في الغبطة المقنعة أو الغضب الوظيفي .. بقلم: إبراهيم عثمان
يتفنن في توليد مواد الغضب بعضها من بعض و يخرجها في لغة نارية تتوسل السمت الأدبي النزق المشغول بالإثارة العاطفية أكثر من الإثبات والبرهنة و الذي لا يزيد عن كونه مجرد بكائيات ومناحات قدحية ، فلا تشخيص علمي لأصل مشكلة ولا اقتراحات علمية لحلها، و إنما هو قانون السهولة : فأم العلل و علة العلل هي خصمي ذاتاً وصفات، به وبشرِّه الأصلي يتم التفسير و التعليل ، وعلى أنقاضه معاني ومباني تُصاغ الحلول .ويفوت عليه أن الغضبة المضخمة المتكئة على قصة مصنوعة أو مضخمة هي إعلان عن غبطة كاملة الأركان لا تكاد تخفيها كل مساحيق اللغة ومناوراتها . غبطة الذي يظن واهماً أنه تمكن من احراز هدف من عُشر فرصة ، و الذي استعمل كل مهاراته ليخلق متن موضوع الغضبة و يصنع حواشيها ثم يسكب دمعة غضبه الكذوب على واقعة صنعها هو على مقاسها . ستكون الغضبة مدلسة بقدر التدليس الذي لابس صناعة موضوعها . و ستحيل القارئ مباشرة إلى مراقبة الكلمات الطروبة التي تمارس عكس ما تمثل وتدعي . طرب يكشف عنه التبني الخفيف لكل ما يطرق الأذن من مآخذ الآخر مهما كان حجم تهافته . فمن يجعل غضبته على طرف تفاعله مع كل ما يسمع ، سيثير الشك في أصالتها و صدقها . ومن يجعلها مبذولة جاهزة للتجاوب و الاشتغال على وقع الموضوع أو اللاموضوع . سيكشف مباشرة عن أنها أصبحت هدفا لذاتها، و أنه يطرب لمسببات الغضب أكثر مما يغضب ، فيقول للناس دون أن يشعر : يسعدني أن يكون خصمي هو آلة صماء لا تنتج إلا مسببات غضبي ! بهذا الأداء سيجعل الشك مشروعاً في أنه يتصنع على الأقل جزءاً كبيراً من غضبه ليبرر تصفية الآخر ! و سيثبت أن معظمه- وليس كله بالطبع – غضب وظيفي مصنوع ومطلوب بشدة ليشكل غطاء التصفية وليس ردة فعل طبيعية ، خاصةً إذا تم ضبطه مراراً بتجاهل مسببات غضب حقيقية أخرى لا يحتاج معها إلى تصنيع أو تصنع أو فبركة لمجرد أن الفاعل هو من الذين يرضى عنهم .طبيعي أن يميل الإنسان إلى الدفاع عن معظم أفعال من يوالي ، ولكن غير الطبيعي هو أن يقدم نفسه كإنساني بالغ الحساسية فيكون نشاطه اليومي هو البحث عن قصص يختبر فيها حساسيته وإنسانيته فيفرط في تصنيع القصص وكذلك في رد فعله عليها ثم تتبخر هذه الحساسية فجأة إزاء قصة أو قصص جاهزة لإشعالها ، وفي هذا الصدد يمكن إيراد عشرات الأمثلة ولعل آخرها هو مأساة مقتل الرعاة في جنوب كردفان والتي تلتها بأيام مأساة وفاة المعلمة في احدى مدارس الخرطوم ، والمأساتان في الحقيقة تستحقان الغضب الشديد ، لكن الذي حدث هو أن مقتل الرعاة – رغم هول الجريمة ورغم عدد الضحايا الذين سقطوا بفعل عدوان مباشر – لم يجد ذات الإهتمام لدى أغلبية النشطاء في مواقع التواصل الإجتماعي ، ولم يتم التفاعل معه بمقالات وتحليلات وكاريكاتيرات … إلخ كما حدث في حالة وفاة المعلمة ، وما حدث في حالتها من تفاعل وانفعالات كان مطلوباً ويفترض أنه سيكون طبيعياً لدى الغالبية وأنه ليس غضباً وظيفياً مضخماً لمجرد الإستخدام السياسي المبتذل ، لولا أن معظم هؤلاء الغاضبين صموا آذانهم وكبحوا أقلامهم عن التفاعل مع الجريمة المكتملة الأركان التي حدث في نفس الأيام ، الإنسانية المطلوبة التي حضرت بقوة في حادثة المعلمة ، كان يمكن أن تثبت أصالتها ومبدأيتها لو أنها لم تغب عن الحادث الآخر ، رغم أن الجهة المتهمة أصدرت بيان تتبرأ فيه عن ارتكاب الجريمة وتؤكد أنها شكلت لجنة تحقيق ستحاسب الفاعلين ( إن ثبت أنهم من منتسبيها أو من المقيمين في أماكن سيطرتها ) . والواضح أن معظم النشطاء المتعاطفين مع هذه الجهة لم يصدقوا نفيها الخجول هذا ، ولذلك تجاهلوا الجريمة ولم يتفاعلوا معها بالطريقة المتوقعة في حالة وجود أدنى شبهة تجعل خصمهم السياسي في مرمى الإتهام ، وبذلك السلوك ثبتوا التهمة على الجهة المتهمة ، وأثبتوا أن إنسانيتهم تُشترى وتُباع في سوق السياسة ، وأن معظم غضبهم افتعال وتمثيل لأغراض سياسية حتى لو كان هناك ما يستدعيه .
No comments.
