تقديم كتاب: السودان بعيون غربية، ج12، لمؤلفه البروفيسور بدرالدين حامد الهاشمي .. بقلم: دكتور عبد الله الفكي البشير
تقديم
يُمثل هذا الكتاب الجزء الثاني عشر من مشروع ترجمة كتابات الغربيين عن السودان، خرج إلينا في سلسلة جاءت موسومة بـ: السودان بعيون غربية. يصب المشروع في توثيق تاريخ السودان، وتمحور حول ترجمة الكتابات في الحقبة الاستعمارية مما جاء بأقلام مجموعات الحكم الاستعماري، خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين الميلاديين، وترجمة لما كتبه المتخصصون في شؤون السودان، عن دراسات الاستعمار ودولة ما بعد الاستعمار، إلى جانب كتابات بعض الرحالة والمحبين للسودان. نهض بهذا المشروع البروفيسور بدرالدين حامد الهاشمي، أستاذ علوم الأدوية، بدوافع كان قد بيَّنها، قائلاً: “لتعلقي وشغفي الشديدين بتاريخ السودان، خاصة في عهود التركية السابقة [1821- 1885] والمهدية [1885- 1898] والحكم الثنائي”، البريطاني المصري (1898- 1956). استهل الهاشمي مشروعه في بداية تسعينات القرن الماضي، فترجم ونشر عشرات المقالات، كما ترجم كتاب كلايف تومسون عن ثورة أكتوبر السودانية 1964، وثلاث روايات للروائية ليلى أبو العلا، قبل أن تتبلور عنده الرؤية لإصدار هذه السلسلة. ومع حلول العقد الأول من هذا القرن، تعتقت الفكرة في ذهنه، وتبلورت عنده الرؤية، فشرع في الإعداد لإصدار هذه السلسلة، فأصدر الجزء الأول منها عام 2012، ولايزال عمله فيها مستمراً. كانت الكتابات التي ترجمها إلى اللغة العربية، كلها مكتوبة باللغة الإنجليزية، وجُلها بأقلام غربية، أغلبه بريطاني. بحثت تلك الكتابات مجالات عديدة من شؤون الحياة السودانية، من بينها: التاريخ والاقتصاد والأدب والعلوم السياسية والطب والصحة والأنثوغرافيا والجغرافيا وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وغيرها. كما صدرت ترجمته لرواية: الطليعي الأسود، لإدوارد عطية، في يناير 2019.
إن مشروع الترجمة الذي ظل يعمل فيه البروفيسور بدرالدين حامد الهاشمي، منذ تسعينات القرن الماضي، ولا يزال، وقد تمحور حول ترجمة التركة الاستعمارية، يمثل، في تقديري، أكبر إسهام فردي في السودان يصب في استعادة الذاكرة الاستعمارية. وبهذا، فهو يمثل كذلك، أقوى دعوة عملية لاستنهاض المثقفين السودانيين لتفكيك المعرفة الاستعماريةColonial Knowledge من أجل استكمال الاستقلال. ويقيني، أن هذا المشروع لم يجد مكانته العلمية التي يستحقها، ولن يكتسب أهميته وقيمته في أعلى تجلياتها، إلا بفتح ملف الذاكرة الاستعمارية للدراسة، من أجل تفكيك المعرفة الاستعمارية وكنس ما ترتب عليها. وهو الأمر الذي لم يجد اهتماماً يذكر في السودان، في حين فرغت الكثير من الدول التي خضعت للاستعمار، من محو آثاره. فقد وضعت تلك الدول دراسة المعرفة الاستعمارية من أولويات مراكزها البحثية ومؤسساتها الأكاديمية. ثم قامت تلك المؤسسات بجعل برامج دراسات الاستعمار، أحد معطيات بيئتها البحثية وجزءاً من مناهجها الدراسية. لابد من الإشارة هنا إلى أن عبدالله علي إبراهيم يُعد، حسب اطلاعي، من أوائل الذين دشَّنوا هذا النوع من الدراسات في السودان، مستخدمين منهج مدرسة ما بعد الاستعمار في دراساتهم. فقد وصف عبدالله الاستعمار بأنه “مشروع ثقافي بعيد المدي”، ودعا للإحاطة به، قائلاً: “إن الإحاطة بالاستعمار كإرث ثقافي متين يلزم في حربه البأس الفكري الشديد” . وأورد كذلك عبدالله في كتابه: … ومنصور خالد، (2018)، قول إدوارد سعيد (1935- 2003) في كتاب: الاستشراق، بإن المعرفة الاستعمارية هي منصة للغزو والإدارة لا شغفاً بمطلق المعرفة. وأضاف عبدالله بأن سعيد، قال: إنه من الخطأ البليغ أن نستعين بالأرشيف الاستعماري وحده بغير استصحاب للأرشيف المحلي مما سماه القراءة الكونتربونتال في لغة الموسيقى.
