عمار حمودة *
ما الفرق بين مكالمة عادية ومكالمة عبر التطبيقات؟ مثلا مكالمة عبر واتساب او ماسنجر او ايمو. هذا الفرق الذي لا يبدو ملاحظا في عالم اليوم هو نتيجة لأحد التحولات الكبرى في مجال الاتصالات، والذي شهد معركة تقنية انتهت بفوز المكالمات عبر التطبيقات بفارق أهداف كبير. وهو الصراع الذي حسمته (البيانات) عن طريق الفعالية في التعامل مع الصوت/النص/الفيديو في مقابل فريق الاتصال بإنشاء (الدوائر المكتملة) بين المتصل والمستقبل. وأبناء جيلنا يتذكرون العبارة التي تأتي في شكل رد آلي عند وصول الشبكة لسعتها القصوى من الدوائر (الدوائر مشغولة حاليا، الرجاء معاودة الاتصال لاحقا) إيييه زمن!!! والتي لم يعد يسمعها أحد منذ زمن لأن المتصلين فد هجروا الدوائر إلي تطبيقات التراسل الفوري التي سحبت جمهورا كبيرا بداية بتقديم خدمات نصية وارسال مقاطع صوتية وفيديوهات وسرعان ما اضافت البها خدمات الاتصال الصوتي والمرئي في واحدة من النقلات الانسيابية فيما يعرف برحلة تجربة المشترك. الصراع المذكور أعلاه هو ما عرف عند المهندسين في الاتصالات بالمراوحة بين التراسل عبر الدوائر والتراسل عبر حزم البيانات Packet Switching VS Circuit Switching والذي حسم لصالح التراسل عبر حزمات البيانات. انفتاح هذا الباب مثل الرافعة الأبرز لظهور كثير من التطبيقات والتي سميت في بداياتها بالخدمات فوق الشبكة OTT Over The Top، مما يعني انها تعمل على بنية الاتصالات، ولكن ذات محتوى يخص البيانات ويتم التعامل مع الصوت والفيديو والنصوص على انها حزمات بيانات فحسب. بهذه النتيجة فإن الطلب على خدمة البيانات بات أكثر من الطلب على خدمة التراسل العادي وماتت خدمات مثل الرسائل النصية القصيرة SMS. ولذلك اتجهت شركات الاتصالات للسباحة مع التيار وتجويد خدمة البيانات وتقديمها عبر باقات واضحة الفرق في كميتها وجودتها وتوفيرها في مناطق أكثر لمحاصرة هروب العائدات من الاتصالات العادية. غني عن القول إنه وفي ظل التنامي الكبير لجمهور مستخدمي تطبيقات مثل واتساب بالسودان فقد تراجعت بصورة كبيرة عائدات المكالمات الدولية كنتيجة طبيعية.
من جانب آخر فإن أهم التطبيقات التي استفادت من السعي المحموم من شركات الاتصالات للتنافس على طالبي خدمة البيانات هي التطبيقات الخاصة بالمصارف (بنكك، فوري، وغيرها) والتي قتلت بالفعل مشاريع مثل الخدمات التي بدأت لتسد الفراغ الكبير لعدم وجود حسابات بنكية للغالبية من الجمهور مثل خدمات تحويل الرصيد كعملة مبرئة للذمة بشكل معقول تحت رغبة وقبول المتعاملين باعتبارها (أموالا محفوظة بصورة إلكترونية)
تكامل أنظمة الاتصالات وأنظمة المصارف هو ذروة سنام الاستفادة من الهاتف الذكي لدى معظم أهل السودان، ففيه عوامل الأمان والسرعة واليسر في التعاملات التجارية.
ثم نشبت الحرب في قلب العاصمة -لعن الله من أشعلها.
ومع الحرب أصبح حمل الكاش يساوي البطش والتعرض للسطو والنهب تحت السلاح. وفقدت الشبكات ثباتها، وفقدت المحطات مولداتها ووقودها فعانت الصرع بين حياة وموت، واهتزت التطبيقات المحلية للبنوك مع كونها اصبحت شريان حياة، وأصبحنا في ضيق زاد عليه ضيقا القيام بتبديل العملة في عز الحرب. ولكن تبديل العملة كان وبالا زاد كارثة التضخم، لأن العملتين القديمة والجديدة تعملان ولو في جغرافيتين مختلفتين وأحيانا متداخلتين، فتأمل! ثم أُمرت شركات الاتصالات بتعطيل خاصية المكالمات في تطبيق واتساب، فزادت الملح (أو الشطة في السياق السوداني) على جراح المواطن. ولكن الحياة لا تتوقف وستجد سبيلها للمضي قدما، كالسيول التي تجد مجارٍ مهما حوصرت؛ وكذلك الأعمال (الأكل والشراب وشيء من الدواء) فإنها تجد طريقها ولو عبر التجارة البكماء.
ولما ضاقت الحلقات، فتقت الحاجة حجب العزلة عبر عملية لا يبدو انها قابلة للتراجع، وهي دخول الإنترنت الفضائي بكثافة مع تزايد الاعتماد على أنظمة الطاقة الشمسية.
جاء الثنائي (طاقة شمسية / إنترنت فضائي) ليضع نفسه في المقدمة متجاوزا الحاجة لمحطات شركات الاتصالات المحلية ومتجاوزا لمشاكل الطاقة والوقود وصيانة الأجهزة وتشغيلها ومتجاوزا لوجود البرج نفسه، فما عاد مطلوبا غير جاهز ذكي واشتراك في مقدم خدمة عالمي فضائي، يقوم به أحدهم ويربح، ويتخذ منه الآخرون نقطة تزود بالبيانات إياها عبر الواي الفاي الذي أصبح يسعر بالساعة ونصف الساعة. إنه عالم جديد يا سادة.
نقطتا القوة حاليا لشركات الاتصالات المحلية هما السعر الأرخص (مقارنة بجهاز ستارلنك خاص، لا يمثل مصدر دخل من آخرين)، وكون الخدمة تصلك دون الحاجة لتكون بجانب جهاز واي فاي. ولكن ماذا لو طرحت ستارلنك أجهزة أرخص واشتراكات شهرية بأسعار أقل مما هي عليه؟؟ وفي هذه المناقصة من هو الاقدر على الاحتفاظ بالمشتركين؟ هذا سؤال صعب على شركات الاتصالات وهي تدعو الله أن ييسر لها أمرها تحت الحرب.
ماذا سيكون إذا قامت شركة مالية ذات تطبيق مالي وانتشر استعمال تطبيقها وسط المواطنين الذين لا يجدون شبكة محلية تغطي منطقتهم؟ هذا سؤال مربك لأي مستثمر أو جابي ضرائب.
جدير بالذكر أنه وفي حالة الاتصالات التقليدية فإن الكلفة التشغيلية الأعلى تتمثل دوما في تكلفة الوقود أو الطاقة بصورة عامة.
إذا بلغت شركة ستارلنك أو أشباهها حدا يجعل من تقديم خدماتها للجمهور بتكلفة متناقصة مع الزمن، فإن ذلك يعد سقفا للتسعير ينخفض مع السنوات ويضغط بشدة على شركات الاتصال المحلية.
*خبير ومهندس في مجال الاتصالات وتقانة المعلومات
