كيف لا
“ديل أهل البلد!” عبارة تُقال في محاولة لإيجاد مبرر لتصرف قد يكون غير لائق ولكنه مشفوع بما يعزز رفع الإدانة عن الفاعل. وفي هذا القول المجازي عتابٌ مغلَّف يرفع اللوم جزئياً عمن أتى بفعل معيب بواقع عذر تفرضه هيبة أو سلطة ما. هذا ما يُقرّر على صعيد بعض التعاملات الاجتماعية في تراثنا الشعبي، أما على صعيد الواقع السياسي فإننا نتساءل هل لهذه البلد التي تقع في وسط شمال أفريقيا مائلة قليلاً إلى اليسار والتي تتخذ موقع القلب في خارطة أفريقيا والمسماة بالسودان، هل لهذه البلد فعلاً أسياد يملكون حق التصرف فيها نيابة عن الشعب وباسمهم رضوا ذلك أم أبوا. والسؤال للشعب السوداني الأبي: هل منكم من نصّب لويس الرابع عشر يوماً على حكم السودان ليخرج علينا صباح مساء بأن: “أنا الدولة… والدولة أنا”؟.
وعبارة لويس الرابع عشر في تجربتنا السياسية تدعمها نرجسية تخوّن الآخر وتخرجه عن الملة الوطنية، وهذا النوع بكل ما فيه من إهدار وتجنٍ على حقوق الإنسان فإنه يكشف عن تسلط لروح الحكم الشمولي وطغيانه واستلابه روح المواطنة وتدعيم اضطراب معاييرها. وقد تكون هذه المسألة هي واحدة من الأسباب المسؤولة مسؤولية مباشرة عن التفكك المريع في بنية الشعور بالمواطنة وغياب الروح الوطنية أو تغييبها والهزء بها. وإذا بحثنا عن المعيار الذي يعتمده كل لويس رابع عشر لتحديد درجة الإخلاص للوطن وهو المعادل الموضوعي لمفهوم المواطنة نجد ألا شيء عنده سوى معيار يعمل على قياس درجة خضوع المواطن له رغبة منه في الحكم المطلق من غير أن يطبق هذا المقياس على نفسه لقياس درجة إخلاصه للوطن إخلاصاً متنزهاً عن كل عيب وغرض. وبالتالي فإن هذا المعيار ليس سوى أداة تعمل على تجسيد الإخلاص بمقدار ما هو متاح له من سلطة طوعية كانت أم جبرية وبالدرجة التي يسمح فيها للمواطنين بالتنازل عن حقوقهم ودرجة خنوعهم وخضوعهم.
قومي الشرفاء الذين يشكك لويس الرابع عشر في أهليتهم لهذه البلد هم الأغلبية الصامتة الذين اختاروا الوسطية منهجاً وسلوكاً بعيداً عن المنحدرات والمنعطفات، ورغماً عن ذلك لم تُكتب لهم العافية من الشدّ والتبخيس لمواقفهم. فبانحياز أهل الوسطية إلى الحق أخلاقياً وإنسانياً في غير خضوع وخنوع وتنازل تجدهم الأكثر مقدرة على الاعتراف بالآخر والأكثر مرونة في التعايش والتفاعل مع ما يحيط بهم من تنوع ثقافي وديني. تجدهم معتدلين في غير تذبذب أو تردد بين موقف وآخر، بسطاء إلى جانب الحق والعدل والخير ضد الشر والظلم والباطل.
هؤلاء هم العامة من أهل السودان المتوسطين في هامشهم لا يعرفون حزباً ولا سلطة. وإن كانت من أزمات أحلت بهؤلاء فهي تتمثل في أزمة الهوية، فإن يصيخ الواحد منهم بالسمع إلى أبواقنا الإعلامية فإنها تجره إلى التعصب العربي الإسلاموي للأمة المفترضة وإن ركن إلى جملة المؤثرات المجتمعية التي يتنوع فيها التراث الثقافي أقوالاً وأفعالاً تجده لهذه القارة السمراء منتمياً وسوى ذلك فإنه تتجاذبه المشاعر المختلطة.
هؤلاء قومي الذين خرجوا من محنة التجارب الطويلة وتحملوا الممارسات السياسية الهوجاء. من محنة إلى محنة يأملون إقامة الدولة العادلة المخلصة التي تعمل على الإصلاحات السياسية والتنمية ليس بهدف الكسب السياسي وشراء الأصوات، وإنما إخلاصاً لهذا الوطن ولأن مواطنيه يستحقون ذلك وأكثر. اللهم اشهد أنني لم أنصّب لويس الرابع عشر، إذن لكنت سأمكث عشرين أخرى بعد العشرين.
أصيخ السمع كالمرتاب
لوقع خطىً وراء الباب
سأنظر ربما كانت خطاي أنا
لعلي عائدٌ للتو من سهرٍ مع الأصحاب
سأسأل عامل الدكان: تُراني عدتُ قبل الآن
ولم أعثر على العنوان!!!
“من قصيدة غياب للشاعر المغربي عبد القادر وسّاط“.
عن صحيفة “الأحداث“
moaney [moaney15@yahoo.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم