أفول الإمبراطورية في مضيق هرمز: حرب إيران نسخة أمريكية خاصة من أزمة السويس[i] .. بقلم: ألفريد ماكوي[ii]

تمهيد

يبدأ أستاذ التاريخ في جامعة ويسكونسن-ماديسون، ألفريد ماكوي، مقاله بمفارقة لافتة: التفوق العسكري الساحق لا يضمن النصر الاستراتيجي. وكما حوّل جمال عبد الناصر الهزيمة الوشيكة إلى انتصار جيوسياسي بإغلاق قناة السويس في ١٩٥٦، تستخدم إيران اليوم – رغم الضربات القاسية التي تلقتها – هشاشة النظام العالمي بتعطيلها مضيق هرمز. يتحول هذا الممر المائي الضيق، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس طاقة العالم، إلى نقطة محورية في موازين القوة العالمية. في سرد ماكوي، ما يهم حقاً هو السيطرة على النقاط الاستراتيجية، لا الانتصارات الميدانية. ومن هذه النقطة، ينتقل المقال ليقدم نقدا شاملاً للسياسة الخارجية الأمريكية. يصف ماكوي هذه الحرب بوصفها نموذجاً لما يسميه «العسكرة المحدودة» Micro-Militarism[iii] – ويقدم تعريفاً للمصطلح: “الاستخدام اليائس للقوة من قبل إمبراطورية آخذة في التراجع تسعى إلى استعادة هيبتها المتآكلة”. ويسوق شواهد في التاريخ المعاصر لنمطٍ يتكرر باستمرار لفشل الهيمنة الخارجية “محاولات تغيير الأنظمة من قبل قوى خارجية غالبا ما تؤول إلى نتائج عكسي ة.” يشير المقال إلى أن ما يميز اللحظة الراهنة هو اتساع نطاقها. الخليج العربي ليس مجرد ساحة قتالٍ أخرى؛ بل هو القلب النابض للاقتصاد العالمي – حيث تكمن إمدادات النفط والغاز والملاحة والأسمدة ورؤوس الأموال. ومن خلال توظيف النظام الإيراني تكتيكات الحرب غير المتكافئة باستخدامها لأسلحة منخفضة التكلفة، تكشف الحرب عن اختلال أعمق: تعتمد الولايات المتحدة على تقنيات مكلفة ومحدودة، بينما يمكن لخصمها خوض حرب ممتدة بتكلفة متدنية. في هذه المعادلة، تبدو إيران في موقع يمكّنها من كسب اليد العليا. ينتقل المقال بعد ذلك من ساحة المعركة المباشرة إلى هيكل القوة العالمية. لعقود، حافظت الولايات المتحدة على هيمنتها عبر السيطرة على محيط أوراسيا – ما يُعرف جيوسياسياً بـ”المنطقة المحيطة[iv] “. اليوم، يتآكل ذلك النفوذ. تحالفاتها تتفكك وتنفرط، خصومها يتمددون ويتوسع نفوذهم، وحتى مَنْ اعتمدوا طويلاً على واشنطن -مثل الأكراد- يترددون في الانحياز إليها، متأثرين بذاكرةٍ طويلة لعهودٍ ووعودٍ نُقِضت وآمالٍ أُجهضت. النتيجة ليست انهياراً مفاجئاً، بل تفككاً بطيئاً. كما حدث لبريطانيا بعد حرب السويس، قد تنتصر الولايات المتحدة في المعارك لكنها تخسر النفوذ. لم تعد تدخلاتها توحد الحلفاء، ولم تعد تهديداتها تضمن الطاعة، وقد تُسرّع حروبها الاختيارية التراجع الذي تروم حثيثاً تجنبه. في نهاية المقال، يعود ماكوي إلى حكمة مارك توين: التاريخ لا يكرر نفسه، لكن صداه يتردد في الآفاق. وفي إغلاق مضيق هرمز، يبدو أن هذا الصدى يستحضر بوضوح العام ١٩٥٦- اللحظة التي أدركت فيها إمبراطورية كانت شمسها لا تغيب، أن قوتها، التي كانت يوماً بلا منازع، قد بدأت في الأفول التدريجي حتى وهنت وآل زمانها إلى خطِّ الزوال. فيما يلي ترجمة الكترونية مُراجعة للمقال:

