مقتطفات من كتاب “قيود من حرير: العامل الإنساني في الإدارة البريطانية بالسودان” .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
Bonds of Silk: The human factor in the British Administration of the Sudan
مقدمة: هذه ترجمة لبعض فقرات متفرقة وردت في كتاب لفرانسيس دينق ومارتن دالي عنوانه “قيود من حرير: العامل الإنساني في الإدارة البريطانية بالسودان” صدر بالولايات المتحدة عن دار نشر جامعة ميتشغان في عام 1989م. ودكتور فرانسيس دينق (1938م -) هو سياسي ودبلوماسي وكاتب من جنوب السودان، عمل في سبعينيات القرن الماضي وزيرا للدولة بالخارجية في عهد جعفر نميري، ثم دبلوماسيا بالأمم المتحدة. أما بروفيسور دالي (1930م -) فهو أستاذ جامعي أمريكي متخصص في الشأن السوداني وله عدد كبير من المقالات والكتب عن السودان منها الكتاب العمدة “تاريخ السودان منذ دخول الإسلام حتى العصر الحالي” بالاشتراك مع المؤرخ البريطاني هولت، و”إمبراطورية على النيل” وأخيرا كتاب “أحزان دارفور”، والذي كنا قد ترجمنا عرضا له قبل سنوات.
كان كل المسئولين البريطانيين في غالب فترات الحكم الاستعماري في رتب أعلى من الموظفين السودانيين، غير أن محدودية معرفة المسئولين البريطانيين باللغة والعادات المحلية، واضطرارهم للاعتماد على مرؤوسيهم من الموظفين السودانيين الأكثر معرفة عقدت من طبيعة العلاقات (الاجتماعية) بين الطرفين. وقال الإداري لورنس بوخانين إن المفتشين البريطانيين كانوا يخصون زعماء القبائل بمعاملة أكثر ندية من معاملتهم لغيرهم من الأهالي. وقد يكون هذا بسبب سلطات ونفوذ هؤلاء على مواطنيهم، ولتعذر سير الأمور والحفاظ علي الأمن والاستقرار دون تعاون هؤلاء الزعماء. وهنا رسم موريس لش تفريقا واضحا بين “السلطة القانونية” التي كان يتمتع بها المفتش البريطاني، و”السلطة الحقيقية”، والتي كانت بيد زعماء القبائل. فهؤلاء الزعماء كما قال لش: “هم رؤسائي الحقيقين، فقد تعلمت منهم – وليس من غيرهم- كل ما ينبغي تعلمه عن الحياة السودانية. فالعلاقة بين المفتش وزعيم القبيلة وشيوخها لم تكن أبدا علاقة “رئيس” و”مرؤوس. فعند مروري أمام شيخ قبيلة فإنه ينزل من حماره كدلالة على التحية والاحترام، وأقوم أنا بفعل ذات الشيء، فهو يمثل “الناس” وأنا أمثل “الحكومة، وعلينا أن نتعامل مع بعضنا البعض بأخلاق طيبة “.
لقد فشل مؤتمر الخريجين في الحفاظ على جبهة موحدة، وأنقسم أعضائه على أنفسهم وتوزعوا على الطائفتين المهدية والميرغنية. ورعى السيد عبد الرحمن المهدي حزب الأمة، والذي كان غالب أعضائه من المهدويين، ورفع شعار “السودان للسودانيين”. بينما نادى أتباع زعيم الختمية السيد علي الميرغني بشعار “وحدة وادي النيل”، والمقصود بالطبع هو الاتحاد مع مصر كوسيلة لطرد البريطانيين من السودان. وجلبت رغبة حزب الأمة في التعاون مع البريطانيين جملة من الفوائد والأضرار على الطرفين، بينما أكسب رفض الاتحاديين الاشتراك في عملية الإصلاحات التي نادت وعملت لها الحكومة سمعةً (وطنية) كحزب معارض للاستعمار. غير أن لورنس بوخانين يقول بأن الحزبين كان يعوزهما النضج، ولم تكن غالب جماهير الشعب السوداني تأخذهما على محمل الجد. وأضاف قائلا: “لم يكن أمر الاستقلال الوطني عند القادة القبليين أمرا ممكن عمليا. وعلى العكس من هؤلاء، كان كبار المسئولين ينادون بالوطنية، ربما تفاديا لحقائق الانتقال السياسي للسلطة. ولم تظهر أحزاب ذات برنامج اجتماعية للتنمية والديمقراطية، حتى بداية الخمسينات حين لاح في الأفق الحكم الذاتي. وكانت الوطنية في المناطق خارج العاصمة صورية ومصطنعة نوعا ما. فقد ظلت كل ميول الناس قبلية في الأساس. وتركزت بؤرة السياسة في الزعماء الدينيين والولاء القبلي. وكان الصراع يدور في الأساس ين طائفتي الختمية والأنصار”.
