دكتور محمد عبدالله
القرية… مستودع القيم
حين يقارن الناس بين القرية والمدينة، فإنهم يقارنون ـ في الغالب ـ بين نمطين للحياة: بساطة الريف وتعقيد الحضر، دفء العلاقات وبرودة الإسمنت، اتساع السماء وضيق الشقق. غير أن المسألة في السودان أعمق من مجرد مقارنة اجتماعية عابرة. فالقرية السودانية لم تكن مجرد مكان للسكن، بل مستودعاً للقيم التي صاغت وجدان الإنسان السوداني عبر قرون طويلة.
عرف السودانيون الاستقرار منذ عصور موغلة في القدم. استوطنوا ضفاف النيل والسهول الممتدة شمال الشلال السادس قبل أكثر من ألفي عام. لم يكونوا جماعات هائمة بلا جذور، بل أصحاب حضارة مستقرة، عرفوا الزراعة، وأقاموا المدن والمعابد والأسواق، وابتكروا نظم الحكم والإدارة. كما عرفوا، في الوقت نفسه، معنى الجوار، وإكرام الغريب، والتسامح مع الوافد. ولهذا ظل السودان، عبر تاريخه الطويل، أرضاً تستقبل الناس أكثر مما تنفرهم، وتحتمل التنوع أكثر مما تخشاه.
في الريف السوداني القديم، لم يكن الإنسان يُقاس بما يملك وحده، بل بما يمنح. وكانت قيمة الرجل تُعرف بعدد الذين يجدون عنده الطعام والأمان. وحتى الفقر نفسه كان أقل قسوة، لأن المجتمع كله كان يتقاسم أعباءه بصورة فطرية، من غير تنظير ولا شعارات كبرى.
وصايا من جبل البركل
——————
ولعل المتأمل فيما نُسب إلى الملك الكوشي خاليوت بن بعانخي، والمنقوش على مسلته في جبل البركل نحو عام 750 قبل الميلاد، يدرك أن هذه الأخلاق ليست طارئة على أهل السودان، بل امتداد لوعي حضاري وإنساني عريق. يقول خاليوت:
“إنني لا أكذب، ولا أعتدي على ملكية غيري، ولا أرتكب الخطيئة، وقلبي ينفطر لمعاناة الفقراء.
إنني لا أقتل شخصاً دون جرمٍ يستحق القتل، ولا أقبل رشوةً لأداء عملٍ غير شرعي، ولا أدفع بخادمٍ استجار بي إلى صاحبه، ولا أنكح امرأةً متزوجة، ولا أنطق بحكمٍ دون سند، ولا أنصب الشراك للطيور المقدسة أو أقتل حيواناً مقدساً.
إنني لا أعتدي على ممتلكات المعبد، بل أقدم العطايا له؛ أقدم الخبز للجياع، والماء للعطشى، والملبس للعراة.
أفعل هذا في الحياة الدنيا، وأسير في طريق الخالق، مبتعداً عن كل ما يغضب المعبود؛ كي أرسم الطريق للأحفاد الذين يأتون بعدي في هذه الدنيا، وللذين يخلفونهم إلى الأبد”.
أي روح تلك التي رأت العدالة عبادة، ورأت إغاثة الجائع واجباً أخلاقياً لا منّة فيه؟ وأي مجتمع ذاك الذي جعل رجلاً، قبل أكثر من ألفين وسبعمائة عام، يربط خلوده بما يقدمه للفقراء لا بما يجمعه من الغنائم؟
الحردلو… صدى البادية
————————
تمر القرون، وتتبدل الدول والعهود، لكن الجوهر يبقى على حاله. فيأتي الحردلو، شاعر البادية السودانية، ليصف صديقه بقوله:
“مطمورة غلاي
مونة خريفي وصيفي
سترة حالي
في جاري ونسّاي وضيفي”
وهي أبيات قليلة الكلمات، لكنها تختصر فلسفة مجتمع كامل. فالثروة الحقيقية ليست في الذهب ولا السلطان، بل في أن يكون الإنسان “سترة حال” لمن حوله؛ لجاره، ولأهله، ولضيفه العابر. هنا تتجلى أخلاق الريف السوداني في صورتها الأصفى: الكرم واجب، والمروءة معيار، والتكافل قانون غير مكتوب.
لكن المدنية الحديثة، بما حملته من سرعة وضغوط وعزلة، أرهقت هذه القيم شيئاً فشيئاً. فالمدينة، حين تتضخم بلا روح، تجعل الإنسان أكثر انشغالاً بذاته، وأقل صبراً على الآخرين.
الحرب تكشف الجوهر
———————-
ومع ذلك، فإن ما شهده السودان في السنوات الأخيرة كشف حقيقة أساسية: أن الرصيد الحقيقي لهذا البلد ليس السياسة، ولا الثروة، ولا الشعارات، بل قيم الناس أنفسهم. ففي قلب الحرب والنزوح والانهيار، ظل السوداني يفتح بيته للغريب، ويقتسم طعامه مع النازحين، ويعيد اكتشاف معنى التضامن كل يوم. وكأن تلك الوصايا القديمة المنقوشة على حجر جبل البركل ما تزال تسري في وجدان الناس، وإن لم يشعروا بذلك.
ولهذا فإن السودان، مهما عصفت به الأنواء، قادر على التعافي. ليس لأن مشكلاته هينة، بل لأن جذوره الأخلاقية أعمق من الخراب العابر. وستخرج البلاد من هذه الحرب بدروس بالغة القسوة والأهمية، أولها أن التمسك بالقيم القديمة ليس حنيناً إلى الماضي، بل هو صمام الأمان الحقيقي للمستقبل.
وسيكتشف السودانيون، عاجلاً أم آجلاً، أن دعاوى التفرقة والكراهية لا تبني وطناً، وأن قدرهم التاريخي هو التعايش لا الاقتتال، وأن أصوات العقل ـ مهما خفتت أحياناً ـ هي التي تنتصر في النهاية. فهذه البلاد لم تعش قروناً طويلة بتنوعها إلا لأنها تعلمت كيف تحتوي اختلافاتها، لا كيف تفني نفسها بها.
المستقبل للقيم لا للشعارات
————————
لقد آن الأوان لأن يكون السودان في مقدمة الأمم فعلاً لا قولاً؛ لا بالخطب والبلاغة، بل بإحياء ذلك الإرث الأخلاقي العميق الذي جعل إنسان هذه الأرض، منذ عهد بعانخي وحتى اليوم، يرى في إطعام الجائع، وحماية المستجير، وستر الجار، معنى الحضارة نفسها.
العالم يقف اليوم على أعتاب تحولات كبرى في التكنولوجيا والاقتصاد والوعي الإنساني وأنماط الحياة، والسودان لن يكون بعيداً عن ذلك كله. لكن الأمم التي ستنجو من فوضى المستقبل ليست بالضرورة الأكثر ثراءً أو تسلحاً، بل الأكثر قدرة على الحفاظ على إنسانيتها وسط العاصفة.
وربما كان هذا، في نهاية المطاف، هو ما تبقّى لأهل السودان.
وهو أيضاً ما سيُنقذهم.
