أبوعركي البخيت (ابكِ ما شئت)

وسط دخان الحرب وصوت الرصاص، كان الناس يهربون بحثًا عن الأمان لكن عركي اختار البقاء، ظل في بيته، على بُعد خطوات من ساحة المعركة، متمسكًا بأرضه، بذاكرته، وبحلمه. ربما لم يكن القرار سهلًا، لكن كان قرارًا له معنى أكبر من البقاء نفسه. في هذه اللحظة الصعبة
عندما يُذكر الإبداع، تذكر الأسماء التي حفرت في وجدان الشعوب لحنًا لا يموت الفنان أبو عركي البخيت ليس مجرد فنان، بل هو ذاكرة صوتية حملت الفرح، غني للطبيعة وللحياة الحانة الباذخة صلبة المداميك وبنيانها مؤسس علي يقين لن تهزه او تقتلعه هوج الرياح غني لجمال وجودنا وزين دنياواتنا بجمل موسيقية رشيقة صنع من حواء محرابا مقدسا للعشق لايدنو من سور حديقتها لصوص المساجد وقراصنة المعابد والمرابين من تجار العهر الفكري احتفي بالمرأة، السودانية وخلدها كوطن في وجداننا
بحبك حب إحساس بحسه غير عادي
ونحوك إنت تحديداً
بحبك حُب
بحبك حُب
ثقل مويه المطر المِّن السما بتنزيل
قدُر رمل البحار اللّيها بستقبل
عدد سيقان شجر مد البصر مُثمر
عدد ناساً بتتزاوج وتتوالد
و تتناسل و تتكاثر
اقسِم ليك يا آسرة
بحبك حُب
ما حبّاهُ جن لي جن
ولا حبّاهُ زول لبشر
و لا الجايين من الارحام
من بعدك ومن بعدي
حيعرفوا كيف ده كان بِحصل
الوطن عند عركي مؤسسة عاطفية بين جمالية الاستعارة وخطر الاختزال
لقد منح الوطن قلبًا ونبضًا، وجعله قريبًا من الحواس
واكسبة قابلية العشق لدرجة الثمالة أضاف للوطن دفئًا وحنانًا وكبرياء
عن حبيبتي بقولكم
عن حبيبتي أنا بحكي ليكم
ضل ضفايرا ملتقانا
شدُّوا أوتار الضلوع
أنا بحكي ليكم عن حنانا
مرة غنت عن هوانا
فرّحت كل الحزاني
ومرة لاقت في المدينة
الحمامات الحزينة
قامت أدّتا من حنانا
ولما طارت في الفضاء
رددت أنغام رضاء
عركي منذ ان فارقت دكتورة عفاف حمد النيل الحياة ارتجفت أوتار ريشته وبح صوت كمنجته وفارقت شفتاه البسمة وهربت من مقلتيه وَسنة الكري لسان حاله لسان علي بن أبي طالب يوم ودع فاطمة الي قبرها حين قال (ما أقبح الخضراء والغبراء بعدك يافاطمة ، أمّا حزني فسرمد، وأمّا ليلي فمسهّد، وهمّ لا يبرح من قلبي )
استاذنا عركي أعلم أن الفقد موجع، وأن الكلمات مهما كانت صادقة تظل قاصرة أمام ألمك. لكن تذكّر أن الحب لا يموت، هو فقط يغيّر مكانه، ينتقل من اليد التي كانت تمسك بك، إلى الغياب الذي يشتاق إليك. ستبقى ذكراها معك في كل لحظة، في كل فكرة، في كل نغمة من موسيقاك. ابكِ ما شئت، فالحزن وفاء، لكن لا تدع الألم يسرقك من الحياة التي أحبتك من أجلها أنا كنت قد اتصلت بالدكتورة عفاف قبل رحيلها بأسبوع واتفقنا ان ندير حوارا عن تجربة الدراما النسوية في السودان وعن أغاني البنات وفي اليوم المحدد اتصلت عليها ولكن التلفون لايرد وعاودت الاتصال بها طوال اليوم ولكن دون جدوي فكانت تأتيني الرسالة وتقول لي هذا المشترك لايمكن الوصول اليه حاليا حتي اتصلت بي الأستاذة الصحفية حليمة عبد الرحمن ونقل لي خبر وفاة الدكتورة عفاف وتيقنت عندها ان رد تلفونها كان صادقا عندما قال لي هذا المشترك لا يمكن الوصول اليها حاليا والي الأبد رحم الله الدكتورة عفاف ورحم الله الأستاذة الصحفية حليمة عبد الرحمن التي التحقت بالدكتورة عفاف في عالم لم تصله الأقاويل والاكاذيب
