دكتور الوليد آدم مادبو
قد يبدو، للوهلة الأولى، أن هذا التيار المتطلع إلى الأمام ما يزال محدود الأثر أمام السيل الجارف من الحنين الذي يملأ الفضاء الثقافي السوداني. وهذا صحيح من حيث الحجم، لكنه ليس كذلك من حيث الدلالة. فالتاريخ لا يُقاس بعدد الأصوات التي تردد الأغنية نفسها، وإنما بعدد الأصوات التي تجرؤ على كتابة أغنية جديدة.
هنا بالضبط يظهر ما سمته سفيتلانا بويم الحنين التأملي. فهو لا يخاصم الذاكرة، ولا يدعو إلى هدمها، بل يرفض أن تتحول إلى وطن بديل. إنه يدرك أن الماضي لا يعود، ولذلك لا يستهلك طاقته في محاولة إحيائه، وإنما يحاول أن يجعل منه مادة لبناء شيء لم يكن موجودًا من قبل. إنه لا يرمم البيت القديم، بل يتعلم من أنقاضه كيف يشيد بيتًا آخر.
ولعل هذا هو القاسم المشترك بين كثير من المبادرات الثقافية السودانية التي نشأت في المنفى. فالمقيميات الفنية في نيروبي والقاهرة، والمشروعات التعاونية مثل Sudan Retold، والفيلم الوثائقي «خرطوم»، ليست مجرد محاولات لتوثيق المأساة، وإنما هي، في جوهرها، محاولات لاستعادة حق السودانيين في تخيل أنفسهم خارج الحرب. إنها لا تنكر الفقد، لكنها ترفض أن تجعل منه اللغة الوحيدة الممكنة. وحتى بعض تجارب الراب السوداني، على ما يبدو بينها وبين الغناء التقليدي من مسافة جمالية، تنتمي إلى المنطق نفسه؛ فهي لا تستعيد الماضي، وإنما تواجه الحاضر بلغته، وتصر على تسمية الأشياء بأسمائها، وكأنها تقول إن الفن لا يكتفي بحفظ الذاكرة، بل يشارك أيضًا في صناعة التاريخ.
وقد يظن البعض أن هذه المبادرات تظل محدودة إذا قيست بحجم الجمهور الذي ما يزال يعيش على أغنيات الزمن الجميل. غير أن هذا الاعتراض يغفل حقيقة بسيطة، وهي أن كل تحول ثقافي كبير بدأ، في لحظة ما، أقلية صغيرة بدت معزولة عن تيارها العام. فما يهم ليس عدد من يكتبون الجديد اليوم، وإنما أن يظل باب الجديد مفتوحًا، حتى لا تتحول الثقافة إلى متحف جميل، لكنه متحف في نهاية المطاف.
ومن هنا تكتسب ملاحظة فرانز فانون معناها العميق. فقد كان يرى أن الأمم الخارجة من الاستعمار أو من الحروب لا تحتاج إلى إعادة إعمار الحجر وحده، وإنما إلى إعادة إعمار الوعي. وكان يحذر من أن يكتفي الشتات بإرسال المال إلى الوطن، بينما يظل الفراغ الفكري والثقافي بلا من يملؤه. فالتحويلات المالية قد تخفف وطأة الفقر، لكنها لا تبتكر فكرة، ولا تؤسس مدرسة، ولا تنتج خيالًا جديدًا.
ولا أظن أن هذا الوصف ينطبق بالكامل على التجربة السودانية. فالشتات السوداني قدّم، منذ الأيام الأولى للحرب، نماذج مدهشة من التكافل والإسناد الإنساني والتنظيم الطوعي. لكن السؤال الذي سيحدد قيمة هذه التجربة على المدى البعيد هو سؤال آخر: هل سينجح هذا الشتات، بعد أن أنقذ حياة الناس، في أن يشارك أيضًا في إعادة بناء مخيلتهم؟ وهل يستطيع أن يؤسس منصات ومراكز بحث ومجلات ومؤسسات ثقافية، لا تقل أهمية عن حملات الإغاثة التي أنقذت آلاف الأسر؟
ولعل هذا يقودنا إلى الفكرة التي ظل المقال يقترب منها منذ بدايته دون أن يسميها صراحة. فنحن نتحدث كثيرًا عن انهيار الدولة السودانية، وانهيار الاقتصاد، وانهيار الخدمة المدنية، لكننا نادرًا ما نتحدث عن انهيار المخيلة. والحقيقة أن هذا الانهيار هو الأخطر، لأنه يسبق سائر الانهيارات، بل لعلها جميعًا تبدأ منه.