ظل بدرالدين حامد الهاشمي إلى جانب تخصصه في علوم الأدوية والسموم، بعد حصوله على درجة الدكتوراه من جامعة إدنبرة ببريطانيا، عام 1981، وعمله في التدريس بجامعة الخرطوم، وليبيا والخليج، وحاليا بكلية الطب بجامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان، ونيله لدرجة الأستاذية، وإسهاماته المنشوره في مجال علوم الأدوية، وإشرافه على الطلاب والمتدربين في مجاله، ظل يعمل في مشروعه هذا، بجد واستمرار نادر المثيل. وظل يستتبع العلم بالعمل، وفي هذا يقول الأستاذ محمود محمد طه: “أي علم لا يستتبع العمل فهو علم ناقص” . ظل الهاشمي يعمل باستمرار ويحرص على استتباع علمه بالعمل. وبهذا فإن الهاشمي يسهم، في تقديري، بتقديم نقد عملي للتركة الاستعمارية التي أورثت الجدال ومنعت العمل، فمبدأ العمل المستمر الذي تبناه الهاشمي يمثل تحرراً من تلك التربية الاستعمارية التي نشأ عليها طلائع المتعلمين. لعل سمة قلة العمل والكسل عند المثقفين السودانيين، أمر لا جدال فيه. كان محمد عشري الصديق (1908-1972) قد نبه لذلك باكراً، وعبَّر مذكراً بالواجبات ومتسائلاً عن أسباب التكاسل. فقد كتب في عشرينات القرن الماضي، قائلاً: “لا يزال كثير مما يجب أن يُعمل لم يبدأ فيه حتى الآن، فعلى من تقع تبعة هذا التكاسل؟” . وهذا ما يؤكد أن العلة موروثة، وتعود في جذورها إلى التعليم الاستعماري.
لم يخرج هذا الكتاب، وهو الجزء الثاني عشر، من النهج والخط الذي رسمه البروفيسور بدرالدين حامد الهاشمي لسلسلة ترجماته. تمحور الكتاب حول الموضوعات نفسها، فقدم ترجمة لواحد وثلاثين موضوعاً. كان كل كُتاب هذه الموضوعات من الغربيين، عدا موضوعين، الأول مقدمة كتبها منصور خالد للطبعة الثانية من كتاب: مباني سواكن المرجانية، الذي ألفه جان – بيير قرينلو، أول رئيس للقسم العالي للفنون في المعهد الفني (حالياً كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا). صدر كتاب قرينلو في طبعته الأولى عام 1976، وفي طبعة الثانية عام 1995. والموضوع الثاني هو عرض لكتاب أعدته عالمة الآثار والباحثة في جامعة كمبردج البريطانية، شادية طه، بعنوان: التعلق بتراث مهجور: دراسة حالة سواكن في السودان. أعدَّ العرض جون قيبلن ونشره عام 2013.
