرجوا من إفريقيا ، وانتشروا في العالم . والفن هو جزء من ذاكرة الإنسان القديم ، حين تتبَدَّى بغموضها الأثير في أعمال الفنون التشكيلية المنتشرة في عالم اليوم . وكان السودان ممثلاً في الفنانين التشكيليون والأجانب من أصول سودانية ، قد وَلَجوا دروب العالمية ، من بابها الواسع . وكان البروفيسور” صلاح حسن ” من ضمن الذين أنجزوا دراسات مقاربة لقضية تمسّ الأوجاع الحقيقية المغروزة الآن في خاصرة الوطن .وأنجز مع مجموعة عشرة من الكتاب السودانيين وغيرهم ، السفر الموسوعي عن دارفور بالإنجليزية، نشرته جامعة “كورنيل “.
(2)
من بعد الغروب ذات يوم من أيام العام 1975 ، زرنا مسكن البروفيسور” عبد الله الطيب ” عندما كان مديراً لجامعة الخرطوم .وكان مجاوراً لمباني ” كلية الهندسة والعمارة ” بمجمّع وسط الجامعة . وهو مسكن تنقل قاطنيه تعاقبوا خلال الحقبة الاستعمارية ، حتى شغله مدير جامعة الخرطوم .
اجتمع البروفيسور” عبد الله الطيب ” بالدكتور ” عبد النبي علي أحمد ” وكان الأخير يشغل منصب ” مدير الإدارة الهندسية بجامعة الخرطوم ” ، واستدعاني السيد مدير الإدارة وكُنت نائبه . وطلب البروفيسور ” عبد الله الطيب “أن تقوم الإدارة الهندسية بجامعة الخرطوم ، بتصميم الإضافات التي تُناسب المرجلة الأولى من مبنى ” مجمع اللغة العربية ” ، وكانت قطعة الأرض التي وقع الاختيار عليها ، ملاصقة لمبنى الإدارة الهندسية بالجامعة ، ويطلان كلاهما على ” شارع الجمهورية ” . كانت قطعة الأرض المخصصة لمجمّع اللغة العربية بمساحة تبلغ 1200 متراً مربعاً. وكانت قطعة الأرض سابقاً تابعة لملكية جامعة الخرطوم . بها مبنى قديم من طابق أرضي ،شيدته “وزارة الأشغال” في زمن سابق ، بحوائط حاملة .
في يوم من الأيام جاء البروفيسور لمكاتبنا في الإدارة الهندسية ، وكان تأهيل مبنى ” مجمع اللغة العربية ” همّه الشاغل . أخذ مجلسه بيننا . استضافه زميلنا وصديقنا ” محمد البشير ” لتناول الشاي الأحمر . وأصرَّ أن نُجيب مطالبه جميعاً قبل أن يتناول الضيافة المتواضعة. وكان له ما أراد .واستأنسنا بالحديث معه ، وكانت له خصال اللطف وكاريزما جاذبة تُزينها هيبة العلم والتواضع . خليط هو من كل أولئك ومن غيرها أيضاً .
فلا تكْتُمُنَّ اللهَ ما في نفوسكم .. ليُخفى ، ومهما يُكتمِ اللهُ يَعلمِ
في جلسة عامرة بالود ، ضمَّت شخصي والدكتور ” عبد النبي علي أحمد ” والبروفيسور ” عبد الله الطيب ” . أغلق مدير الإدارة الهندسية الباب على مكتبه . وانفتح الحديث الخاص :
في ضحى يومٍ من أيام العُمر ،أوائل التسعينات من القرن الماضي وقد اكتمل تشييد ” مجمع اللغة العربية ” . قدِمنا للبناء وقد اكتمل . رأينا نحن في الإدارة الهندسية إن يُشير البروفيسور ” عبد الله الطيب ” أحد المُختصّين في تجميل الحديقة الأمامية للمبنى ، وكان المدخل الرئيس يُقسِّم المكان المُقترح للحديقة نصفين . وكانت في الجانب الأيمن للمدخل شجرة ” جوَّافة ” ، نَمَتْ مُختلَّة القِوَام . قبيحة تُغطي واجهة المبنى ، فرأينا تقليمها أو اقتلاعها واستبدالها بتجميل طبيعي يُلائم المدخل والمبنى . كان رأي البروفيسور أن يُبقي على الشجرة كما هيّ وذكر أن ” العَيْن حَق “. وذكر لنا الأسانيد من آي الذكر الحكيم ومن موثوق الأحاديث، حتى تراجعنا عن مشورتنا تلك .
عبدالله الشقليني
لا توجد تعليقات
