باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 16 مايو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
جمال محمد ابراهيم
جمال محمد ابراهيم عرض كل المقالات

كنيسة ومئذنة: نظرة في شعر الشاعر السوداني التجاني يوسف بشير .. بقلم: جمال محمد إبراهيم *

اخر تحديث: 30 أغسطس, 2018 7:36 صباحًا
شارك

 

 

إهداء خاص إلى يوسف شدياق- برايتون- المملكة المتحدة، الذي حدثني عن لبنانية عرفها التجاني، فأعاد ذاكرتي لمقال قديم كتبته عنها، وإلى صديقي د.صفوت فانوس..

(جمال)

التجاني يوسف بشير ، هذا الشاعر المرهف . . !
كم فارق نهج أضرابه من شعراء بدايات القرن العشرين في السودان ، وإن اقترب كثيرًا من نهج المحدثين في مصر ، ومن أساليب جماعة “أبوللو” وطرائق نظمهم : أبي شادي وإبراهيم ناجي وأضرابهما ، وكذلك بعض شعراء المهجر من السوريين واللبنانيين، وأيضاً الشاعر التونسيّ أبي القاسم الشابي، بوجه ٍ خاص .
لكن لا أرى من بين شعراء فترة العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، في السودان ، من عبّر عن تجاريبه الشخصية فصورّها شعراً شفيفاً ، واستنطق دواخله المهتاجة ، فصاغها مقاطع تعجب ، مثلما فعل التجاني . نعم ، كتب في التصوف ، وتناول الذات الإلهية ووحدة الكون ، كما كتب عمّا جاش في نفسه ، من رحلة عذابه القاسية ، من حرّ الشكّ إلى برد اليقين . ولكن التجانيّ ، لم يهمل فيض قلبه العاشق ، فسرى منه في بعض قصيده ، مسرى لا يكاد يلحظ أثره القاريء المعجل . كنت أنا قد نظرت – بسبب من إهتمام برصد ما لحيّ “المسالمة” مقام المسيحيين في عاصمة السودان الوطنية “أم درمان” ، من أثر في الفن والشعر والغناء في أم درمان – في شعر التجاني، فوجدت أن للتجاني سهماً بارزاً ، وإنْ أهمله بعض النقاد .

أدعوك أن تقرأ معي بعض أبيات من قصيدته بعنوان ” الله ” (1) :

فتفلت ّ من يدي وسبّـحت َ بديـــئــاً لأول ِ الأشـــــياء ِ
أين مرقىَ سمائهِ ؟أين ملقى قدسي ّ الصـفات ِ و الأســــماء ِ
قال: في رقة ِ الصوامع ِ أو لوعة بيضِ ِ المساجد ِ الغــرّاءِ
لم ُتشِدْهَا يد ُ الفنون ِ ولا صـاغت محاريبها يــد ُ البـنّاء ِ
كلمات مبثوثة في الفضـــاءِ الرّحـب ِ من ساجد ٍ ومن صلاّءِ
هي َ لـله ِ مخلصـات و كم تعقب بدعـاً منــازع الأهـواء ِ
ها هنا مسجد مغيظ ٌعلى ذي البيّعِ الطُهـر ِوالمســوحِ الوضــاءِ
وهنا راهـب ٌ من القـــــوم ِ ثوّار لِمَجد ِ الكنيــسة ِ الزّهراء ِ
كلّها في الثرى دوافع خيرٍ بنت وهـبٍ شـقيقة العذراءِ
قلت : ما وهب ٌ في الزمان وما شأن الفتاتين بالجلالِ المضــاءِ
ألحواء مدخلٌ في مجــــاري صُوَر ِ القهر ِ أو مجالي السماء ِ
بنت وهبٍ ماذا بها في مراح ِ الغيب ِ أو مغتدىَ عيون القضـاءِ
ما لـعــذراء ِ بالإله ِ و مَــا للقُدسِ مِنْ آدم ٍ ومِن حــوّاء ِ
أهو الله في القلــوب وفي الأ نفاس ِوالرّوحِ والدٌّجىَ والضـياء ِ
أم ْ هو ّ الله في الثـرى عـنـد عزرائيل وقفـاً على قلوبِ النساءِ ؟
قال كلتاهما من النورِ تفضـي بنبــي ًّ مِـن رحمــة ٍ وإخــاء ِ
والنبي ّ العـظيــم فـي الأرض إنسان ُ السـمواتِ إلهــيّ الدمـاء ِ
صِلة الأرض بالسماءِ ِوصوت الحقُّ فـيها ومستـهلّ الفضــــاءِ

