جدل حول الحركة القومية و إشكالياتها .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
قناعة الصاوي بمشروعه جعله يقول في الحوار “الاحزاب مكون رئيسي للانظمة الديموقراطيه لانها أداة تفعيل الارادة السياسية للمواطنين. النقطة التي اثيرها بهذا الصدد في كتاباتي المتواضعه هي ان الارضية اللازمة لنموها في السودان بما يجعل هذا الدور ممكنا، قد تصحرت تماما لسببين رئيسيين الاول هو هشاشة هذه الارضية ابتداء نتيجة لان السودان لم يمر بعصر تنوير يحرر الفرد من تأثير ارتباطاته الاوليه بما يجعل منه خامة صالحة لبناء حياة حزبية سليمه” إذا رجعنا تاريخيا لحركة الوعي السياسي في السودان في آطارها الحداثي، نجدها قد بدأت بتـأسيس التعليم الحديث الذي كان صناعة استعمارية، و رغم هذه الصفة، لكنها كانت البداية الحقيقية لعملية الحداثة في السودان و التفكير العقلاني، الذي سمح للنخب الجديدة في ذلك الوقت أن تطلع علي حركة الأفكار في العالم، إن كان ذلك من خلال نهل من مصادر غربية، اتاحها لهم تعلم اللغة الانجليزية بقيام التعليم الحديث، أو المتابعة و المشاركة الفاعلة لبعض النخب السودانية للجدل الفكري و السياسي الذي كان دائرا في المجتمع المصري، و هذا خلق وعي عند النخب الجديدة ساعدها علي فكرة تأسيس نادي الخريجين عام 1918م، كبؤرة وعي في البلاد، ثم مؤتمر الخريجين عام 1937م، كنقلة نوعية للتفاعل السياسي و الثقافي بين النخب السودانية الجديدة، الذي انتقل بها إلي مرحلة متقدمة في تطوير آلياتها الاجتماعية و السياسية في تأسيس أحزابها، و في تلك الفترة بدأت النخب السودانية في المجال الثقافي تطور آدواتها و تطرح العديد من الأسئلة، التي تتعلق بقضية الاستنارة، في مجلتي الفجر و النهضة. و كتب عرفات محمد عبد الله في العدد 6 من مجلة الفجر 1934م، يقول عن القومية السودانية ” القومية تدعونا إلي الاتحاد و إلي الائتلاف فيما يكون دعامة قومية لشعب دارج في سلم الحياة، و لكن ترانا في تفرق عظيم، و نختلف في أبسط الأمور و نركب هام بعضنا، كأننا من اجناس متباينة رحماك ربي علي أمة تلاشت في الخصومة” أليس هذا تعاني منه البلاد رغم مرور 74 عاما، فالنخب كانت بالفعل تؤسس لاستنارة في حدود وعيها في تلك الفترة. و أيضا كتب في ذات مجلة الفجر العدد 9عام 1934م، أحمد يوسف هاشم يقول ” أرفع ما تسمو إليه نفوسنا ثقافة و أدب قومي خاص، نطبعهما بطابعنا، و نميزهما بكل مافي حياتنا من مميزات حتى لفحات الهجير، و نعرف بهما في كل أمة و مكان و بلدة و قطر” هذا يؤكد أن مشروع الاستنارة كان قد وضع لبناته، قبل خروج الاستعمار، و لكن النخب قد أهملته بعد الاستقلال، و اعتقدت إن الوصول للسلطة هو الذي يجعلها تحقق ما كانت تطمح إليه. و رغم إن بدايات مشروع الاستنارة كانت تدعو لأمة سودانية تتكامل فيها أركان الأمة التي تتطلع لبناء الحداثة و التطور. لكن كانت قضية القومية العربية جزءا من الصراع الثقافي الدائر بين النخب في تلك الفترة، بين المناداة بالسودان كقطر لديه خصوصياته أو علاقته بالدول العربية، هذا الصراع الثقافي هو الذي خلق أرضية لحركة القوميين العرب في السودان، و حتى الثقافة العربية خرجت من طابعها القديم، حيث أكتسبت التجربة حوارا حول قضية الهوية التي تنازعتها العروبة و الأفريقانية.
