زخرف القول: بين أنبياء الحقِّ والأنبياء الكَذَبة: الحلقة التاسعة .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
بسم الله الرحمن الرحيم
وإذا ما آمنوا أنَّه كلام لا يمكن أن يصدر عن بشر، فذلك يثبت وجود خالق أكبر وأقوي وأعلم وأقدر من البشر، ويؤمنوا أنَّ هذا الخالق أرسل المرسلين للنَّاس رحمة بهم فما كان ليخلقهم ويذرهم بلا رعاية وهو أحنُّ وأرأف بهم من المرأة بوليدها:
إذاً الغرض الأساس من إرسال الله سبحانه وتعالي للرسل بالمعجزات هو تعريفهم بربِّهم، وتقديم منهج للحياة للنَّاس الذين خلقهم ليسيروا على هداه حتى يصونوا به حياتهم الجسديَّة والنَّفسيَّة والاجتماعيَّة والروحيَّة من الضرر، ويُتمُّوا به عافيتهم بكلِّ أقسامها، وسمَّاه هُدَى:
والله سبحانه وتعالي سمَّي نفسه الحقُّ، والمعني المُوجَّه للإنسان إنَّك إن اتَّبعت هدى الله، فقد اتَّبعت الحقَّ وإن فعلت ذلك فقد وصلت إليه، لأنَّ ما غير الحقّ هو الضلال: ” فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ؟ ۖ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ؟”
والهُدى هو أقصر الطرق الموصلة للغاية؛ أي الطريق المُستقيم:
ومن أسماء الله سبحانه وتعالي الحُسني: (الهادي)، وهذا الاسم يُلخِّص جوهر رسالة الإسلام ومنهجها:
والمولي عزَّ وجلَّ يقول كلَّ شيء مخلوق هو من صنعه، ووصف صنعه بالمُتقن، ولم يتثن شيئاً من خلقه صغيراً أو كبيراً، وهذه جملة شاملة وجريئة لا يمكن أن يدَّعيها إنسان، فلم نر حتى هذا اليوم صناعة بشريَّة وُلدت في حالة إتقان أو لها القدرة على التَّكيُّف ذاتيَّاً مثل خلق الله، ولهذا لا نزال نشتري آخر السيارات وآخر الطائرات وما شابه:
وبهذه المعايير الدَّقيقة نستطيع أن ندرس الإبل مثلاً لنري هل تنطبق عليها معايير الإتقان والإحسان والقوَّة والسلامة وأداء المُهمَّة ونوع الوقود لتتمُّ بذلك معايير الكمال؟
وفي معجم المعاني الجامع نجدُ أنَّ النَّظر هو البصيرة والتَّفكير والدراسة، وأطال أو أنعم النَّظر في كذا أي تأمَّله وفكَّر فيه بدقَّة.
“أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ؟ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ؟ وَإِلَى اْلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ؟ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ”.
والسنام من كلِّ شيء في اللغة هو أعلاه وأوسطه. فالفردوس مثلاً في أعلى الجنَّة ووسطها فوقها العرش مباشرة:
والإبل، كما نعرفها اليوم، أُكتشف حديثاً بقاياها في شمال كندا في المنطقة الجليديَّة قبل ثلاثة إلى خمسة مليون سنة، وقد كان حجمها أكبر من الإبل الحاليَّة بثلث الحجم ولذلك سُمِّيت بالإبل العملاقة. ولكنَّها لا تختلف عن الإبل الحاليَّة في شيء آخر في صفاتها أو جيناتها، وهي ما تُسمَّي ببصمة الأصبع الجينيَّة من الكولاجين، ممَّا يعني لو أنَّنا لو أفلحنا في استنساخ جمل منها الآن لما وجدنا اختلافاً بينهما إلا في الحجم.
وهذا يعني أنَّ الجمل هو الحيوان الوحيد الذي يستطيع أن يعيش في مناخين مختلفين تماماً بين درجتي حرارة قصوى، ولهذا فهو الحيوان الوحيد الذي لا يحدث له استطراق في درجة الحرارة مثل بقيَّة الحيوانات بما فيها الإنسان.
الشيء الثاني هو مقدرته على تخزين الماء وشرب كميَّات هائلة من الماء العذب أو المالح في خلال دقائق قليلة حتى وهو في حالة فقدان سوائل، من غير أن يؤثِّر ذلك على عناصر الدَّم، وهو أمرٌ سيقتل في دقائق أيّ حيوان آخر بما فيهم الإنسان.
كلُّ هذه الاختلافات تدلُّ على أنَّ الذي خلق هذا الحيوان خلقه مختلفاً بنظامٍ ونسق وتناسق مدهش بين أجهزته المختلفة وبين البيئة التي يعيش فيها حتى يستطيع أن يؤدِّي ما عليه من واجبات حسب التَّوصيف الوظيفي المكتوب له بأفضل كفاءة، كما فعل الله سبحانه وتعالي ذلك مع بقيَّة الوجود الذي خُلق بنسق راقٍ يؤيِّد بعضه بعضاً بشكل موزون لا يعانده:
هذا يعني أنَّ تفسير الصدفة في الخلق، أو التَّطوُّر بتحوُّر الأعضاء لتلائم البيئة، أو تحوُّل نوعٍ لنوع آخر ليس لهم مصداقيَّة علمية، فهناك حيوانات تعيش في القطب الشمالي مثل الدُّب القطبي ولم يحدث له تحوير في أعضائه ليتلاءم مع بيئة لم ينشأ فيها مثل الجمل، ولكن الجمل منذ ملايين السنين ظلَّ كما هو لم يتغيِّر إلا في الحجم، وهو تطوُّرٌ في الحجم كما حدث لسيدنا آدم عليه السلام فرضته عليه ظروف البيئة.
إذ لماذا تكون لديها المقدرة على العطش وعدم العرق لمدَّة طويلة، أو القدرة على إلصاق أذنيها حتى لا يدخل فيها الرَّمل، أو أن يكون لها جفن ثالث ورموش طويلة تقفل العينين تماماً أو ذنباً تحميها من أذى الرمال؟ أو يكون باستطاعتها أن تسُدَّ منخريها، ولا تتنفَّس بفمها لتحفظ الماء، وتأكل حتى الأشواك القاسية، وهي خلقت في بيئة جليديَّة لا صحراء ولا رمال ولا أشواك فيها؟
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
لا توجد تعليقات
