بروفايل: فِي تَذَكُّرِ عَلِي عَبْدِ القَيُّومِ وشِعرِه! .. بقلم/ كمال الجزولي
حيُّ برمبل وحيُّ البوستة بأم درمان جغرافيا واحدة لطالما عَمَرَت بالحميميَّة في قلب العاصمة الوطنيَّة الموَّارة بحياة ليست كأيِّ حياة؛ في حضنها وُلد حبيبنا المبدع علي أحمد عبدالقيوم عام 1943م، وفي حضنها، أيضاً، فقدناه، حين بكَّر بالرَّحيل، عام 1998م، وهو في أوج استعداده للَّتدفق والعطاء المتألقين. غير أن ذاكرته الطفلة والصَّبيِّة عَمَرَت، كذلك، بوجوه وصور وأخيلة من أمكنة أُخرى، فقد كانت له، بين الحين والحين، صولات وجولات تحت السَّبائط المكتنزة بالعراجين في قرية (القرير)، موطن الأهل والعشيرة بشمال السُّودان، مثلما كانت له، بين مطالع خمسينات القرن المنصرم ومطالع ستِّيناته، مراتعٌ نديَّة في أفياء مدارس ود مدني الأوَّليَّة والمتوسِّطة، ثمَّ مدرسة أم درمان الأهليَّة الثَّانويَّة، قبل أن يتخرَّج، أواخر ستِّينات ذلك القرن، في كليَّة الآداب بجامعة الخرطوم.
وبين السَّبعينات والتِّسعينات عاش الرَّاحل حياة مشوبة بقلق إبداعي خلاق حملته أمواجه المتلاطمة إلى جغرافيات شتَّى، ومواقع عمل ونشاط متباينة. فعدا عن تخصُّصه في الإخراج السِّينمائي ببولندا، وعمله في السُّودان مخرجاً بالمسرح القومي، وموظفاً بإدارة السِّينما بمصلحة الثَّقافة، وإداريَّاً بمؤسَّسة الدَّولة للسِّينما، ومتعاوناً بمعهد الدِّراسات الإضافيَّة بجامعة الخرطوم، ومدرِّساً لتاريخ ونظريَّة السِّينما والنَّقد التَّطبيقي بالمعهد العالي (آنذاك) للموسيقى والمسرح، عمل الرَّاحل بالكويت، موظفاً بمعهد الأبحاث العلميَّة، ومترجمًا وكاتب سيناريو للأفلام الوثائقيَّة، كما قضى سنوات من عمره فـي قطر، وقبرص، ومصـر، والأردن. وكان، عليه الرَّحمة، قد شارك، أواخر السِّتِّينات، في تأسيس جماعة أبا دماك للكتَّاب والفنَّانين السُّودانيين التَّقدُّميين، مثلما شارك، أواسط الثَّمانينات، في تأسيس اتِّحاد الكتَّاب السُّودانيين، وإلى ذلك مثَّل بلاده، خارجيَّاً، في لجنة الثَّقافة السِّينمائيَّة بالكويت، وفي مؤتمر الكتَّاب الآفروآسيويين بنيودلهي.
(2)
مع ذلك فإن عودة محمد المكي، وحده، إلى الوطن، عام 1963م، لإكمال دراسته بكليَّة القانون بجامعة الخرطوم، حمَّلته عـبء التَّبشير بالتَّيَّار، والتَّرويج له. هكذا، وبفضل مكي، شمل ذلك التَّيَّار، لاحقاً، مجموعة من الشُّعراء المجيدين في جامعة الخرطوم، بالأساس، ومن بينهم علي عبد القيوم، إلى جانب محمَّد عبد الحي، ويوسف عايدابي، وعمر عبد الماجد، وعبد الرَّحيم أبو ذكرى، وآخرين.
(3)
كلمة نُقُد تلك عادت لتسطع في ذهني، لاحقاً، ببهرة قويَّة، حين ذكَّرنيها ما أورد د. صلاح فضل، في خاتمة كتابه (محمود درويش حالة شعريَّة) الذي وضعه في عقابيل وفاة الشَّاعر الفلسطينيِّ الكبير، قائلاً: “كان .. مثل عظماء الشُّعراء في كلِّ العصور، طفلاً سماويَّاً مدهشاً يحتفل بالحياة ويغنِّي لها، ثم يلعب مع الموت، ويطيل رفقته”! مثلما ذكَّرنيها، أيضاً، قول مارسيل خليفة البليغ يرثي درويشاً: “الشُّعراء لا يموتون لكنهم يتظاهرون بالموت”! ذلك أنه، وفي حالة عليٍّ، أيضاً، ولولا الإحساس المتفاقم، لدى الأهل والولد والأصدقاء والرِّفاق، بالفقد الفيزيقيِّ الوجوديِّ الفادح حيال رحيله، لانطبق هذا القول عليه هو الآخر! فمع أنَّ “الموتَ حقُّ، والحياةَ باطلة، وما عاش امرئٌ، مهما عاشَ، إلا ليموتْ، وكلَّ صرخةٍ مصبُّ نهرها السُّكوت”، على حدِّ إنشاد الفيتوري، إلا أن الموت، لدى عليٍّ، ظلَّ يتراءى، دائماً، بطيوفه، وأخيلته، وقاموسه، كمحض مجاز أثير يُنتقى، وأقنوم أسرار تفتضُّ طلاسمه، وحقل باطن لا تستغلق مداخله، وحالة للتَّجاوز لا تسمح بأن تتسرَّب منها إلى المتلقِّي أَوْهَى وسوسة بأن الشَّاعر نفسه، أو الإنسان المناضل عموماً، ربَّما يكون هو موضوع هذا الموت؛ أنظر، مثلاً، قوله:
أو قوله في رثاء شيخه ومعلمه محمَّد المهدي المجذوب:
(4)
“صدرَها، يا صدرَها، ياصدرَها/ موسمَ اللذَّةِ أيَّامَ الخَريفْ/ النَّدى والشَّهدِ والظلّ الوريفْ/ ردفَها، يا ردفَها، يا ردفَها/ وهجَ النُّوَّار تحتَ الشَّمسِ في بطنِ المراعِي/ وانسيابَ الماء في البللور من سطح لقاعِ/ أيُّ شلالٍ من الشَّهوة يَرتجُّ ويُغري ثمِلا/ أيُّ نهدينِ استجارا بشبابي ثمَّ لمْ يَحتَمِلا/ ألمَ الهَصْرِ وأوجاعَ الرِّضاعِ”!
(5)
وانظر قوله:
(6)
………………………….
أمَّا بعد،
No comments.
