فينومينولوجيا الثورة السودانية (٣): لماذا حدث ما حدث .. بقلم: د. مقبول التجاني
البعض يضع الأحداث، وفق جدول زمني خطي بسيط، أو ينظر لها في سياق إحداثيات، اجتماعية و تاريخية محددة، مما يفقدها قيمتها الحقيقية، و لكن بالمقابل، فالحدث هو الذي يعطي للزمن قيمته و وعينا و إحساسنا به، من خلال تجاربنا المشتركة.
بالنظر للتجربة الإنسانية، فإنه يمكننا التعامل مع الأحداث، باعتبارها قطع طوب بناء، في طريق تشكيل التجميعة البنيوية الشاملة، و بإعتبار الحدث أيضاً غزو و اقتحام من المفارق، يقذف به في وعينا الداخلي، أثناء حراك حياتنا اليومية.
الحدث يتم إنتاجه، من قبل كينونات متقاطعة ومتشابكة، في البنية الإرتكازية الخفية، تقوم بإختراق النظام المتمظهر السائد، من خلال بروز الحدث، وتسعي الى إكمال حركة صيرورتها الذاتية من خلاله.
عند النظر الي ثورة ديسمبر ٢٠١٨ السودانية، بإعتبارها تكثيف و تجميعة أحداث بنيوية متنوعة، في حيز جغرافي و زماني محدد، فإنه يمكننا أن نتلمس، كل تلك المفاهيم الخاصة بالحدث.
لاحقاً، إلتحقت لافتة تجمع المهنيين بالثورة، عن طريق بيان مسجل في شكل بث مباشر، من أحد الشباب المجهولين، و تحول التجمع الي تنسيقية إلتفت حولها الجماهير، في سعيها المستمر لإسقاط النظام، و كانت القيادة الحقيقية للثورة في يد الجماهير، فهي التي تقترح و تبادر، و تتلقي الرصاص في الشوارع.
بنهاية شهر يناير ٢٠١٩، إعتقل نظام الإنقاذ كل الناشطيين السياسيين بالداخل، و أصبح العبء الأكبر في التنسيق و التوجيه، و دعم الثورة و تشكيل الرأي العام يأتي من الناشطين في الخارج، و إمتد ذلك حتي سقوط النظام في ١١ أبريل ٢٠١٩، فقد أكد إعتراف الإسلاميين المسرب، بأن تشكيل الرأي العام أثناء الثورة، كله كان يأتي من الخارج.
عند نهاية شهر يناير ٢٠١٩، كان قرار الحزب و الحركة الإسلامية هو التضحية بالبشير، و الإحتفاظ بجزء من السلطة، حسب تسريبات قناة العربية الأخيرة.
الدور الذي لعبه المدير السابق للأمن صلاح قوش، أثناء و بعد الثورة، لا يزال يكتنفه كثير من الغموض، و في حاجة للبحث و كشف مزيد من المعلومات.
إلتقطت من إشارات قوش في الصحف وقتها، بأن الأزمة تحل في أبريل، و فككت من تسجيلاته المسربة، بأن هذا إنقلاب عسكري.
بسقوط نظام الإسلام السياسي النازي المجرم في ١١ أبريل، و خروج قيادات و نشطاء معارضة الداخل من المعتقل، و بداية العملية السياسية بين قحت و المجعا يوم ١٣ أبريل، تم إستبعاد ناشطين الخارج من العملية السياسية بالكامل، و إستلم دفة القيادة سياسيي الداخل.
بالرغم من ذلك دخلت قيادات الداخل السياسية عن طريق لجنة إتصال شبه حزبية، في عملية تفاوضية عبثية بدون أي أفق سياسي، و بدون معلومات جيدة، و بدون تحليلات مناسبة تستند عليها، و بدون خبرة تفاوضية، و بدون التشاور مع نشطاء الخارج، الملمين بكل شيئ، و ظهر الي السطح ظاهرة نجوم القنوات الفضائية، و الشخصيات التي تتكلم في كل ما يخص الثورة بدون معرفة، مما خلق شرخ بينها و بين الشارع.