فالدول لا تُبنى أولًا بالإسمنت، وإنما بالخيال. وكل دستور كان، في لحظة ما، فكرة في ذهن إنسان. وكل مشروع وطني كان، قبل أن يصبح مؤسسة، تصورًا جديدًا للعلاقة بين المواطنين. وحتى المدن، قبل أن تصبح شوارع وجسورًا، كانت صورة في مخيلة مهندس. ولذلك فإن المجتمع الذي يفقد قدرته على تخيل الغد، لن يعجز عن بناء المستقبل فحسب، بل سيعجز، قبل ذلك، عن الإيمان بإمكان وجوده.
وهنا تكتسب فكرة موريس هالبفاكس عن الذاكرة الجماعية أهمية خاصة. فالذاكرة ليست مخزنًا ثابتًا للذكريات، وإنما عملية مستمرة يعيد المجتمع من خلالها ترتيب ماضيه في ضوء حاجاته الراهنة. وهذا يعني أن كل رواية جديدة، وكل فيلم جديد، وكل قصيدة جديدة، لا تضيف عملًا فنيًا إلى أرشيف الثقافة فحسب، وإنما توسع الحدود التي تستطيع الأمة أن تتذكر داخلها، وأن تتخيل من خلالها. فالذاكرة لا تحفظ الماضي فقط؛ إنها ترسم أيضًا حدود المستقبل الممكن.
ولهذا لا أرى أن المعركة الحقيقية تدور بين الأغنية القديمة والأغنية الجديدة، ولا بين الوفاء للتراث والرغبة في تجاوزه. فالثقافة التي تقطع صلتها بتراثها تفقد جذورها، والثقافة التي تكتفي بتراثها تفقد أغصانها. وما تحتاجه الأمم ليس الاختيار بين الذاكرة والابتكار، وإنما القدرة على تحويل الذاكرة نفسها إلى مصدر للابتكار.
عند هذه النقطة أعود إلى المشهد الذي بدأت به المقال. لم تكن كوثر عثمان، وهي تغني للنيل وللخرطوم وللأيام الجميلة، مخطئة. فالأمم التي تنسى أغانيها، تنسى جزءًا من روحها. ولم تكن فاطمة فريد، وهي تبحث عن لغة جديدة لما بعد الحرب، أكثر إخلاصًا لوطنها من كوثر. فالأمم لا تعيش بالذاكرة وحدها، كما لا تعيش بالقطيعة معها.
لكن الفارق بينهما أن الأولى تحفظ ما كان، بينما تحاول الثانية أن تمنح ما سيكون فرصة للولادة.
ولذلك لم يعد السؤال الذي يشغلني: لماذا يكثر الحنين في الثقافة السودانية؟ فالجواب، بعد كل ما جرى، يبدو مفهومًا، بل وإنسانيًا. السؤال الذي يستحق أن يشغلنا هو: كيف نستعيد ثقة المخيلة السودانية بالمستقبل؟
فالأمم لا تُقاس بما تحفظه من ذاكرتها وحدها، وإنما بما تمتلكه من شجاعة لتتخيل ما لم يوجد بعد. وربما كانت المهمة الكبرى التي تنتظر الثقافة السودانية بعد هذه الحرب ليست أن تغني الماضي بصوت أجمل، وإنما أن تجعل المستقبل، هو الآخر، جديرًا بأن يُغنى له.
auwaab@gmail.com