لقد رأى الشاعرُ الجريءُ مظاهر التوحيد، تتجلى َ في تنوع الخلق والمخلوقات وجماع الكون ، فرأى بنت وهب تلازم العذراء كالشقيقة ، في رؤية تشمل الكون بنظر واحد ، ولكنها أيضاً تستصحب رؤية متقدمة للتسامح بين العقائد وتعايش الأديان .
أورد الناقد السوداني د. أحمد عبد الله سامي، في كتابه عن الشاعرالتجاني(2) ، أن قصائد ديوان “إشراقة ” هي ثمان وستون قصيدة ، أربعة وعشرون منها تدور حول الشعر الذاتي ، ويشكو الشاعر فيها زمانه أو يتحسر على ما فات، أو يناجي صورا في خياله . سبعة عشر قصيدة أخرى تناولت الحب والجمال ، ثم تسع قصائد سمّاها الكاتب شعرًا صوفياً ، وست قصائد هي عن بعض أصدقائه ، وأربع في الطبيعة وأربع أخر في الرثاء، وثلاث أخيرة في موضوعات وطنية . وأعجب كيف أن الكاتب عبد الله سامي ، لم يفطن – وهو يعرض لقصائد الحب و الجمال ويحصيها – أن بعضها حوىَ تعبيراً واضحاً وفي أبيات واضحة جلية ، عن ميل الشاعر نحو أمرأة بعينها ، ليست من دينه ، أو قد تكون مسيحية . أغرم بها الشاعر، وألمح إلماحاً حذراً إليها ، فيما بثّ عنها في قصائده . لم تغب عن يراعه الذي يخط عن خواطره العاشقة ، إشارات للكنيسة أو للرّاهب أو للعذراء أو للصوامع . ترد في قصائد كثيرة ، ولكن أوضحها تلك التي تجرأ الشاعر ووضع عنواناً لها ، ينمّ عن توقه للتسامح يجمع المسجد والكنيسة . ذلك تراه في قصيدة سمَاها ” كنائس و مساجد”(3) . للتجاني نظرات في وحدة الكون كما أبنا ، و لربّما فيها ما ألَّب عليه المعهديون(4) ، فرموه بما رموا ، من تشكيك ٍ في ايمانه ، فرأوا فيه ضعفاً ، بل وأسرف بعضهم بوصف تجديفاً وكفرا ، وساعدهم هو بصياغات مريبة . أنظر معي كيف أورد شعراً رقيقاً ، يقطر تسامحاً ومُسالمة واتحادا .
إقرأ معي قصيدته “كنائس و مساجد ” :
درج الحسنُ في مواكب ِ عيسىَ مدرجَ الحبِّ في مساجد أحمـد ْ
ونمـت مريم الجمـال وديعـا ً مشرقا ً كالصباح أحـوَر أغيـدْ
نسلت ْ موجة ٌ إلى الديـــرِ في حين مشىَ فرقد ٌ على إثر فرقـد ْ
آه لو تعلـم المسـاجدُ كــم ذا أجهدَتْ بينهـا الصبابة ُ أمرد ْ
آه لو تعلم المساجد كـم ذا خَفقـتْ بينهـا جـوانـح ُ أدرَد ْ
ولقد تعلــم الكنائس ُ كـم أنـف ٍ ُمـدل ّ بـهــا ، وخــدٌّ ُمـورّد ْ
و لقد تعلم الكنائس ُ كـم جفـن ٍ مُنضى َ وكــمْ جمـال ٍ مُنضد ْ