“في الفصل الأول من روايته لعام ١٨٧٤ ” العصر الذهبي”، قدّم مارك توين ملاحظة لافتة حول العلاقة بين الماضي والحاضر: «التاريخ لا يعيد نفسه أبدًا، لكن… يبدو الحاضر غالبًا وكأنه مُركب من شظايا أساطير قديمة ». ومن بين هذه “الأساطير القديمة”، أكثر ما يساعد على فهم النتائج المحتملة للتدخل الأمريكي الحالي في إيران هي أزمة السويس عام ١٩٥٦، التي أصفها في كتابي الجديد” الحرب الباردة عبر خمس قارات.”

بعد أن أمم الزعيم المصري جمال عبد الناصر قناة السويس في يوليو ١٩٥٦، قام أسطول مشترك بريطاني-فرنسي مكوّن من ست حاملات طائرات بتدمير سلاح الجو المصري، بينما سحقت القوات الإسرائيلية الدبابات المصرية في رمال شبه جزيرة سيناء . خلال أقل من أسبوع على اندلاع الحرب، فَقد عبد الناصر قواته الاستراتيجية، وبدا أن مصر عاجزة أمام القوة الهائلة لذلك العملاق الإمبراطوري الضخم.

لكن بحلول الوقت الذي وصلت فيه القوات البريطانية-الفرنسية إلى الشاطئ عند الطرف الشمالي لقناة السويس، كان عبد الناصر قد نفّذ ضربة جيوسياسية عبقرية بإغراق العشرات من السفن الصدئة المحملة بالصخور عند المدخل الشمالي للقناة. وبذلك قطع تلقائياً شريان الحياة الأوروبي إلى حقول النفط في الخليج الفارسي. وعندما انسحبت القوات البريطانية من السويس منهزمة، كانت بريطانيا قد تعرضت لعقوبات في الأمم المتحدة، وكانت عملتها على شفا الانهيار، وتبددت هالة قوتها الإمبريالية، وبدأت إمبراطوريتها العالمية تؤول إلى الزوال.

يطلق المؤرخون اليوم على ظاهرة قيام إمبراطورية آفلة بشن تدخل عسكري يائس لاستعادة مجدها الإمبراطوري المتلاشي اسم ” العسكرة المحدودة”Micro-Militarism[v] وبالنظر إلى تراجع نفوذ واشنطن الإمبراطوري على الكتلة الأرضية الأوراسية الشاسعة، يبدو أن الهجوم العسكري الأمريكي الأخير على إيران يشبه إلى حد كبير نسخة أمريكية من هذه العسكرة المحدودة. وحتى لو كان التاريخ لا يعيد نفسه فعلياً، إلا أنه يبدو الآن من المناسب جداً التساؤل عما إذا كان التدخل الأمريكي الحالي في إيران قد يكون بالفعل نسخة الولايات المتحدة من أزمة السويس. وإذا ما نجحت محاولة واشنطن لتغيير النظام في طهران، فلا تخطر ببالك للحظة أن النتيجة ستكون حكومة جديدة مستقرة قادرة على خدمة شعبها بشكل فعّال.

