المقاومة الوطنيَّة في الأمصار: جبال النُّوبة.. الوعور المشرئبَّة (2 من 4) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
كان النُّوبة يفتخرون أيما فخر باستقلاليَّتهم وفحولتهم اللتان كانوا يتمتَّعون بهما في مناطقهم مثلما هي الحال عند أيَّة قبائل جبليَّة. إزاء تينك الاستقلاليَّة والفحولة قاوموا كل أشكال القوى الخارجيَّة لسنين عدداً، ومن ثمَّ لم يكد يتوقع المستعمرون بأنَّهم سوف يفلحون في إخضاع النُّوبة إلى سلطات الحكومة الجديدة دون أن يبدوا مقاومة شرسة ولفترة قد تطول. ولعلَّ السَّرد التفصيلي لسنوات النِّزاع المسلَّح في جبال النُّوبة سوف يكون أمراً عسيراً، ولسوف نكتفي هنا بإيراد تجريدتين، اللتان تعتبران أنموذجاً لتلك التجريدات المثيرة الكثيرة التي كانت ترسل في سبيل إخضاع جبال النُّوبة قبل السيطرة الكاملة على المنطقة.
في يوم 25 أيار (مايو) 1906م هجم النُّوبة، الذين كانوا مستائين من إجراءات الحكومة، التي حظرت شن الإغارات على القبائل المجاورة، على حامية حكوميَّة كان أفرادها يحضرون حفلاً شعبيَّاً. إذ قتلوا المأمور وضابطاً وثلاثين جنديَّاً من عساكر الكتيبة الثَّانية عشر السُّودانيَّة، وتسعة تجار وخمسة من أفراد المعسكر، وجرحوا 5 رجال من الجيش، وكذلك ثلاثة من أفراد الشرطة وثلاثة من التجَّار الجلابة. وبعد سماع خبر المذبحة حشد بعض شيوخ النُّوبة والعرب الموالين للسلطة في الجبال المجاورة قوَّة قوامها 1.200 نوبويَّاً وعربيَّاً، وذهبوا إلى إنقاذ بقيَّة أفراد الحامية، ومن ثمَّ مهاجمة المتمرِّدين. إذ نشبت معركة ضاربة أسفرت عن خسائر عديدة في الأرواح من جانب المتمرِّدين، وتمَّ أسر 100 سجيناً منهم.
في مستهل العام 1915م تمَّ إرسال تجريدة ضد الفكي علي الميراوي في جبل ميري، وذلك لتحدِّيه الحكومة وإعلان مقاومة مسلَّحة ضدها. هذا، فقد تمَّت مراقبته في موطنه لفترة طويلة حتى أيار (مايو) من العام نفسه، مما اضطرَّ الفكي علي أن يبدي مبادرة للاستسلام. كان بإمكان السلطات قبول طلبه باستلطاف، غير أنَّ الفكي علي كان قد طلب – كثمن لاستسلامه – العفو عنه وأتباعه، وإعادته كمك للقبيل، ولكن تمَّ رفض اقتراحه على التو، واستمرَّت العمليَّات العسكريَّة في سبيل إلقاء القبض عليه، حتى أفلحت السلطات الحكوميَّة في اعتقاله، ومحاكمته في تلودي، ومن ثمَّ تمَّ إرساله إلى مدينة كادقلي على بعد 58 ميلاً ليتم إعدامه فيها. إذ تمَّ اقتياده إلى كادقلي تحت حراسة مكوَّنة من خمسة من رجال الشرطة على الخيل و40 رجلاً من الكتيبة الحادية عشر السُّودانيَّة، وذلك تحت قيادة ضابط سوداني. وتمَّ صرف تعليمات صارمة لقوَّة الحراسة المرافقة له، وذلك للحيلولة دون هروب المتمرِّد السجين، وتمَّ التركيز على نقطتين: أولاً، على الجنود أن تسافر ليلاً؛ ثانياً، أما الفكي علي فبرغم من تقييد يديده بأغلال طُلِب من أفراد قوَّة الحراسة أن يتم ربطه مع رجل الشرطة آناء الليل.
كذلك هناك قصَّة المك كوكو كوبونقو (أو كوبانقو) بجبل لفوفا بمنطقة الليري ومقاومته للاستعمار البريطاني-المصري التي بدأت العام 1916م، وقد قيل إنَّ الاسم الأصلي هو “كوكو بانقو”، وكان كجوراً بجبل لفوفا، ثمَّ كان في الحين نفسه يجمع بين السلطتين الرُّوحيَّة والسِّياسيَّة. إذ كتبت الصحافيَّة أمينة الفضل قائلة: “كنت دوماً أتساءل وأنا أمر عابرة من وإلى شرق النيل عبر حلة كوكو في الخرطوم بحري من هو كوكو الذي سُمِّيت هذه المنطقة باسمه، وما هي قصَّته؟ البعض قال إنَّه راعٍ، والبعض (الآخر) يجهل من هو، لكن الجميع يتَّفقون أنَّ كوكواً هذا لا بدَّ أن يكون شخصيَّة هامة، ولذا سُمِّيت هذه المنطقة المحوريَّة باسمه. ففي بحثي عن أصل التسمية والشخص الذي سُمِّيت باسمه عثرت على معلومات تأريخيَّة هامة، استمعت لبعضها، وقرأت بعضها، وهي معلومات تحتاج لجمع وتقييم وحفظ، لأنَّها تشكِّل جزءاً من تأريخ بلادنا.” فلا ريب في أنَّ المك كوكو كوبونقو رجل نوبوي، وهو الذي نشأ وترعرع في منطقة الليري بجنوب كردفان، وقد قيل إنَّه منذ نعومة أظفاره نمت في قلبه كراهيَّة الاستعمار، وهو الذي كان قد قاد ثورة عظيمة ضد السلطات الاستعماريَّة، وتعتبر ثورته امتداداً للثورات العديدة التي كانت تعجُّ بها منطقة جبال النُّوبة.
لا توجد تعليقات
