Protesters march during a rally against military rule following a coup in Khartoum, Sudan May 12, 2022. REUTERS/Mohamed Nureldin Abdallah

السودان ومفترق الطرق.. بقلم: طاهر عمر

قيل أن الحكمة تقف في مفترق الطرق و أعالي الجبال و تنادي و كل ما أتمناه أن يستوعب أطراف الصراع في السودان أننا قد وصلنا القمة و لم يبقى غير سفوح الجبال لكي تكون أرض معركة حرب الكل ضد الكل و يسود منطق عنف الكل ضد الكل.
و للأسف كانت حقبة حكم الحركة الاسلامية ممارسة عنف الكل ضد الكل و حرب الكل ضد الكل لمدى زماني إمتد لثلاثة عقود و بما أننا لا نرجى تغيير غير التغيير الذي ينجزه الشعب لأننا في زمن تقدم الشعب و سقوط النخب كانت ثورة ديسمبر المجيدة ثورة شعب أراد الحياة و قد أزاحت فوضى الحركة الاسلامية بشعار الثورة العظيمة حرية سلام و عدالة و أزاحت الخواء الذي يعادي الحياة.
و قد حاولت الحركة الاسلامية توطيد جزوره أي الخواء في السودان و لكن إرادة الحياة أقوة و إرادة الشعب هي المنتصرة دوما على كل من يقف في طريق الحياة. لكن هذا الشعار قد أصبج معلق في الفراغ بسبب ندرة النخب التي تخرج من بينها عبقرية الأقلية الخلّاقة و قد رأينا تكالبهم على المحاصصة فيما يوضح أنهم على جهل عظيم بمفهوم السلطة كمفهوم حديث و كذلك مفهوم الدولة كمفهوم حديث و كانت النتيجة فوضى أفضت لقيام أفشل إنقلاب و هو إنقلاب البرهان الفاشل.
ما يشغل ضمير أحرار العالم كيف تستطيع نخب العالم الثالث إنجاز تحول هائل في المفاهيم فيما يتعلق بمسألة الحرية و السلطة و الإزدهار المادي الذي يتجلى في تنمية إقتصادية تعكس نضوج فكرة الاقتصاد و المجتمع. و المراقب للساحة السودانية يدرك بسرعة أن النخب السودانية على مختلف أطيافها لم تقدم فكر يقارب مسألة السلطة كمفهوم حديث.
و لم يخطر ببالها أقرب الطرق لحل مسألة السلطة كمفهوم حديث و مسألة الحرية كقيمة القيم و لهذا وجب الاهتمام بالفرد لأنه يرنو للحرية على الدوام و بالتالي لا يكون تحقيق ذلك بغير إعمال العقل و ترسيخ مسألة المساواة حتى يستطيع الفرد الحصول على ضمان مسالة المسؤولية الاجتماعية نحوه و بالتالي يتصرف في مناشطه و حقولها الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية بكل عقل و مع نزعته الأخلاقية.
جاءت ثورة ديسمبر المجيدة بشعارها العظيم كانجاز شعب أراد الحياة و إذا بالنخب الفاشلة تقف حائل ما بينه و تحقيق شعاره العظيم حرية سلام و عدالة. القارئ الحصيف يستطيع رؤية تكلس النخب السودانية و هي عاجزة و مشلولة و غير قادرة على إنزال شعار ثورة ديسمبر لأنها نخب تأخرت كثيرا عن ساحات الفكر و بالتالي تحاول مقاربة شعار الثورة بفكر أقل ما يقال عنه فكر من نخب تمثل عقل مجتمع تقليدي للغاية.
عندما نتحدث عن السلطة كمفهوم حديث لا يمكننا تجاهل ظاهرة المجتمع البشري و كيف قد أصبح الفرد و ليس الطبقة هو الغاية لأن الفرد دالته الحرية و بالتالي عندما نتحدث عن السلطة يقفز الى العقل بعد إعماله صيرورة الديمقراطية و عندما نقول صيرورة الديمقراطية يتبادر الى الذهن أنها قد أصبحت بديلا للخطاب الديني و وحل الفكر الديني.