عندما أصبح إعتصام القيادة العامة أمراً واقعاً، و رقماً مهماً في المعادلة السياسية، حدثت محاولات مختلفة لفضه، و مناوشات في شارع النيل راح ضحيتها شباب، و تم علي خلفيتها إعتقال عساكر من الذين وقفوا مع الثورة.
شكل خروج الجبهة الثورية علي نداء السودان، و علي قوي الحرية و التغيير، بعد مباحثات أديس أببا و القاهرة و جوبا، إنقسام كبير بين قوي الثورة، و ما ذالت تداعياته مستمرة الي الآن.
بعد تشكيل المجلس السيادي، و آداء أعضائه الأحد عشر القسم يوم ٢١ أغسطس ٢٠١٩م، و آداء حمدوك للقسم رئيساً للوزراء في نفس اليوم، دار جدل كثيف حول طريقة إختيار الأعضاء المدنيين الستة في المجلس السيادي، و المعايير التي تم بها ذلك، و الشلليات الإجتماعية التي تدخلت في الخفاء، و الضجة التي صاحبت فوضي عملية الإختيار.
كانت زيارة عبدالله حمدوك للأمم المتحدة، إرتجالية و بدون ترتيب جيد، و فشلت هي و الزيارة اللاحقة الي واشنطن، في إزالة إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، و ذلك لضعف الطاقم الموجود في وزارة الخارجية منذ عهد التمكين، و عدم التحضير المناسب.
مع كثرة الأخطاء في العملية السياسية، و تعالي الأصوات الناقمة و الناقدة، حدثت تصدعات في سكرتارية تجمع المهنيين، و جاءت مزكرة شبكة الصحفيين السودانيين المسربة، لتعبر عن حجم المشكلة التي يعيشها جسم التجمع، و أدت الي تراجع و ضعف آداءه.
لجنة تحقيق نبيل أديب تعمل في ظروف سياسية معقدة جداً، و في ظل إمكانيات و معينات محدودة، و كان من الأفضل دعمها لوجستياً و فنياً، من الإتحاد الإفريقي و من الجهات الدولية المختلفة.
جاءت أحداث مدينتي بورتسودان و الجنينة، لتعبر عن حالة الفراغ السياسي و السيولة الأمنية بتلك الولايات، و كنتيجة مباشرة لتكتيكات الثورة المضادة، و تزامنت الأحداث مع مفاوضات السلام في جوبا.
تجابه الثورة الشعبية الآن تحديات كثيرة، من أبرزها إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية و الشرطية، و تفكيك شركاتها الإقتصادية، و حل الأمن الشعبي و كتائب الظل النائمة، و ملاحقة منظومة الأثرياء و رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق، و قيام إنتخابات النقابات المختلفة في أسرع وقت ممكن.
إننا الآن، في أشد الحوجة لنقد الحكومة الإنتقالية، و تفعيل رقابة الشارع، من أجل تحسين آداء الحكومة و الإرتفاع به، و ذلك في ظل غياب الدور الرقابي للبرلمان.
البنية الإجتماعية التقليدية التي أنتجت الدعم السريع، تحتاج الي كثير من العمل السياسي و الإجتماعي و الثقافي و التربوي، لأننا إذا لم نهتم بتعليم و تطوير أبناء الرحل في البادية البعيدة، و توفير الخدمات لهم، فإنهم سيأتون في شكل جنجويد الي العاصمة.
بالطبع الظروف الآن، غير مواتية لديمقراطية حقيقية في السودان، و غير ملائمة لإنتخابات مبكرة، و لو استمر الآداء التنفيذي بهذه الوتيرة البطيئة الضعيفة، فإن الظروف لن تكون مواتية أيضاً لديمقراطية حقيقية بعد ثلاثة سنوات و نهاية الفترة الإنتقالية.
إننا كشعب سوداني، لا نملك رفاهية أن تفشل الفترة الإنتقالية، أو أن تتراخي حكومتنا التنفيذية، في الإصلاح و إنجاز الملفات المختلفة.
No comments.