لا يخفي الشاعر تعلّقه بمن في الكنيسة ، ومن غير فتاته وردية الخدود ؟ ولكن القصيدة تطفح بنظرة الشاعر لوحدة الوجود والكون ، لا يرى من اختلاف في روح الدين عند المسيحيين وعند المسلمين ، و يريد في ذلك اختلاق الوشيجة التي تمنح حيثيات عشقه الأمان الذي يريح قلبه . .
ثم أقرأ من قصيدة: “وحي المحامد”(5) ، هذه الأبيات، تجد صوراً مستلهمة عند التجاني ، من واقع ماثل حوله ، ويفصح تلميحاً متواتراً عن شواهد مسيحية ، لكأنه يقصد أن يبث فيها رسالته للمرأة المسيحية التي يحبّها :
كمْ ضرعنا إلىَ الذي فرض الحجَّ ليرعاك َ من صــروف ِ زمانِـه ْ
وابتهلنا إليه ِ ملء أيادينـــــا وكـل ّ دعاء ٍ بمــل ء ِ جنــانـهِ ْ
فكأنما إذا ارتحلــت دعــاء ٌ مُرسل ٌ للمسـيح ِ من ُرهبانـهِ ْ
أو كأناّ تسبيحة ٌ في فــمِ ِ الناســك ِ تجــري علـى َ مُتون لِسانهِ ْ

كان التجاني ينطق عن بيئة يعرفها وتعرفه . نشأ في “حي العرب” المتاخم والمتداخل مع “حيّ المسالمة ” وحي الركابية” من أحياء مدينة “أمدرمان” ، وليس بعيداً من منطقة السوق الكبير في “أم درمان” ،عاصمة السودان الوطنية ، حيث التجارة يدير جلّها نفرٌ جليل من الشوّام ، لبنانيين ( تنبي أسماء “معلوف” و”كفوري” و”قرنفلي” عن أصولهم، ثم سوريين ، وبعض أقباط من مصر، وهنود ممن استقرّوا في البلاد ، شرقيّها وغربيّها ، شمالها وجنوبها . كثيرٌ منهم مسيحيون بطوائفهم وأفرعها العديدة : روم أرثوذكس وأقباط أرثوذكس وكاثوليك ، بكنائسهم وأديرتهم وأبرشياتهم . حين تعلم الشاعر التجاني يوسف بشير الكتيابي الكتابة والقراءة ّ وهو طفل ، تعلمها في “خلوة” أهله “الكتياب”، أو هي بلغة اليوم روضة من رياض الأطفال، يديرها عمّه في “حيّ البوستة” ليس بعيداً عن الحيّ المسيحي: “المسالمة” . أما لمّا أعتّلت صحته ، وهو في عشريناته ، فقد هرع به أهلوه ، إلى مستشفى ” الإرسالية” في أم درمان ( هو مستشفى التجاني الماحي حالياً) ، على مقربة من “حيّ العرب” و” حي العرب” . ذلك مستشفىً يديره رهبان الكنيسة ، لا سعياً لإنفاذ أجندات تنصير خفية ، بل خدمة لأهداف إنسانية محضة ، توجّس منها من توجّس ولكنها استدامت لسنوات طويلة(6) . ما كانت سنوات الثلاثينات من القرن الماضي في السودان ، خالية من توجّسات شبيهة ، فقد شهدتْ سنوات قبلَ ذلك ، سياسات “المناطق المقفولة” التي اتبعها الإستعمار البريطاني ، وهي في حقيقتها، بذور الفتنة تزرع في غفلة ، ثم ترعاها القوة الباطشة حيناً ، والترغيب الأملس، أحايين أخرى .
الجنوب صناعة إنجليزية، ولكن أنظر معي : حيّ “المسالمة ” تجده صناعة سودانية بحتة . . قبل سنوات الثورة المهدية وبعدها أيضاً ، لم تهمل حكومة الخليفة عبد الله التعايشي ، منتصف ثمانينات القرن التاسع عشر وحتى نهايته ، أمر “المسالمة” . نما الحيّ وتعايش سكانه مع سكان الأحياء المجاورة في “حي العرب ” ، بطول المجرى المائي الفاصل بين منطقة “حيّ العمدة” و”حيّ السوق ” و”حيّ الركابية” و أطراف من “حي ّود أرو” و “حيّ ود نوباوي ” و “حي البوستة” . بين الأسر المسلمة ، ثمّة أسر عديدة مسيحية : أقباط أرثوذكس ، وروم أرثوذكس ، وكاثوليك ، من سوريا ومن لبنان ، وأسر ٍ يهودية وهندية وأرمنية وإغريقية، ولكنهم ظلوا سودانيين ، على سودانيتهم المكتسبة، أباً عن جدّ، وما نفّرهم عن البلاد في سنوات لاحقة ، إلا جنوح بعض سياسيينا لفرض سياسات التأميم الإقتصادي الخرقاء، ثم سياسات التهميش المريبة من بعد ، فغادر من غادر وبقي كثيرون ، لا يبرحون المكان الذي آواهم وأجدادهم السابقين .
هنا نشأ التجاني يوسف بشير، في تلكم السنوات البعيدة . هنا كان يرى بأمّ عينيه التعايش بين ملل و نحل ٍ ، تكاد تفرّقها السحنات والعقائد أول وهلة ، ولكن يجمع عقدها روح الإخاء الإنساني ، روح التسامح تسري من فوقهم ، مثل غيمة تلقي بظل ٍ يحمي من هجير إختلاف شكلي وتنافر جزافي . لو بلغ النظر مراميه العميقة لاستبان للرائي ، مثلما استبانت للشاعر التجانيّ ، تلك الوحدانية، تشمل الكائنات من حوله . ليتك تقرأ معي قصيد التجاني الشهير بعنوان ” زهَى الحسن”(7):
لا تثأري مِن فـــــؤادِي كفىَ بدمْعِـيّ ثارا
حَسْبيَ افتئاتاً تجنّــيــك ِ نـفــــرة ً وازورارا
آمنـتُ بالحُسـن ِ بَـرْداً وبالصّــبـــابة نــــارا
وبالكنيسـة ِ عـــقــْداً ُمنضـّـداً مِنْ عَــذارىَ
وبالمَسـيح ِ ومَــنْ طافَ حَــــوْلـهُ واستــــجَارا
إيمانَ مَنْ يَعبُدَ الحُسن َ في عيــــون ِ النّصَارَىَ
* * *
لقـد بلوُتـكَ يـا حُسـنَ كبــــرة ً أو نفـارا
وَقـدْ خبــرُتـكَ يـا ثغْــرَ بَسْـــمَة ً و افتــــرارا
وقـد عهدتـكَ يـا جـفـنَ مِنــصَـــلاً جـبــّـاّرا
نَشـدّتكَ الحُب ّواللّهـــوَ والدّمـــــوع َ الحِـــرَارا
ألاَ اطّرحْت َ زُهىَ الحُسنِ ِ وادّكـــــرتَ الجِـــوارا