و هذا يدلنا على درب التاريخ الطبيعي للإنسانية التاريخية و حققه الفكر الليبرالي بشقيه السياسي و الاقتصادي بسبب التطور الهائل في المفاهيم الذي أعقب الخمسة عقود التي أعقبت الثورة الصناعية و في نفس الوقت تزامن مع إنفصال علم الاقتصاد من كل من الفلسفة و الدين و قد أصبحت فكرة الاقتصاد و المجتمع نواتها هي المشاعر الاخلاقية.
و الغريب منذ إنفصال علم الاقتصاد من كل من الفلسفة و الدين قبل قرنيين و نصف ما زالت أحزابنا التقليدية أي الطائفية أي حزب الامام و مولانا الميرغني و السلفيين و الحركة الاسلامية السودانية يعتقدون أن الاسلام دين و دولة و يريدون بهذا الفهم المتخلف للاقتصاد منافسة مجتمعات قد فصلت علم الاقتصاد من كل من الفلسفة و الدين و لهذا السبب يندر أن تتحدث النخب السودانية عن فكرة الاقتصاد و المجتمع.
بل نجد من بينهم من يتحدث و يبحث عن دور للقبيلة في السياسة بل قدم كتاب عن دور القبيلة في السياسة و قد طاف على قبائل شرق السودان ظانا بأن طرحه للقبيلة و دورها في السياسة يجعله من حكماء السودان و خاصة قد قضى أربعة عقود في الحزب الشيوعي بنسخته المتكلسة و طرد و قد خرج بمستوى وعي متدني للغاية.
أريد تنبيه أتباع أحزاب الطائفية و أحزاب السلفيين و الحركة الاسلامية السودانية أن خطابهم الديني يعكس بقايا ثقافات القرون الوسطى و أول علاماتها انها لا تؤمن بالعدالة لذلك نجد أن أتباع الحركة الاسلامية خلال الثلاثة عقود الظالمة لم يشغل ضميرهم أنهم كانوا ظالمين و فظين و غليظي القلوب لأنهم كانوا مخزن ثقافة القرون الوسطى التي لا ترى معنى العدالة.
و نقول للشعب السوداني طريقكم واحد لتذوق مفهوم العدالة و هو لا يبداء مساره قبل رفضكم للخطاب الديني بأشكاله سواء كان من الحركة الاسلامية السودانية أم من أحزاب الطائفية أم من السلفيين فهم لا يمثلون غير ظلال القرون الوسطى و أعرفوا بأن البشرية لم تفارق الفقر و الجهل و المرض إلا بعد مفارقتها للخطاب الديني أي دين.
بمناسبة أن الفكر الديني يعتبر أكبر حاضنة لسلطة الأب و ميراث التسلط فقد كرس عالم الاجتماع الفلسطيني هشام شرابي منذ منتصف ستينيات القرن المنصرم كل جهود لكي يفتح طريق يفضي الى مقاربة مفهوم السلطة و الحرية و الإزدهار المادي الذي ينعكس في تقدم اقتصادي تظهر علاماته في إرتفاع مستوى المعيشة و كل هذا يكاد معدوم في ساحتنا السودانية و كله بسبب سيطرة الفكر الديني الذي يضحي بالحياة الجميلة من أجل خلاص أخروي و هو بقايا فكر القرون الوسطى.
و نقولها بالواضح سبهللية النخب السودانية و هي تتصارع أي جذريين و إطاريين دون الإلتفات الى خطورة تموضع المجتمع السوداني بأكمله على سفح حرب الكل ضد الكل سببه أن النخب السودانية أسيرة ثقافة سلطة الأب و ميراث التسلط.