سبعون عامًا من تغييرات الأنظمة

لنعد إلى السجل التاريخي لنكشف النتائج المحتملة لتغيير النظام في إيران. على مدى سبعين عاما، قامت واشنطن بمحاولات متكررة لتغيير الأنظمة عبر خمس قارات – بداية عبر العمليات السرية لوكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) خلال ٤٤ عاماً من الحرب الباردة، وفي العقود التي تلت نهاية هذا الصراع العالمي، من خلال العمليات العسكرية التقليدية. وعلى الرغم من تغيّر الأساليب، إلا أن النتائج – المتمثلة في اغراق المجتمعات المتأثرة في عقود من الصراعات الاجتماعية الحادة وعدم الاستقرار السياسي المستمر – كانت متشابهة بشكل محزن. يمكن رؤية هذا النمط في عدد من أشهر التدخلات السرية لوكالة الاستخبارات الأمريكية خلال الحرب الباردة. ففي عام ١٩٥٣، قرر مجلس النواب الإيراني الجديد تأميم الامتياز النفطي البريطاني هناك لتمويل الخدمات الاجتماعية في ظل الديمقراطية الناشئة. ورداً على ذلك، أضاح انقلاب مشترك بين وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA)والمخابرات البريطانية (MI6) بإسقاط رئيس الوزراء الإصلاحي، محمد مصدق، وتنصيب ابن الشاه السابق المطرود في السلطة. وللأسف، أثبت هذا الأخير أنه زعيم غير كفء بشكلٍ لافت، حيث حول ثروة النفط في بلاده إلى فقر جماعي – مما مهد الطريق للثورة الإسلامية الإيرانية عام ١٩٧٩.

بحلول عام ١٩٥٤، كانت غواتيمالا تنفذ برنامجاً تاريخياً للإصلاح الزراعي كان يمنح سكانها الأصليين، ومعظمهم من المايا، مقومات المواطنة الكاملة. لكن، ولسوء الحظ، أدى غزو برعاية وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) إلى تنصيب دكتاتورية عسكرية وحشية، أغرقت البلاد في ٣٠ عامًا من الحرب الأهلية، أودت بحياة ٢٠٠ ألف شخص من أصل خمسة ملايين نسمة فقط.

وبالمثل، في عام ١٩٦٠، خرج الكونغو من قرن من الحكم الاستعماري البلجيكي الوحشي بانتخاب زعيم كاريزمي، باتريس لومومبا. لكن سرعان ما أطاحت به وكالة المخابرات المركزية من السلطة، واستبدلته بجوزيف موبوتو، الديكتاتور العسكري الذي أدت ثلاثون عاماً من حكمه القائم على نهب الثروات إلى اندلاع عنف أسفر عن مقتل أكثر من خمسة ملايين شخص في حرب الكونغو الثانية (١٩٩٨-٢٠٠٣)، ولا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم.

في العقود الأكثر حداثة، كانت هناك نتائج قاتمة مماثلة لمحاولات واشنطن لتغيير الأنظمة عبر العمليات العسكرية التقليدية. بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١، أطاحت القوات الأميركية بنظام طالبان في أفغانستان. وعلى مدى العشرين عاماً التالية، أنفقت واشنطن ٢.٣ تريليون دولار – كلمة “تريليون” ليست خطأً مطبعياً! – في محاولة فاشلة لبناء الدولة، بددتها استعادة طالبان الصاعدة للعاصمة كابول في أغسطس ٢٠٢١، مما أغرَق البلاد في مزيج من الأبوية القاسية والحرمان الجماعي.
في عام ٢٠٠٣، غزت واشنطن العراق بحثاً عن أسلحة نووية وهمية، وغاصت في مستنقع حرب دامت ١٥ عاماً أدت إلى مقتل مليون شخص، وتركت خلفها حكومة استبدادية تحولت إلى دولة تابعة لإيران. وفي عام ٢٠١١، قادت الولايات المتحدة حملة قصف جوي لحلف الناتو أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي الراديكالي في ليبيا، مما مهد الطريق لسبع سنوات من الحرب الأهلية، وترك في النهاية ذلك البلد منقسماً بين دولتين فاشلتين متعاديتين.

العواقب الجيوسياسية لحرب إيران

من خلال استكشاف التداعيات الجيوسياسية للتدخل الأميركي الأخير في إيران، يمكننا أن نتخيل كيف أن حرب الرئيس دونالد ترامب الاختيارية قد تصبح بكل بساطة نسخة واشنطن الخاصة من أزمة السويس.