إن النموذج الذي سأقف عليه هنا، بإيجاز شديد، مع الوعد بإعداد دراسة عنه لاحقاً، هو كتاب البروفيسور جينس بودي: تمدين النساء: جهود الصليبيين البريطانيين في السودان في عهد الاستعمار، (2007) Civilizing Women: British Crusades in Colonial Sudan. ولعل اختياري لهذا الكتاب كنموذج لتسليط الضوء على ما ورد فيه بشأن ثورة رفاعة، يعود لاهتمامي الخاص بالموضوع، كما أنه يؤكد حاجتنا للتحرير من الثقافة الاستعمارية، لا سيما في موضوع ثورة رفاعة، إلى جانب أن ما تعرض له الكتاب عن ثورة رفاعة قد وردت إليه الإشارة بصورة متواترة في هذه السلسلة. فقد استعرضت هيذر شاركي الكتاب بعنوان: “British Policies towards Female Circumcision in Sudan، ونُشر العرض في العدد (49) من مجلة التاريخ الأفريقي The Journal of African History عام 2008. وجاء العرض ضمن هذا الكتاب، تحت عنوان: “السياسات البريطانية تجاه ختان الإناث في السودان”. كما سبق لبدرالدين حامد الهاشمي أن قام بترجمة جزء مما ورد في كتاب بودي عن ثورة رفاعة، ونشره بعنوان: “تمدين نساء السودان: ختان بنت رفاعة الذي أثار الأستاذ [محمود محمد طه]”، في صحيفة الأحداث، 13 أغسطس 2009، الخرطوم، كما ضمَّنه الجزء الأول من هذه السلسلة. إن كتاب بودي يُعد من الكتب الهامة والأشهر في مجاله. تكوّن الكتاب من ثلاثة أجزاء، جاءت في اثني عشر فصلاً، إلى جانب المقدمات والفهارس وقائمة المصادر والمراجع، ويقع في (402) صفحة.
لا شك أن البروفيسور بدرالدين حامد الهاشمي قد فتح للأكاديميا السودانية من خلال هذه السلسلة، منجماً معرفياً، يتكشف مع كل يوم قيمته، وضخامة حجم ما يتطلبه من عمل. وإن كان هناك ثمة ملاحظة على هذه السلسلة بأجزائها المختلفة، فهي ملاحظة تتصل بالمنهج المتبع في تبويب الموضوعات. فلقد أبرزت السلسلة أن الكتابات التي وردت في كل جزء من أجزائها، تستمد وحدتها العضوية من كونها كتبت عن السودان، وأن كُتابها غربيون، إلى جانب أنها مكتوبة باللغة الإنجليزية. هذا صحيح، ولكنه، في تقديري، غير كافي، كما أنه لا يُعبر عن الفحص الدقيق لكتابات الغربيين. فالكتابات التي وردت في هذه السلسلة وجاءت بأقلام الغربيين ممن كانوا ضمن طاقم الإدارة الاستعمارية أو من صانعي أو منفذي السياسات الاستعمارية، مثل هارولد مكمايكل، ودوغلاس نيوبولد، وجيمس روبرتسون، وبازل ديفدسون، وهنري سيسيل جاكسون، وسيقمار هيلليسون… إلخ، تختلف كلية عن كتابات الغربيين التي جاءت في إطار دراسات الاستعمار، مثل كتابات مارتن وليم دالي، وجبريل واربورج، وهيذر شاركي، وجينس بودي، كينيث ج. بيركنز، ونوح سلمون، وإلينيا فيزاديني، ويلو بيريدج… إلخ. وبالطبع هذان النوعان يختلفان كذلك عن كتابات السودانيين باللغة الإنجليزية، والتي وردت في هذه السلسلة، مثل كتابات عبد المنعم خليفة خوجلي، وشادية طه، ومنصور خالد، وغيرهم. ولهذا، وحتى يتمكن الباحثون من المزيد من الفحص لكتابات الغربيين، فإنني أقترح على الهاشمي أن يواصل جهده المقدر ويُعمل بصره الثاقب بإعادة تصنيف موضوعات السلسلة في الطبعة الثانية مما نشر في كتبها المختلفة، وكذلك في الكتب القادمة، إما من خلال تخصيص كل كتاب لأحد الأنواع الثلاثة من الكتابات المشار إليها أعلاه، وإضافة عنوان فرعي إلى جانب العنوان الرئيس: السودان بعيون غربية، ليعبر العنوان الفرعي عن المحتوي وفقاً للتصنيف، أو اعتماد التبويب الداخلي لكل كتاب من السلسلة، بحيث يشتمل الكتاب على ثلاثة أبواب، ليكون الباب الأول مثلاً: كتابات طاقم الإدارة الاستعمارية أو من عملوا في الحقبة الاستعمارية، والباب الثاني: كتابات الغربيين عن دراسات الاستعمار، والباب الثالث: كتابات السودانيين. ويمكن للتصنيف أن يذهب إلى أدق من ذلك.
عبدالله الفكي البشير
عبدالرحمن عبدالله، السودان: الوحدة أم التمزق، ترجمة الفاتح التجاني، ط1، رياض الريس للكتب والنشر، 2002، بيروت.
abdallaelbashir@gmail.com
تعليق واحد
