قراءة في تقرير لجنة التحقيق في أحداث الجنوب 1955 : الحلقة الثانية .. بقلم: عبد الله محمد أحمد الصادق
لا أتقبل القول بعدم وجود جنوبيين مؤهلين لتولي وظائف مديرى المديريات الجنوبية كما جاء في تقرير لجنة التحقيق، فقد كان بعضهم من خريجي كلية غردون التذكارية ومنهم من يشغل وظائف قيادية في الشرطة والجيش والسجون، وكان من الممكن تنظيم كورسات تأهيلية سريعة أو تعيين مستشارين شماليين ويفترض أن تكون المؤسسات الحكومية في المديرية مستشاريات بصفتها المهنية، لكن حكومة الأزهرى تعاملت مع السودنة كترفيع ادارى ولم تدرك بعدها السياسي والقومي فقد رحل المديريون البريطانيون وجاء المديريون الشماليون، ولمدير المديرية بعد سياسي أكثر أهمية، والادارة فن قبل أن تكون علما ولم يكن للمؤهلات الأكاديمية أهمية لدى الادارة البريطانية فقد كان أبو سن مديرا لدارفور أكبر المديريات مساحة وأكثرها تنوعا بشريا ولم يكن لأبو سن حظا من التعليم وهو من رجال الادارة الأهلية في رفاعة وكان يحظي في دار فور باعجاب واحترام الادريين البريطانيين والسودانيين ويعرف في أوساطهم بشيخ العرب، وكان الموظفون الجنوبيون يتطلعون الي السودنة كغيرهم من الموظفين في الشمال لكن الموظفين الجنوبين في المديريات الجنوبية لم يستفيدوا شيئا من السودنة لآن معظمهم يشغلون وظائف محلية ولا ينتمون الي الكشوفات المركزية العامة كالكتبة والمحاسبين أمناء المخازن، لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت في مشروع الزاندى عندما أصدرت الحكومة قرارا عشوائيا بتصفية المشروع بتاريخ 25 يوليو 1955 قشردت 300 من العمال الجنوبيين، ولو أن ذلك حدث في القاش وطوكر والزيداب لتسبب في اضطرابات عمالية خطيرة، ويذكرني ذلك بعبد الرحيم حمدى وزير مالية حكومة عصابة الترابي وحيرانه عندما قال ان المشروعات الاعاشية عبء علي خزينة الدولة فانتهي ذلك الي تدمير القطاع الزراعي، وكان ذلك أيضا قرارا عشوائيا لأن المزارعين ينتجون سلعا تصديرية نقدية، وكانت الحكومة علي علم بالشائعات والتوترات والاحتقانات في أوساط الجنوبيين بدليل البيان الذى أصدره الأزهري بتاريخ 18 أغسطس 1955 وجاء قيه ان الحكومة علي علم بالمؤامرات التي تحاك في الجنوب وستستعمل الحكومة القوة الحديدية ضد أى جنوبي يحاول تقسيم الأمة، ويشير الأسلوب الي أن البيان كتب بخط الأزهرى وهو عادة لا يهتم باختيار الكلمات وتنقصة الدبلوماسية والنظرة الكلية الشاملة وكان يعرف في أوساط الحركة الطلابية بمستر دراب اشارة الي تصريحاته وخطبه المرتجلة فقد كان كحاطب ليل، ولا شك ان التلغراف المزور استوحي من ذلك البيان وتكاد الكلمات تتطابق تطابقا تاما، وكان التلغراف المزور ينسخ ويوزع في كل أنحاء الجنوب وتضاف اليه بعض العبارات النارية ومنها أضربوا بيد من حديد علي كل جنوبي يرفع رأسه للتحريض علي الكراهية، ويذكرني ذلك بالطيب مصطفي وتلميذه اسحق فضل الله في الاذاعة والتلفزيون وبرنامج في ساحات الفداء، ودعاة الفتنة الذين يحاولون الصيد في الماء العكر موجودون في كل زمان ومكان، وقد تشكي منهم بابو نمر في خطابه الي الديكا والمسيرية في مؤتمر الصلح في السبعينيات من القرن الماضي، فقد وجد الساخطون علي أوضاعهم الوطيقية في القيادة الجنوبية والخدمة المدنية ضالتهم لاطلاق الشائعات التي وجدت مناخا خصبا للتفريخ والانتشار في كل أنحاء الجنوب.
لا توجد تعليقات
