يسألونك عن العلمانية .. بقلم: الإمام الصادق المهدي
1/ في القرون الوسطى كانت أوربا تدين بالمسيحية مستسلمة لسطان الكنيسة المطلق، فرئيسها البابا معصوم، وهو يمارس سلطاناً على كل وجوه الحياة، وهو الوصي على كل المعارف، وملوك الدول الأوربية يمارسون الحكم بموجب الحق المقدس الذي تمنحهم إياه الكنيسة، وإذا صدر رأي من أي شخص في أي موضوع فهو مما يجيزه سلطان الكنيسة وإلا حوكم صاحبه إلى درجة الإعدام حرقاً. الاعتقاد السائد هو أن الوضع ثيوقراطي بمعنى أنه هو حكم إلهي.
3/ ولكن الواقع استعصى على انقراض الإعتقاد الديني حتى في البلدان التي أعلنت أنها تنتمي للسكيولارزم. فالكنيسة الكاثيوليكية احتفظت بكيانها الديني، ونافسها المذهب البروتستاني، وانقسمت الدول بين المذهبين، واحتربت حروباً طائلة، حروب انتهت بصلح وستفاليا في 1648م الذي وضع حداً لحرب دامت ثلاثين عاماً.
4/ وللكنائس في البلدان الأخرى وزن سياسي مهم فكثير من الأحزاب الحاكمة فيها تسمى بالديمقراطية المسيحية كما في ألمانيا. وفي أوربا الشرقية استردت الكنائس بعض دورها السياسي الذي قضت عليه المرحلة السوفياتية.
6/ وفي العالم الإسلامي فقد بدأ في مرحلة ماضية لدى كثير من المفكرين أن الاتجاه نحو انقراض الانتماء الديني كما جاء على لسان الدكتور طه حسين، والأستاذ سلامة موسى، وفي كتابه أولاد حارتنا تبنى الأستاذ نجيب محفوظ أطروحة اوقست كومت المذكورة بشكل روائي باعتبار الدين إلى انقراض ويحل العلم محله. هذه الأفكار شهدت رفضاً قوياً من حركات إسلامية سلفية وإخوانية وكان المشهد الأكثر دراما هو ما حدث في تركيا.
7/ أمام المساجلة بين الانتماء الديني والانتماء العلماني راجع كثير من أساطين المدرسة العلمانية رؤاهم: قال أحد هؤلاء: تشارلس تيلور: ليس الدين شأن خاص فحسب، فقد استطاع فرض وزنه في الواقع الخاص والعام. ينبغي أن يسمح للمفهوم السياسي ذا المرجعية الدينية أن ينافس ما دام يتجنب الاحتكار الثيوقراطي ويقبل التعددية، فاللبرالية تهزم نفسها إن هي أبعدت المتدينين بالقوة.
8/ في فكر المسلمين تمت محاولات كثيرة لأنسنة الإسلام على النحو الآتي:
9/ الشعارات التي تمخضت عنها محاولات أنسنة القرآن أو تحجيم دور الإسلام أدت إلى مفاهيم تلخصت في مقولة فصل الدين عن الدولة، ومقولة العلمانية.
10/ توجد في المشهد السياسي السوداني أحزاب صغيرة ترفع الشعار العلماني، ولكن أهم تبني لها كان في ميثاق الحركة الشعبية لتحرير السودان، دعوة رحبت بها قوى سياسية سودانية شمالية لأسباب انتهازية بصورة مكشوفة. ففي مؤتمر دور الثقافة في التنمية في القاهرة في عام 1999م قال الأستاذ فاروق محمد إبراهيم مخاطباً الدكتور قرنق عبر وفد أرسله للمؤتمر: نحن نعلم ما تواجه الحركة من اتهامات بالعنصرية ولكن ما دمت سوف تحقق لنا العلمانية سوف ندعمك لحكم السودان، وبياناً لهذا الاتجاه قال ستيفن واندو ممثل الحركة الشعبية في واشنطن في مؤتمر: هنالك شماليون هزمت أجندتهم العلمانية ويريدون الاستنصار بتضحيات الجنوبيين.
11/ بعد انفصال الجنوب وفي يناير 2013م أصدرت الجبهة الثورية اعلان الفجر الجديد الذي فيه: اعتبار شرعية الكفاح المسلح وسيلة لإسقاط النظام والمطالبة بالوحدة الطوعية أي تقرير المصير، والمطالبة بفصل الدين عن الدولة. وفي أغسطس 2014م بعد حوار مع حزب الأمة أعلنت الجبهة الثورية بكامل هيئتها وبحضور الأخوة عبدالعزيز الحلو وعبدالواحد محمد نور معنا إعلان باريس الذي فيه: العمل على إسقاط النظام بالوسائل السلمية، وبدل المطالبة بتقرير المصير العمل من أجل سودان العدالة والمساءلة بين جميع مكوناته، وأننا ناقشنا بعمق علاقة الدين بالدولة واتفقنا على مواصلة الحوار للوصول لصيغة توافقية، ومعلوم أن أهم الصيغ التي اتفقت عليها القوى المقاومة لنظام الإنقاذ، وهي مقررات أسمرا للقضايا المصيرية، خططت للأسس المطلوبة بعيداً عن العلمانية.
________________________________________
لا توجد تعليقات
