التكلُّس اليساروي: حلَّقوا هُنيهةً ثم طاروا (19) .. بقلم: د. النور حمد
إذا أراد أي حزب سياسي أن يعرف مدى تكلُّسه، وعدم قدرته على النمو، عليه أن ينظر إلى إيِّ مدى تحاشاه المبدعون، أو إلى أي مدى حلَّقوا حول دوحته هُنَيْهةً ثم طاروا. يشم المبدعون شميم التكلس في القوى السياسية من مكان بعيد فيقتربون، لكنهم لا يلبثون أن يبتعدوا حين تُفعم خياشيمهم الرائحة. ويمكن القول: ألاَّ حزب في السودان جمعت دوحته طيور المبدعين كما فعلت دوحة الحزب الشيوعي السوداني. ولكنها عجزت طيلة سبعين عامًا أن تحتفظ بهذه الطيور. ولو كان الحزب الشيوعي السوداني أفضل حالاً، من حيث سعة الأفق المعرفي ومن القدرة على تجديد الدم وعلى فهم السياقات المتبدلة والتعامل معها بمرونة، لكان حاله غير الحال الذي نراه عليه الآن من اليباس. لقد كتبت مرارًا في أوراق وفي مقالات مختلفة أن الإبداع في السودان يساريٌّ بامتياز، ولم يكن للإسلاميين فيه شروى نقير. غير أنني لم أشرح حينها، ماذا أعني باليسار، ولم أكن بحاجة للشرح في تلك الإشارات المبتسرة. التوجه اليساري في السودان قديم. وهو سابق لنشوء الحزب الشيوعي السوداني. لقد فشل الحزب الشيوعي السوداني، حتى يومنا هذا في التجذير لنفسه في تربه بلادنا وتاريخها وتراثها وفي تلمُّس وجدان أهلها. فقد عازه المفكرون والمنظرون الحاذقون. لذلك، لم يستطع أن يصبح مركزًا لحركة يسارية عريضة متصالحة مع المكونات المحلية، وقادرةً في نفس الوقت على شدها نحو آفاق التحرر الواسعة.
لا توجد تعليقات
