منشورات حزب الحكمة: أنواع التفكير والحالة السودانية: الحلقة السادسة .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقي على
وقد رأينا مثال ذلك في اتفاقية نيفاشا حيث احتفظ الحزب الحاكم بالأغلبية وبعد انفصال جنوب الوطن واصل هيمنته على مفاصل السلطة برغم مشاركة ما تسمي بأحزاب الوفاق أو الحوار الوطني التي لفظها عند أوَّل تهديد حقيقي لسلطته والتي تركَّزت في يد القائد الأوحد يفعل بها ما يشاء في حصن أمين من المساءلة ضارباً بلوائح حزبه الذي ركله عرض الحائط بل ويعلن أنَّه يقف منه على مسافة واحدة مثل جميع الأحزاب وفي نفس الوقت يعين له من يضمن ولاءه لأنَّهما مشتركان في الجريمة ومهدَّدان من المحكمة الجنائية فينام قرير العين أنَّه لن يسلمه لأحد. وماذا يفعل الحزب؟ يتقبَّل ذلك دون احتجاج بل ويبرِّر له ويعامل رئيسه معاملة الإله:
ولهذا فالمفارقة المرّة حقّاً أنّه، عندما استتبَّ له الأمر، وأد فكره وحوّله لنفس المنظومة في اتّباع شيخ واحد، بعد أن أحرق الكتب وألغى بقيّة الطرق الصوفيّة، فصار أتباعه يعظّمونه كما تعظّم المشايخ، ويقرأون ورده كما تفعل بقية الطرق، وانزوت حرارة الثورة دفاعاً عن الفكرة وتحوّلت إلى دفاع عن الأسرة والدنيا.
ولذلك فالمتتبّع لسيرته يجده يختلف مع أساتذته لأنّهم، في ظنّه، غلّبوا المظهر المادي على الروحي والفكري. وهو لم يجد حظّاً أفضل في كسب عيشه لأنّ درجة صفائه الفكري التجريدي وانعدام المادّية في نفسه حتى مرحلة المجازفة بحياته، جعلته لا يبيع حطبه، لأنّه قد يوقد لصنع الخمر، ومنعه أيضاً من استخدامه للطعم لصيد السمك، لأنّ في ذلك غشّاً للسمك. هذا ديدن رجل ركل الدّنيا برجله وتعلّق قلبه بالأفكار والذكر، ولكنّه ديدن رجل عرف أنّ هناك مفارقة لا تخيب وهي أنّ قمّة التفكير التجريدي، وهى التوكّل على الله سبحانه وتعالى، يعقبه مددٌ مادِّىٌّ وبذا تكتمل الدائرة. ألم يقل المولى عزّ وجل:
لا توجد تعليقات