استاذنا لا تُغلق قلبك للحياة، لأن الحياة ما زالت تحتاج إلى حضورك وينتظرك شعبك والأهل والأصدقاء ان تسقيهم بالصبوح لأنه مازال في كاسك باقي والفن الذي فيك سيظل الفنّانون يفعلون ذلك عادةً عندما تدلهم الخطوب
ابوعركي فنان عاش ليغني للحياة… واستطاع أن يجعل صوته سفيرًا للأمل والجمال.
بعد ان اشتعلت أوار هذه الحرب قامت الدنيا ولم تقعد ولئن كان الأمين العام للأمم المتحدة يشعر بالقلق دائما فان الحان عركي وأغنياته مزيلة للتوتر عندما نسمعها نحس ان الأمان استقر في صدورنا عركي له صيدلية خاصة لهرمونات السعادة يوزعها مجانا لعامة الشعب
حين كنا نبحث عن تجسيد الوطن في صورة امرأة وجدناها في اشعار الخليل وفي أعماق بحارة وتحولت عازة الي الياذة تحكرت في قلوب السودانين وتسللت الي كل بيت وحارة وهو ما يعكس رغبته أن يجعل الوطن كائنًا حيًا ينبض بالعاطفة والمحبة يمكن أن يُحَبّ ويُشتاق إليه. المرأة في المخيال الجمعي رمز للخصوبة، والحياة، والحضن الآمن. لذلك، حين يقول الشاعر محمود درويش
(وطني ليس حقيبة، وأنا لست مسافرًا، إنني العاشق والأرض حبيبة)
عركي حالة استثنائية يربط الانتماء بالحب، والهوية بالعشق، ليضفي حرارة وجدانية على العلاقة مع الأرض والأرض هي التي تصنع العبقريات وتنتج اليقين
، كان صوتك معنا يسافر في كل الدنيا حبك لبيتك ووطنك هو الذي جعلك تصمد ولم تهرب بجلدك كما فعل الكثيرون وقفت وحيدا في الحي وأنت علي بعد امتار من مرمي النيران وقفت وحدك حين قرر الجميع الهروب من صخب الرصاص وازيز المدافع كان صوتك يخرج للفضائيات كان حضنًا للطبيعة وجمالها. فصارت ضحكتك موسيقي وكلماتك الحان باذخة ستضيف مداميك جديدة لارثك فعركي بعد الحرب وتركي قبل الحرب يختلف وزنا وقافيةً وسلالم
ابو عركي دخل الفن من أوسع أبوابه، ولم يكتفِ بأن يصدح على المسارح، بل سكن في كل بيت، في كل ذاكرة، وفي كل وجدان. واليوم نحن أمام تجربة إنسانية استثنائية؛ فنان بقي حين رحل الجميع، اختار أن يواجه الموت ليغني للحياة.
حين تنطفئ أضواء الحرب، سيظل صوتك مضيئًا… لأن الألحان التي وُلدت في قلب النار لا تموت. قد تغيب الأجساد، لكن الموسيقى تبقى شاهدة على الألم، ناقلة للأمل. هكذا تُصنع الأساطير، وهكذا تكتب الحكايات التي لا تنتهي
كسرة
كنت قد اتصلت علي الأستاذ ابوعركي لإجراء حوار معه وحضرت الاسئلة وراجعتها مرارا ولكنه اعتذر لي بأدب جم وتفهمت مشاعره تمامًا
وقلت له شعورك، وما تمر به بلادك يتجاوز أي قدرة على التحمل. ليس المهم الآن أن نحاورك، بل أن تعتني بنفسك أولاً. الفنّان الحقيقي يحتاج لأن يحيا كي يبدع، وأنت تستحق أن تمنح نفسك مساحة للراحة والهدوء. شكراً لما قدمته لنا من أعمال أضاءت حياتنا، ونتمنى أن تجد القوة في الداخل قبل أي شيء آخر لتعود الي جمهورك وتسعد شعبك الذي هربت من صدره الفرحة والسكينة
عركي ابكِ ماشئت؟
امستردام
ms.yaseen5@gmail.com

عن محمد صالح عبد الله يس

محمد صالح عبد الله يس

شاهد أيضاً

في ذكري هاشم صديق (1949 —2024 )

محمد صالح عبدالله يسهاشم صديق شاعر كتب إلياذاتٍ خالدة في ديوان الغناء السوداني خلدت في …