كان كينيث هندرسون يصر على أن الإذعان والاحترام المفرط الذي كان يبديه الرجل السوداني العادي للبريطانيين مرده هو تهذيبه الشديد، فقال: ” يعد السوداني في المناطق الريفية الرجل البريطاني كيانا سماويا / الهيا (divine being)… هذا بالطبع إن لم يغضب منك، فعندها قد تسمع منه كلاما مختلفا جدا! والعرب – على وجه العموم- أكثر شعوب الأرض مهارة في الإطراء والمداهنة والتملق. فقد وصفني أحد هؤلاء ذات مرة بأني خير من قدم لمنطقته في الثلاثين عاما الماضية من المفتشين. ويدرك المرء بالطبع الدوافع الدنيئة (base motives) التي تملي عليهم مثل تلك الأقوال، غير أنه يجب الاعتراف بأن مثل تلك الأقوال قد ترفع من روح المرء المعنوية”.
كان لداؤود عبد اللطيف بعض التوجهات الاشتراكية والوطنية في سنوات الطلب بكلية غردون. وحكى الرجل أنه، وبعد تخرجه من كلية غردون، انضم لمدرسة مساعدي المآمير، وقام ذات يوم بإلقاء خطبة عصماء في حشد من الناس، فقد كان أول مساعد مأمور يعين سكرتيرا لنادي الخريجين. وكانت المناسبة هي زيارة السيد عبد الرحمن المهدي لدنقلا، معقل الطائفة / الطريقة الختمية، والتي يقودها منافسه وخصمه اللدود السيد علي الميرغني. وكان البريطانيون يحسون بالشك والانزعاج وعدم الرضا من “غزوة” ابن المهدي لمعقل الختمية. غير أن السيد عبد الرحمن هون من أمر الزيارة وقال لهم بأنه إنما يزور مسقط رأس والده. وذكر داؤود عبد اللطيف في خطبته ما يفيد بأن تلك الزيارة هي زيارة تاريخية، لأنها المرة الأولى التي يسمح فيها البريطانيون لأبناء البلاد بالعودة لجذورهم، وعد الزيارة بداية للحركة الوطنية. ونشرت صحيفة النيل (لسان حزب الأمة) نص تلك الخطبة. وسرعان ما تحصل مساعد السكرتير الإداري على ترجمة كاملة لتلك الخطبة فقرر من فوره عقد “مجلس تأديب” للموظف داؤود عبد اللطيف، وأمره بالاعتذار كتابة عما ذكره في خطبته، فرد عليه داؤود في حدة بأنه لن يكتب اعتذرا بل سيكتب استقالة من العمل. وبالفعل كتب الاستقالة وقدمها في الحال وغادر مكتب مساعد السكرتير الإداري. ولما سمع السكرتير الإداري السير دوجلاس نيوبولد بالقصة فقال: “نادوا هذا الولد ليقابلني”. ولما أقبل عليه داؤود نهض الرجل واستقبله عند الباب مثلما يفعل عند استقبال الشخصيات المهمة وقاده لمقعده وقدم له قهوة، وبدأ يتحدث معه في مختلف الشئون والموضوعات المختلفة التي شملت الأدب الإنجليزي والشعر وغير ذلك، وتحاشى تماما الحديث في أمر الخطبة والاعتذار والاستقالة. وعندما هم داؤود بالانصراف قال له نيوبولد وهو يودعه: ” انس موضوع الاعتذار. ليس مهما”. وعلم داؤود لاحقا أن نيوبولد كتب عنه مذكرة صغيرة جاء فيها التالي: “هذا الولد له عقل سياسي. سيكون إما معنا أو ضدنا. وأنا أفضل أن يكون معنا، لذا يجب ألا ينقل لأي مكان دون موافقتي. سأهتم بأمره شخصيا… وأرفق الآن مسودة قرار يمنع كل موظفي الحكومة من الاشتغال بالسياسة”. وكان البريطانيون قبل ذلك لا يرون ضيرا في اشتغال الموظفين بالأمور السياسية، بل كانوا يشجعونهم على الاشتغال بها، وكانوا لا يخشون غير دخول الموظفين السودانيين الذين يتركون العمل بالخدمة المدنية في معترك السياسة الطائفية.
طالب السودانيون بالسماح لهم بلعب دور نشط في إدارة بلادهم فأقام البريطانيون في عام 1944م مجلسا استشاريا في شمال السودان لـ “تحديد اتجاه وتطوير المشاعر الوطنية علي أسس بناءة”. وعن هذا المجلس قال الناظر بابو نمر ما نصه:
No comments.