فكما انتزعت مصر نصراً دبلوماسياً من بين فكي الهزيمة العسكرية عام ١٩٥٦ بإغلاقها قناة السويس، كذلك أغلقت إيران الآن نقطة الاختناق الحرجة الأخرى في الشرق الأوسط من خلال إطلاق طائراتها المسيرة من نوع شاهد على خمس ناقلات في مضيق هرمز (الذي تمر عبره ٢٠٪ من إنتاج النفط الخام والغاز الطبيعي العالمي بشكل منتظم) وعلى مصافي النفط في الساحل الجنوبي للخليج الفارسي. لقد منعت الضربات الإيرانية بالمسيرات أكثر من ٩٠٪ من رحلات ناقلات النفط من الخليج الفارسي، وأغلقت مصافي قطر الضخمة التي تنتج ٢٠٪ من إمدادات العالم من الغاز الطبيعي المسال، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي بنسبة ٥٠٪ في معظم أنحاء العالم وبنسبة ٩١٪ في آسيا – مع اتجاه سعر البنزين في الولايات المتحدة نحو ٤ دولارات للجالون، ومن المرجح أن يصل سعر النفط إلى مستوىٍ مذهل يبلغ ١٥٠ دولاراً للبرميل في المستقبل القريب. علاوة على ذلك، ومن خلال تحويل الغاز الطبيعي إلى أسمدة، يعتبر الخليج الفارسي مصدراً لنحو نصف المدخلات الزراعية في العالم، حيث ارتفعت أسعار الأسمدة مثل اليوريا بنسبة ٣٧٪ في أسواق مثل مصر، مما يهدد كلاً من زراعة موسم الربيع في نصف الكرة الشمالي والأمن الغذائي في دول الجنوب العالمي.

إن التركيز الاستثنائي لإنتاج النفط والشحن الدولي والاستثمار الرأسمالي في الخليج الفارسي يجعل من مضيق هرمز ليس مجرد نقطة اختناق لتدفق النفط والغاز الطبيعي فحسب، بل أيضاً لحركة رأس المال بالنسبة للاقتصاد العالمي بأسره. لنبدأ بالأساسيات، ففي الخليج الفارسي نحو ٥٠٪ من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، والتي تقدر بنحو ٨٥٩ مليار برميل، أو ما قيمته حوالي ٨٦ تريليون دولار بالأسعار الحالية. ولإعطاء فكرة عن حجم تركيز رأس المال في البنية التحتية للمنطقة، استثمرت شركات النفط الوطنية في دول مجلس التعاون الخليجي ١٢٥ مليار دولار في منشآتها الإنتاجية في عام ٢٠٢٥ وحده، مع خطط للاستمرار بهذا المعدل في المستقبل المنظور. وللحفاظ على أسطول ناقلات النفط العالمي المكون من سبعة ألف وخمسمئة سفينة الذي يخدم الخليج الفارسي بشكل أساسي، تبلغ تكلفة ناقلة واحدة كبيرة من طراز “سويزماكس” نحو ١٠٠ مليون دولار – ويوجد منها نحو ٩٠٠ ناقلة عادة في أعالي البحار، بقيمة إجمالية تصل إلى ٩٠ مليار دولار (مع الحاجة إلى استبدالها بشكل متكرر بسبب الصدأ وتآكل الفولاذ في الظروف البحرية القاسية). علاوة على ذلك، تضم دبي أكثر مطارات العالم ازدحاماً بالمسافرين الدوليين، في مركز شبكة عالمية تضم ٤٥٠ ألف رحلة جوية سنوياً – وهي متوقفة الآن بسبب الضربات الإيرانية بالمسيرات.

ورغم كل الضجيج الإعلامي في البيت الأبيض حول سيف أميركا القاطع في ضرباتها الجوية الأخيرة، فإن ٣٠٠٠ طلعة قصف جوية أميركية إسرائيلية ضد إيران (التي تبلغ مساحتها ثلثي مساحة أوروبا الغربية) في الأسبوع الأول من الحرب تبدو ضئيلة أمام ١,٤٠٠,٠٠٠ طلعة قصفية فوق أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية. إن التناقض الصارخ بين هذه الأرقام يجعل الهجمات الجوية الأميركية الحالية على إيران تبدو، من منظور استراتيجي، وكأنها إطلاق نار على فيل ببندقية هوائية.