لكن من تكون تلك الأنثى التي تعلّق بها الشاعر ، مُقيمة في الجوار ؟
لا يقول لنا من أرّخ للشاعر، بل فات على أكثرهم أن يلتفتوا لهذه الناحية عند التجاني . لم يكن يتوفر للشبان مخالطة مع النساء السودانيات، ناهيك إن كنّ بسحنات وعقائد مختلفة ، وأجنبيات غريبات عنه. كان التجاني يدرك أن تطلعاته العاطفية مردودة ، ولن تمضي به وبقلبه ، إلى الغايات التي يحلم بها . في ذلك المجتمع الذي لم تتسع فيه حركة التعليم، أو ينداح خلاله الإنفتاح المعافى على الآخر المختلف ، لن تتحقق مثل تلك الطموحات العراض، أو تتنزل على الواقع الماثل . برغم دعائم التعايش وشيوع التسامح ، على أفق من الفهم المحترم للإختلافات الإثنية والتباينات العقائدية ، إلاّ أنّ خطط التجاني ، تبقى خططاً لا تبرح خياله ، ولا تغادر خطّ يراعه. أنظر إلى قصيدة “طفرةُ ساحر”(8) التي يقول فيها :
يا “هـــذه” عمرك ِ اللهَ َهلْ سَمعت ِ بِقيْس ِ؟
فتـىً يُقيم ُ بجنبيَ بينَ ســهم ٍ و قوْس ِ
رمته ُ ليـلىَ بجنبيك ِ واستــعاذت ْ بترس ِ
وأنـتِ يا ابْنـة َ لبنـــان تعبـثيــــن بــرأســي
كفاك ِ سِـحراً و حَسْبي مَا قدْ لقيـت ُ و بسّي

