القيادات التاريخية وإشكالية الحرية .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
إن الكارزمة التي اعتمدت عليها الأحزاب السياسية جلها دون استثناء، أنهت دور المؤسسة، حيث أصبح زعيم الحزب ليس فردا داخل تنظيم، أنما أصبح هو الحزب، هو الذي يقرر و يمنع و يفصل، و انتهي دور الفرد داخل المؤسسة الحزبية و نهاية الفرد تعني نهاية الحرية و الممارسة الديمقراطية داخل المؤسسة الحزبية، و لا تستطيع عضوية الحزب إذا كانت أفرادا أو مجموعات أن تبت في أية أمر دون ضوء أخضر من الزعيم، أو يصبح ذلك تحديا علي شرعية الزعيم، و حدث ذلك داخل الحزب الوطني الاتحادي في عهد الزعيم إسماعيل الأزهري، عندما حاولت مجموعة قليلة من شباب الحزب أن تعترض علي بعض سياساته، و لم يتردد في فصلهم بالخطاب المشهور ” إلي من يهمه الأمر سلام” دون أن تبت المؤسسة في هذا الفصل. باعتبار إن المؤسسية مجمدة، و ذلك في جميع المؤسسات الحزبية يمينا و يسارا، و إذا كان الوطني الاتحادي يمثل طبقة الاستنارة في المجتمع، تتجمد فيه المؤسسية بالضرورة تفتقدها كل القوي الأخرى. في الحركة الإسلامية بعد حصول الجبهة الإسلامية القومية المرتبة الثالثة في انتخابات 1986م، و عقد المجلس الأربعيني جلسة لاختيار رئيس المعارضة في البرلمان، و عندما تأخر الدكتور الترابي، عقد المجلس اجتماعه، و أختار مهدي إبراهيم رئيسا للمعارضة، و لكن بعد أن حضر الدكتور يصطحب معه علي عثمان محمد طه، لم يسأل ماذا تم في بداية الاجتماع، إنما قال مباشرة للمجتمعين إن أخوتكم قد استقر عندهم الرآي أن يكون علي عثمان رئيسا للمعارضة، دون أن يراجعه أحدا. و في الحزب الشيوعي استطاع عبد الخالق محجوب أن يطيح بسكرتيرين للحزب عبد الوهاب زين العابدين و عوض عبد الرازق تؤيده جوقة كانت مهمتها فقط مساندة القائد في قراراته، دون أن تخضع تلك القرارات للنقاش، و جاءت الإطاحة لمجرد الاختلاف في الرؤى، هذه الإطاحة التي استخدم فيها تكتلا داخليا، كشفت عن سياسة ترفض أية رأى أخر غير الزعيم، لذلك عندما ظهر تيارا داخل الحزب بقيادة مختار عبيد و رفاقه يحمل رؤية أخري مؤيدة للصين، أغلقت أمامهم أبواب الحوار حول الرؤية، كانت أقدامهم تخطو خطواتها خارج أسوار الحزب، لكي يصبح القول فقط للزعيم، و أيضا في حزب البعث قد فصل بدر الدين مدثر كل الذين كانوا يعارضون سياسته، و الذين رفضوا خروجه من البلاد و الإقامة في بغداد، و ما يحصل الأن في حزب الأمة من ابتعاد لبعض القيادات و الإطاحة بالدكتور إبراهيم الأمين من الأمانة العامة للحزب، يؤكد إن الزعامة هي التي تدير الحزب كما تشاء. الغريب في الأمر إن ذات القيادات التي تصادر حرية العضوية في مؤسساتها الحزبية، تجدها تتحدث عن الحرية أو تكتب عنها باعتبارها قيما لن تتنازل عنها، كأنها تطبق هذه الحرية في مؤسساتها تطبيقا يعزز الشعارات التي ترفعها مؤسساتها. هذا التناقض بين القول و الفعل هو الذي عطل مسيرة القوي الحزبية. و بالتالي عطل مسيرة الحرية و الديمقراطية لكي تكون ثقافة سائدة في المجتمع.
لا توجد تعليقات