علاوة على ذلك، تمتلك الولايات المتحدة مخزوناً محدوداً من حوالي ٤٠٠٠ صاروخ اعتراضي، يصل سعر كل منها إلى ١٢ مليون دولار، ولا يمكن إنتاجها بسرعة على نطاق واسع. في المقابل، تمتلك إيران إمدادات شبه لا نهائية من نحو ٨٠ ألف طائرة مسيرة من نوع شاهد، يمكنها إنتاج ١٠ آلاف منها شهرياً بتكلفة ٢٠ ألف دولار فقط لكل واحدة. وعليه، فإن الزمن ليس في صالح واشنطن إذا امتدت هذه الحرب لأكثر من بضعة أسابيع.

والواقع أن القائد العام للبنتاغون، الجنرال دان كاين، كان مراوغاً بشكل مفاجئ في مقابلة حديثة، عندما سُئل عن احتمال أن يؤدي أسطول إيران الهائل من الطائرات المسيرة البطيئة والمنخفضة التحليق من نوع شاهد إلى استنفاد المخزون الأميركي من الصواريخ الاعتراضية المتطورة، مكتفياً بالقول: “لا أرغب في التحدث عن الأعداد”.

من سيتواجد على الأرض؟

بينما تتصاعد الضغوط الاقتصادية والعسكرية من أجل حرب قصيرة، تحاول واشنطن تجنب إرسال قوات برية من خلال تعبئة الأقليات العرقية في إيران، التي تشكل نحو ٤٠٪ من سكان ذلك البلد. وكما تدرك وزارة الدفاع الأميركية بصمت، ولكن بمرارة، فإن القوات البرية الأميركية ستواجه مقاومة هائلة من ميليشيا الباسيج البالغ قوامها مليون عنصر، والحرس الثوري الذي يضم ١٥٠ ألف عنصر (مدربين تدريباً جيداً على حرب العصابات غير المتكافئة)، فضلاً عن الجيش الإيراني النظامي البالغ عدده ٣٥٠ ألف جندي.

ومع أن جماعات عرقية أخرى (مثل الأذريين في الشمال، ثاني أكبر مجموعة عرقية في إيران بعد الفرس ) غير راغبة، أو (مثل قبائل البلوش في الجنوب الشرقي البعيدة عن العاصمة) غير قادرة على مهاجمة طهران، فإن واشنطن تسعى يائسة للعب ورقتها الكردية، كما فعلت على مدى الخمسين عاماً الماضية. إذ يشكل الأكراد، البالغ عددهم ١٠ ملايين نسمة والموزعين على المرتفعات الحدودية لسوريا وتركيا والعراق وإيران، أكبر مجموعة عرقية في الشرق الأوسط دون دولة خاصة بهم. ولهذا، فقد ظلوا مضطرين للعب “اللعبة الإمبريالية الكبرى”، مما يجعلهم مؤشراً حساساً بشكل مدهش للتغيرات الكبرى في النفوذ الإمبراطوري.

وعلى الرغم من أن الرئيس دونالد ترامب أجرى اتصالات شخصية مع كبار قادة إقليم كردستان العراق خلال الأسبوع الأول من الحرب الأخيرة، عارضًا عليهم «غطاءً جوياً أمريكياً واسعاً» لشن هجوم على إيران، ورغم وجود قاعدة جوية عسكرية أمريكية في أربيل، عاصمة الإقليم، فإن الأكراد يُظهرون حتى الآن حذرا غير معتاد.

في الواقع، تمتلك واشنطن تاريخا طويلًا في استخدام المقاتلين الأكراد ثم التخلي عنهم، يعود إلى أيام وزير الخارجية هنري كيسنجر، الذي حوّل خيانتهم إلى ما يشبه فناً دبلوماسياً. ففي عام ١٩٧٥ ، وبعد أن أمر وكالة الاستخبارات المركزية بوقف دعم المقاومة الكردية العراقية ضد صدام حسين، قال كيسنجر لأحد مساعديه: «اعِدهم بأي شيء، أعطهم ما يحصلون عليه، ثم… تخلّ عنهم إذا لم يستطيعوا تحمّل المزحة».