إذن فصاحبنا قد علق فتاة لبنانية ، أفصح عنها بأوضح عبارة : “إبنة لبنان” ! و لعلّي أقرأ كلمة “بسّي” في آخر عجز البيت أعلاه : “بؤسي” ، فهي أصدق تعبيرًا عن حالة الشاعر العامة ، يحيط بها الإحباط من كلً ناحية ، لا هو حقق مراميه في التعليم ، فقد تنكر له معهده الذي يتعلم فيه، ولا هو امتهن مهنة تعود عليه بالرزق الوفير، ولا ساعدته صحته للإقبـال على الحياة بحماس .
يورد الناقد المصري د.عبده بدوي ، كيف أنّ التجاني أغرِم بالحسن والجمال الأجنبي (9) ، والإشارات رآها كثيرة مبثوثة في قصائده الوجدانية .
ولكن هل هيَ مسيحية، في ترائبها صليب ؟ إقرأ معي قصيدة “من هنا وهناك” ، تجد التجانيّ، وقد صاغ شعراً يستعجب فيه من قلبه ، يتعشّق الجمال عند الغرباء(10) :
عجيــبٌ أنتَ يا قلبي فكـمْ ذا يهيـب بك َ الجمال ُ فتستجيـب ُ
يظل ّ بك الهوىَ فرحاً وتبكـي فتشرب من مدامعـك القلـوب ُ
ترود بك الصبـــابة ُ كلّ يـوم ٍ مجاهل َ كل ّ آهليهُـا غريْب ُ
و جُـن ّ بك الهوى َ فهُنا غريـرٌ علقت به ِ و هنّــــا حبـيـــب ُ
و تلك وفي معاصمها سـوار ٌ وذاك وفي ترائبه ِ ” صليبُ “
يرف ّ عليهِ مِن بطــرٍ ونُعمىَ معالمُ كلّها أرج ٌ و طيْـب ُ

ثم هو يصف كيف تستقبل محبوبته الملهمة ، فصل الربيع ، وتلك من عادات وتقاليد اللبنانيين والسوريين ، لا يلتفت السودانيون كثير التفات لربيع لم يألفوا علاماته ، في طقس لا يريهم إلا الحرّ الزؤام ّ! و لكن ذلك لا يحوجنا لإنكار هذا النظم من التجاني ، وعينه على محبوبته الشامية ، تحتفل بمقدم الربيع . ترى هل نعيب على شاعر سوداني مسيحي ، مثل صالح بطرس، وقـــد عاش فــــي
“أم درمان ” وعاصر التجانيّ ، قصيدة ينظمها في الإحتفال بمناسبة رأس السنة الهجرية، يستحثّ مسلمي “أم درمان” لبناء مسجدهم الجامع (11) ؟

قال التجاني ّ لمعشوقة تحتفل بمقدم الربيع :
جئـت تسـتقبل الربيع وتستنشي عبيــر الحيــاة مِـن آذارِه
مارّ من حولك الشــباب وكــل ّ مخلّـد للجمال ِ في إكباره
عبدوا وجهك النضير وجــاؤوا ينشقون الأريج َ من أزهارِه
دلفوا يقرأون عَذب المـراسيم ِ وآي الهـوىَ علىَ آثـارِه
غمروا بالحنانِ روحك واسـتنز فتْ قلبيَ إليكِ من أغوارِه

شبابٌ وأزاهيرٌ في شهر الربيع ، وعذب المراسيم والتراتيل في كنيسةٍ، ضمت المحبوبة بين أترابها من بنات الشآم ! هذا ممّا جاء في قصيدة ” من أغوار القلب” (12) . ونعلم أن شهر الربيع هو مارس ولكن الشوّام يقولون عنه “أذار”، كما أورده التجاني في أول القصيدة.
ثم مِن قصيدة : ” نَفــسـي” (13) ، يقول التجاني ّ :
هيَ نفسيَ إشراقة مِن سماءِ اللهِ تحبـــو مـع القـرون ِ وتبطــي
موجة كالسـماءِ تقلع من شـــطَ وترسي مِـن الوجــود ِ بِشــطِّ
خلصتْ للحيــاة من كـل قـيـْد ٍ ومشتْ للزمــان ِ في غيــر ِ شرْط ِ
كلما اهتاجها الحنين استــظلتْ بحبيبيـن ِ مـِن يهـــودٍ و قِبْــط ِ