و في سؤال آخر يقول: أليس الأفضل للبعث في السودان الارتباط بلأحزاب القومية من أجل الاستفادة من التجربة الحزبية العربية في تطوير ذاته بدلا من الدوران حول الأحزاب السودانية فارغة المحتوى؟ يجيب الصاوي بالقول “جهودي في محاولة إنجاح صيغة حزب البعث السوداني تنقيبا عن مقومات نشوء البعث خلال الأربعينات الغنية بالمحتوى الديمقراطي فكرا و تطبيقا، تنطوي علي الإجابة بالنفي للافتراض الذي يقوم عليه السؤال” و يضيف قائلا في ذلك “من حق الاخرين طبعا الانتماء الي احزاب يعتبرونها قوميه لذلك ،بهذا المعني، هي موجودة ولكن قناعتي المتواضعة ان المعني الحقيقي لوجود حزب قومي او غير قومي هو مدي ديموقراطيته فكرا وتنظيما وسلوكا لانه بغير ذلك يفقد مبرر وجوده الوحيد وهو كونه وسيلة او أداة تفعيل ألارادة السياسية للفرد العادي، كما أشرت سابقا… وبالنسبة للاحزاب القومية العلامة الرئيسية الاولي والاوليه لامكانية تطورها بهذا الاتجاه هو المدي الذي تذهب اليه في ممارسة النقد الذاتي. هو مدي عظيم وكبير، عظم وكبر المسئولية التي تحملتها في تشكيل الحياة السياسية والفكرية والدولتية العربية لفترة تجاوزت العقود الثلاثة من الزمان ولاتزال تلقي بظلالها علي الحاضر” إذا كانت كل الأحزاب السودانية قد تأثرت بالتجربة المصرية، و البعض استلف آطاره التنظيمي و الفكري منها، إذا أي تجربة سياسية حزبية عربية كانت ناجحة كان يجب أن يتأثر بها السودان. إشكالية النخب السودانية التي تفتحت عيونهم علي الفكر القومي، تأخذهم العاطفة لكل تجربة قومية حتى إذا كانت تعاني من سلبيات قد اقعدتها. إن أغلبية التجارب السياسية العربية و خاصة الأحزاب القومية و اليسارية كانت تواجه إشكالية الديمقراطية. يقول عن ذلك الدكتور عصمت سيف الدولة المنظر للناصرية في كتابه ” نظرية الثورة العربية الجزء الثاني” صفحة 191 عن قضية الديمقراطية في الفكر القومي العربي يقول فيها ” لم تدرس الديمقراطية بعد دراسة كافية في الفكر القومي التقدمي الذي يتضمن في داخله كافة المدارس الفكرية المختلفة في شأن الديمقراطية، و علي وجه خاص ليس ثمة في الفكر القومي التقدمي الذي نعرفه بيان للعلاقة بين القومية و الديمقراطية. و قد نستطيع أن ندرك أن تيار الفكر القومي السائد في الوطن العربي، أذ يدعو بالحاح إلي ( الثورة) العربية من أجل قيام دولة الوحدة، لا يجد مكانا في الحديث عن الثورة للحديث عن الديمقراطية” و تعليقا علي عصمت سيف الدولة، تأجلت قضية الديمقراطية في كل النظم القومية و التقدمية في المنطقة العربية بترير اتفق فيه الجميع، إن الديمقراطية لا يمكن أن تنجح إلا إذا تهيأت لها الظروف الاجتماعية و السياسية التي تساعدها علي النمو، كما أن التحديات التي تواجهها الأمة العربية من قبل الامبريالية أيضا تمنع الدخول في التجربة الديمقراطية. هذا التبرير كان يؤمن السبيل المريح للشمولية، و في نفس الوقت يفسح المجال للعناصر الانتهازية و الوصولية التي تحكمت في هذه التجارب و قادت لسقوطها، و في الأحزاب البعثية في دول الهامش أدت للتكلسها، و صعود قيادات فاقدة للأهلية مهمتها أن تسبح بأسم القائد العظيم مادام يوفر لها سبل معيشتها.
لا توجد تعليقات
