مقدمة السفير جمال محمد ابراهيم لكتاب: “الحاكم إذا استبد والشعب إذا انتفض” من تأليف الصحفي الكبير فؤاد مطر والذي صدر قبل ايام في لبنان متزامنا مع مليونية ٣٠ يونيو
عن فؤاد مطر السوداني اللبناني
فؤاد مطر من كبار الكتّاب الصحفيين المخضرمين، والمخضرم هو من أدرك عهدين مطلقا، في زعم أكثر المعاجم ثبوتا، وإنه ليس صحفيّاً مُعلّماً فحسب ، بل هو أولاً ذلك الكاتب الأديب الذي ملك القدرات على الإفصاح بقلمٍ راسخٍ رصين ، مثلما هو ذلك الصحفي الذي يمسك بقياد مهنته إمساك الفارس بعنان جواده في حومة الوغى. والوغى عند أستاذنا فؤاد ، تمثله ميادين جولاته وتغطياته الصحفية واقتحاماته ساحات النشر، بإبداع إضافي في المقالة الصحفية الجاذبة. أما كتاباته التوثيقية ومشاهداته الشخصية، ولقاءاته ومساجلاته الصحفية مع صانعي الأحداث في الساحات الرسمية وغير الرسمية ، المدنية أوالشعبية أوالعسكرية، فهي مدرسة متفرّدة في العمل الصحفي الأدبي والمهنيّ المسئول. أما نحن في السودان فنراه الصحفي العربي الأول في الاهتمام بالشأن السوداني.
لقد أبصر أستاذنا فؤاد إذن، تلـك الثنائية، فألهمته سلسلة التوثيق لمحبته لبلده الثاني السودان، عبر كتبٍ خطّها قلمُهُ البريع عن “حِلو. . مُـر السودان”، غطتْ أحداثه ووقائع تطوراته السياسية التي تأرجحتْ بين حكم مدني وحكم عسكري، ثم أخلاط بين الإثنين. .
ثمّ تتالتْ كتب الأستاذ فؤاد عن السودان . فكما كان شراب “الحِلو مُـر” عصيراً من حبوب الذُرة الرّطبة المخمّرة والمعجونة بالبهار ، خرجتْ كتاباته عصيراً فكرياً عن وقائع وأحداث، مازجت بين الشخصيّ والرسميّ في السودان وطبيعة تاريخه السياسي. نظر الأستاذ فؤاد بعمق لمختلف تطورات الحكم في السودان ، خاصة ثنائية التنافر بين المدني والعسكري، فكان كتابه عن المصالحة بين نظام مايو الشمولي الذي قاده نميري بعد انقلاب عسكري، وبين معارضيه من التيارات السياسية المدنية التي انقلب عليها، فكان كتابه : “المصالحة الوطنية الأولى في السودان : إنتكسوها أم انتكست ؟”. ثم كتابه عن تجربة حكم جعفر نميري بعنوان: “سنوات نميري بحلوها ومُرّها”. هذان كتابان صدرا ضمن سلسلة “حلو..مُر السودان: تاريخ ما لن يهملهُ التاريخ” . شكلتْ تلك الكتابات دُرراً تلألأت ببريقٍ مميّزٍ من بين كلّ الدّرر الأخرى التي استخرجها فؤاد من مَحار تجاريبه الصحفية بعد غوصٍ عميقٍ في بحر السياسة العربية.
المظهر الأول شكّله الشعبُ الذي ثار على النظام الإسلاموي الذي أسّسه وبناه زعيم الحركة الإسلامية في السودان الشيخ الترابي مع الجنرال العسكري عمر البشير، الذي بقي في الحكم ثلاثين عاما . فمثلما اتفق مدنيّ وعسكري على حكم البلاد ثلاثين عاما، فقد أسقطت ذلك النظام شراكة ثورية بين مكوّن مدني من ائتلاف مطاط بين قوى سياسية وأطراف في المجتمع المدني، شكلت ما يسمى بـ”قوى الحرية والتغيير”، ومكوّن عسكري من ضباط نظاميين وشبه نظاميين إنحازوا للحراك الشعبي ضد نظام “الإنقاذ” الإسلاموي الفاشي . ذلك طرفٌ من ثنائية التنافر بين “الحلو.. مُر” الذي لن يغيب عن نظر أستاذنا فؤاد مطر.
No comments.