لا يقف الشاعر في حبّه إذن ، على فتاة واحدة ، مسيحية ، بل ألمح إلى استظلاله بفتاة يهودية أيضاً، و”أم درمان” في سنوات التجاني، كانت حافلة بيهودها . ولا تعجب إذ أن أسرًا يهودية عريقة ، خالطت أنسابها أسراً سودانية مسلمة ، ومنذ سنوات بعيدة ، ربما أكثر ممّا يرصد من تزاوج بيــن مسلميــــــن

ومسيحييــــن فــــي “أم درمان”، على ما شهدتْ المدينة من سموّ في علاقات التسامح بين سكانها المختلفين ، سحنات وعقائد . .
شعر التجاني شهادة لأم درمان ،عاصمة السودان الوطنية ، كيف قويت فيها شوكة التسامح ، واستطالت بنياناً شامخاً ، شموخ برج بلدية أم درمان العريق . إني لا أزال أتذكر في طفولتنا تسابقنا عدواً على الدرج الداخلي للبرج ، ونصل إلى السطوح ، نجيل البصر مبهورين بنظرة “عين الطير” ، للمدينة الحبيبة بمبانيها القصيرة ، لا تسمق عالية ً فتلاقي أبصارنا الغضة ، إلا مئذنة جامع أم درمان العتيق ، و قبة “كنيسة القديسين” في حيّ “المسالمة” ، نكاد نلمح أجراسها الضخمة من سطح برج البلدية .
لكم كان التجاني صادقاً مع ما رأى بعينيه ، و ما رأى بقلبه الشاعر . .

* نشرت في مجلة “نـقـد” ، العدد 3– بيروت، 2007

هــــوامـــــش:
(1) التجاني يوسف بشير :ديوان إشراقة ، دار البلد، الخرطوم، 1999.
(2)د. أحمد عبدالله سامي:الشاعر السوداني التجاني يوسف بشير، دار الثقافة ، بيروت لبنان ،1970 .
(3) التجاني يوسف بشير ، مرجع سبق ذكره، ص 57 .
(4) التجاني يوسف بشير ، مرجع سبق ذكره، ص85 .
(5)معلمو وطلاب معهد أم درمان العلمي (الإسلامي ) في ثلاثينات القرن الماضي والذي تطور فأصبح الآن جامعة أم درمان الإسلامية
(6)د.حسن مكي: المشروع التنصيري في السودان، المركز الإسلامي الافريقي في الخرطوم، شعبة البحوث والنشر، إصدارة رقم 11،1991.
(7) التجاني يوسف بشير: مرجع سبق ذكره، ص 58 .
(8) التجاني يوسف بشير ، مرجع سبق ذكره ص33.
(9) د.عبده بدوي:الشعر الحديث في السودان، ص 662 .
(10) د.عبده بدوي : المرجع السابق .
( 11) التجاني يوسف بشير ، مرجع سبق ذكره، ص 55 .
(12) التجاني يوسف بشير: مرجع سبق ذكره، ص 140 .
(13 ) التجاني يوسف بشير: مرجع سبق ذكره، ص 153 . )

الكاتب
جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً إلغاء الرد

يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الملف الثقافي
الفاظ اللهجة السودانية في شعر المتنبي … بقلم: عبد المنعم عجب الفيا
منبر الرأي
من ذكريات عيد الأضحى أيام زمان … بقلم: بروفيسور عبدالرحيم محمد خبير
الأخبار
السودان يطالب يوغندا باعتذار رسمي عن التعليقات المسيئة والخطيرة لابن موسفيني
منبر الرأي
تمزقت الخرائط ، ومن مزقه .. بقلم: محمد عتيق
منبر الرأي
هل نتحدث عن شفافية… أم شفشفة؟

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

نحو فضائيات لا يحتاج مشاهدوها ل (نظارات لحام) .. بقلم: لنا مهدي

طارق الجزولي
منبر الرأي

إشكالية العلاقة بين دارفور ووسط شمال السودان النيلى

د. حسين أدم الحاج
منبر الرأي

مَن صاغ قانون الصحافه … بقلم: عبد الجبار محمود دوسه

عبد الجبار محمود دوسه
منبر الرأي

الحوار لمن؟؟! .. بقلم: سعيد شاهين

سعيد عبدالله سعيد شاهين
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss