في تذكار الموسيقار محمد وردي (2 من 6) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
وها هو وردي، الذي أشرقت عليه شمس اليتم المبكِّر، قد غادر الطفولة إلى سن الشباب، وبات ينتقل من عالم إلى آخر، ومن مدرسة إلى أخرى، ثمَّ أعلن مواهبه الفنيَّة عن نفسها في صوت عالٍ رائع بديع، وبدأ كغيره من الشباب الطموح العالي الهمة عبر عصر جديد ناتج من رحم المعاناة، وروح العصر المتقلِّب. وما أن وصل وردي إلى الخرطوم حتى غنَّى للشاعر الملحِّن الرَّاحل خليل أحمد أغنيات “يا طير يا طاير” و”الليلة يا سمرا” و”أول غرام” و”الحب والورود”. وحين دخل وردي الإذاعة السُّودانيَّة بأم درمان في 19 تموز (يوليو) 1957م لأوَّل مرة وفي مطلع الصِّبا رفع عقيرته، أي صوته، وتغنَّى بأغنية “هل تدري يا نعسان”.
هكذا بات الفنان محمد وردي يتعاون مع الشاعر إسماعيل حسن في الفترة التي امتدَّت ما بين (1958-1963م)، وبعدئذِ نشب خلاف بينهما امتدَّ زهاء عشرة أعوام منذ العام 1963م. على أيَّة حال، فقد لعب الإعلام ووسائل الصحافة أيامئذٍ دوراً سيئاً في استعار نيران هذه الجفوة والبغضاء. ولا نكاد نرتاب في أنَّ الهُمزة اللُّمزة قد وجدوا ضالتهم في هذا الأمر، لأنَّهم في كل وادٍ يهيمون. والهمز – ها هنا – فعل مشين، يوصف به المشَّاء بنميم، والكانز للمال، واللئيم الانتهازي، وهو أيضاً النكش والنبش والنقر وسواه من الأفعال النكراء، و”ويل لكلِّ هُمزة لُّمزة” (الهمزة: 104/1). هذا، فإن كان قد وقع شجار بين محمد وردي وإسماعيل حسن، فلا سبيل إلى الشك في أنَّ خلافاً يقع دوماً بين النجوم في الأفلاك، وقد يصل إلى حد التَّصادم بينهما ويؤدِّى هذا الحراك الفلكي إلى سقوط الشُّهب والنيازك. كان يعتقد إسماعيل حسن أنَّ الشاعر ينبغي أن يتكسَّب ماديَّاً مثلما يفعل الفنان نفسه، كما أنَّه ادَّعى من جانبه أنَّه هو الذي أسهم في صعود وردي كفنان أعظم وأجل، وبالتَّالي يمكن أن يحطِّمه. غير أنَّ الشاعر مرسي صالح سراج هو الذي كان يتكبَّد المشاق في الرَّد على مزاعم إسماعيل حسن قائلاً: “لولا صوت محمد وردي لما عرف شعر إسماعيل حسن طريقه في الانتشار بالكيفيَّة التي بها ساد وعمَّ الوسط الفنِّي في السُّودان.”
وإنَّ مساحة الحريَّة هذه لهي التي جعلت شاعرنا أبا آمنة حامد أن يبدع في قصائده بشيء من الإبداع عظيم، حتى أمست من أحسن فن علق في الهيام. وفي شروط المحبة والكلام باتت أشعاره كأنَّها روضة صمخت في صوب السحاب الهتَّان، فريدة في فنِّها، فائقة في حسنها، يطرب لسماعها الثكلان، وينشط لقراءتها الكسلان، ويعجب الأديب لانطباعها. إزاء هذا يعتبر أبو آمنة حامد من كبار كتَّاب الشعر الغنائي في السُّودان، حيث تغنَّى بأعماله الشعريَّة كبار المطربين السُّودانيين بينهم الفنان صلاح بن البادية في قصيدتي “الحرير” و”سال من شعرها الذهب”، والمطرب عبد الكريم الكابلي في قصيدة “جمال العربي”. والجدير بالذكر أنَّ أبا آمنة حامد كان يعالج موضوعاته من خلال نماذج اجتماعيَّة وأخرى سياسيَّة؛ فقال متعاطياً مع ظاهرة الزواج بأجنبيَّات التي انتشرت في السُّودان في الستينيَّات من القرن المنصرم:
وتعتبر هذه القصيدة الغنائيَّة من أروع أغاني الخواطر والوجدان والاعتزاز ببنت البلد، وتعكس الانتماء إلى هذه الرقعة الجغرافيَّة، والقصيدة في حد ذاتها عبارة عن بانوراما جغرافيَّة وتأريخيَّة واجتماعيَّة عن السُّودان، والتي فيها ذكر الشاعر نماذجاً من أضراب التنوُّع العرقي والقبلي الذي يمتاز به السُّودان. كان لزاماً عليه أن يذكر النُّوبة والأنقسنا والفور والزغاوة والمساليت وغيرهم لكي تكتمل الصورة، حتى لا يكون الخيال قاصراً على أعراق بعينها، أو يكتفي بالسكوت عند ذكر الغرب دون تخصيص للبقارة والنقارة؛ ثمَّ يا تُرى أين الكمبلا والوازا والكنوق (رقصة الداجو مثلاً)؟ مهما يكن من شيء، فأبو آمنة حامد هو ذلكم الشاعر الفذ الذي تغنَّى له أيضاً الفنان العملاق محمد الأمين في أبيات له تقول في مطلعها:
هذا ما كان من أمر الشاعر أبي آمنة حامد، الذي أنجبه قبيل الهدندوة في ديار البجة؛ وإنَّ البجة لهي تلك القبيلة التي خرج من صلبها شعراء جهابذة أفذاذ وعلى ذكرهم إبراهيم العبادي (من قبيل العبابدة وهو بطن من بطون البجة)، وإسحق الحلنقي (من قبيل الحلنقة وهو الآخر بطن من بطون البجة)، ومحمد عثمان محمد صالح كجراي (وكجراي يعني المحارب بلغة السبدرات البجاويَّة التي ينتمي إليها الشاعر)، والأديب أبو علي أكلاب. وأهل البجة أهل شجاعة وكرامة ونبل كسالف عهدهم بتأريخهم، ويتسمُّون بهذه الصفات، مثل أحمد باركوين أحد ملوك البجة، وباركوين تعني الشخص الذي لا يعرف الخوف باللغة التبداويَّة، أي البجاويَّة.