و هاهم أتباع المرشد أي الكيزان و أتباع الاستاذ الشيوعي يلتقون في هدف تعطيل مسيرة الشعب السوداني و الإطاريين أسيري فكر الامام و مولانا تسيطر على عقلهم الحيرة و الإستحالة و الكل قد ضل و فسد و النتيجة أي تأخير لمسيرة التحول الديمقراطي في السودان في ظل عالم بأكمله يغادر ديناميكية النيوليبرالية و يسير بإتجاه الحماية الاقتصادية بكل حذر حتى في المجتمعات المتقدمة تدرك أن لحظة مغادرة النيوليبرالية بإتجاه الحماية الاقتصادية تحتاج للحكماء و الفلاسفة من أبناء أي مجتمع.
أي تأخير سوف يدفع ثمنه الكل عندما تندلع حرب الكل ضد الكل و يصبح عنف الكل ضد الكل علامة حياة و حينها أول من سيدفع الثمن هم الجذريين و الكيزان و بعدها سيكون حال حرب الكل ضد الكل صناعة نخب أبت أن تنتصر للحياة و رفضت أن تعطي مجتمعها أقلية خلاقة تفهم ما أوحاه لها الشعب في شعاره الجليل حرية سلام و عدالة.
و حينها ستكون الحرب حرب الكل ضد الكل و عنف الكل ضد الكل صناعة نخب سودانية فاشلة و ليست أنفاس شعب سوداني مشهود له بأنه شعب عمر حضارته ستة ألف سنة.
أنظر لحال الساحة و أنظر كساد النخب. في مثل حال السودان الآن تقدم الشعوب خيرة ما عندها من مفكريين و مثقفين غير تقليديين و مؤرخيين غير تقليديين و اقتصاديين و علماء اجتماع الي أين انسحب مفكرينا و علماء الاجتماع و الفلاسفة و الاقتصاديين و المؤرخيين غير التقليديين.
أنظر في جميع مواقع النخب أنه الصمت الذي يسبق عنف الكل ضد الكل صمت النخب و انسحابها من ساحات الفكر و من يأتي ياتي بمكرور مقالات معادة كتبت في ستينيات القرن المنصرم و يختمها المؤرخ التقليدي بنكتة و كأننا لم نسير على سفوح تنحدر نحو عنف الكل ضد الكل و كما قلت هذه الحرب أي عنف الكل ضد الكل ليست أنفاس شعبنا السوداني المتحضر بل صناعة نخب عجزت أن تفدي شعبها و حينها أول الضحايا هم الجذريين و الكيزان.
ذات يوم قال عالم الاجتماع العراقي علي الوري محذر الشعب العراقي بأن ما ينقذه من مأزقه هو الفكر الليبرالي و إذا فوّت الفرصة سيحتاج لسنين طويلة حتى يعيد توازنه.
و هذا حال الشعب السوداني الآن اذا فوّت فرصة التحول الديمقراطي بسبب عرقة الجذريين و الكيزان فان حرب الكل ضد الكل في السودان ستطول كما تنباء عالم الاجتماع العراقي لشعبه و قد كان.
و هنا نقول للشعب السوداني انتبهوا للجذريين و الكيزان فهم بوابة الجحيم التي ستدخلونها بسببهم و سيكونون بوابة عنف الكل ضد الكل و هم يجهلون انهم أول ضحاياها. الاجدى أن تتحد كل القوى السياسية من أجل إبعاد الجيش من ممارسة السلطة و بعدها سيكون طريق بناء دولة حديثة طريق طويل يحتاج لفكر جديد و لا تساعدنا ذاكرتنا القديمة على تفعيله لانه فكر غير مسبوق بعهد في ساحة الفكر السودانية.

taheromer86@yahoo.com

عن طاهر عمر

طاهر عمر

شاهد أيضاً

الشخصية التاريخية ووعيها المفارق للعقل الجمعي الكاسد الدكتور منصور خالد وغريمه الدكتور عبد الله علي ابراهيم

تاريخ الذهنيات.. الشخصية التاريخية ووعيها المفارق للعقل الجمعي الكاسد الدكتور منصور خالد وغريمه الدكتور عبد …

اترك تعليقاً