وكذلك لكجراي ذاته صدح وردي بأغنية “تاجوج”، والتي تقول كلماتها:
وفي ذلكم العام، أي العام 1962م، كان وردي عائداً من رحلة فنيَّة قضاها في مدينة كوستي إلى الخرطوم. وعندما رست الباخرة، التي كان على متنها في مدينة الدويم، اشترى وردي مجلة “هنا أم درمان”، والتي وجد فيها قصيدة “الطير المهاجر” للشاعر المرحوم صلاح أحمد إبراهيم. فإذا بوردي يقوم بتلحينها قبل الاستئذان من شاعرها وفيما كانت الباخرة تمخر عباب النِّيل الأبيض، ثمَّ إذا هو يفرغ من تلحينها حين وصل إلى الخرطوم. وفي هذه الأغنيَّة تتجلَّى الفروق بين القديم عندهم والجديد عندنا، أي بين الحياة التي كان يحياها أهل القدمة وبين تلكم الحياة التي نعتاشها نحن أهل الجدة اليوم. وها هي الآن بالطبع قد تبدَّل كل شيء. فطريقة التعبير عن الود وكيف كانوا يحملونه ويهبونه تختلف كثيراً عمَّا جبل عليه جيل اليوم. فلا المنديل المطرَّز برسم قلب يخترقه سهم هو آية الحب اليوم، ولا الخطابات الطويلة في أوراق الفولسكاب، وبكلمات باتت مألوفة ومنقولة من كتب أفرغ مؤلِّفوها أنفسهم لكتابة هذا النمط من الكتب، هي أحاديث العصر.
والفتاة – حسب علمنا – تبلغ قمة سعادتها وتصل أوج الاغتباط والمسرَّة حين تتم خطوبتها، وتوضع الدِّبلة أو الخاتم المجوهر أو المعسجد على أصبعها، وتنطلق إلى أهلها تتمطَّى، وإلى صواحبها وأترابها تشاورهن، وتفصح لهن قائلة: “شوفوني أنا مخطوبة”، وبخاصة إذا عشقت الفتاة، والتي في عيونها المفاتن أو ذات الخدود الشاربة من شفق المغارب، ود بلد، وهامت به، ثمَّ تعلَّق به قلبها. ولكن كيف استطاعت هذه القطعة الصغيرة من الخاتم المصنوع من الفضة أو الذهب أو الماس المجوهر، والتي تتختَّم بها النِّساء في أرجاء العالم، أن تلعب دوراً بارزاً في العلاقات العاطفيَّة بين الزوجين الذكر والأنثى على مر الدُّهور؟
وهل يمكننا أن نمضي في هذه الصفحات دون أن نذكر الشاعر محمد علي أبو قطاطي! كان أبو قطاطي – رحمه الله رحمة واسعة – شاعراً بات متيَّماً بالحب في لحظة ما من حياته برغم من أنَّه كان متزوِّجاً. غير أنَّه هام بفتاة أخرى وسعى ما وسعه السَّعي في سبيل الحصول على يدها وامتلاك حبَّها، والفوز برضاها، إلا أنَّ سعيه كان خسراناً مبيناً، وجاءت مساعيه هذه في قصيدة “المرسال”. وفي القصيدة إيَّاها وقصائد أخرى شدا بها وردي يضيق أبو قطاطي بأنواع الصبابة، ويشغل بها نفسه انشغال المشوق المصبَّأ، الذي رمته الليالي بأقسى النوائب، وأمسى يقضي نهاره بالأماني الكواذب. فلم يكن أبو قطاطي كمن كان له معاهد مع فتاة وبات يبكيها لعهد تصرَّم، أو بعد الظعينة. وبما أنَّه بالكاد لم يفلح في اقتنائها شرع يسلو نفسه بالأسى حين يحزن، ويقرُّ على اليأس فؤاده الموطَّن، ويرسل أبكار المنى ويُهنَّأ بها. وللشاعر محمد علي أبو قطاطي قصائدة أخرى تغنَّى بها وردي وهي “المسكين” و”سوات العاصفة” و”شن بتقولوا” و”الناس القيافة”. إزاء هذه الأغنيات المشبَّعة بالقصص والعواطف النبيلة يمكننا أن نطلق على الشاعر محمد علي أبو قطاطي مموِّل الأغنيات الوجديَّة. ومن منا لا يعشق الناس القيافة في دروب المحبَّة؛ ومن منا لا يرنو إلى الخدود النديَّة فهي هنيَّة، وفيها رقة وجاذبيَّة. وإذا كانت الوجنات تشبه أزهاراً موسميَّة، ولم تتعجَّل إلى قطفها في حينها، فإنَّها لتذبل وتُبتذل.
No comments.