ومع تقدم القوات العراقية داخل كردستان وقتل مئات الأكراد العزّل، توسل زعيمهم التاريخي مصطفى بارزاني – جدّ الزعيم الحالي لإقليم كردستان – إلى كيسنجر قائلاً: «إن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه شعبنا». لكن كيسنجر لم يرد حتى على هذا النداء اليائس، وصرّح أمام الكونغرس: «لا ينبغي الخلط بين العمليات السرية والعمل التبشيري».

وفي يناير الماضي، وفي قرار بدا سيئ التوقيت بشكلٍ لافت، خذلت إدارة ترامب الأكراد مرة أخرى، حين أنهت تحالفاً دام عقداً مع أكراد سوريا، و أجبرتهم على التخلي عن ٨٠٪ من الأراضي التي كانوا يسيطرون عليها. وفي جنوب شرق تركيا، عقد حزب العمال الكردستاني اتفاقاً مع رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وبدأ فعليا في نزع سلاحه، بينما يلتزم إقليم كردستان العراق الحياد، احتراما لتفاهم دبلوماسي مع طهران أُبرم عام ٢٠٢٣ لضمان حدود سلمية بين إيران والعراق.

وقد اتصل ترامب بأحد قادة الأكراد الإيرانيين – الذين يشكلون نحو ١٠٪ من سكان إيران – لتشجيعهم على الانتفاض، لكن معظمهم يبدو أكثر اهتماما بالحكم الذاتي الإقليمي من تغيير النظام. قوبلت دعوات ترامب للأكراد للهجوم، وللشعب الإيراني للانتفاض، بصمتٍ بليغ، يبدو أن واشنطن قد تُنهي هذه الحرب وقد أصبح النظام الإيراني أكثر رسوخاً، في مشهدٍ يُظهر للعالم أن الولايات المتحدة لم تعد مجرد قوة مهيمنة مضطربة، بل قوة آخذة في التراجع يمكن للدول الأخرى الاستغناء عنها.

فعلى مدى أكثر من قرن، حاول الشعب الإيراني ست مرات إقامة ديمقراطية حقيقية. لكن يبدو الآن أن أي محاولة سابعة لن تأتي إلا بعد زمن طويل من مغادرة الأسطول البحري الأمريكي مياه بحر العرب.

من الجزئي إلى الجيوسياسي

إذا تجاوزنا هذا المنظور التفصيلي لسياسات إيران العرقية نحو رؤية جيوسياسية أوسع، فإن تراجع نفوذ واشنطن في جبال كردستان يعكس تلاشي نفوذها عبر القارة الأوراسية الشاسعة، التي لا تزال تمثل مركز القوة العالمية منذ خمسة قرون.

على مدى نحو ثمانين عاما، حافظت الولايات المتحدة على هيمنتها العالمية عبر السيطرة على أطراف أوراسيا من خلال حلف الناتو في أوروبا الغربية، وشبكة اتفاقيات دفاعية تمتد على طول المحيط الهادئ من اليابان إلى استراليا. لكن مع تحول اهتمامها نحو نصف الكرة الغربي، يتراجع نفوذها بسرعة عبر القوس الأوراسي الممتد من بولندا إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى كوريا – وهي المنطقة التي وصفها مفكرو الجغرافيا السياسية مثل هالفورد ماكيندر ونيكولاس سبايكمان بـ«االمنطقة المحيطة» أو «منطقة الصراع». وكما قال سبايكمان: «من يسيطر على المنطقة المحيطة يحكم أوراسيا، ومن يحكم أوراسيا يحدد مصير العالم».

ومنذ صعود سياسة «أمريكا أولا» عام ٢٠١٦ ، بدأت قوى كبرى ومتوسطة عبر هذا الهامش الأوراسي في الابتعاد تدريجيا عن النفوذ الأمريكي – أوروبا بإعادة التسلح، وروسيا بتحدي الغرب في أوكرانيا، وتركيا بالحياد، وباكستان بالتحالف مع الصين، والهند بالابتعاد عن التحالفات الأمريكية، واليابان ببناء سياسة دفاع مستقلة. ويتجلى ذلك في ضعف الدعم الدولي للتدخل في إيران، مقارنة بالتحالفات الواسعة التي دعمت الولايات المتحدة في حرب الخليج عام ١٩٩١أو في أفغانستان عام ٢٠٠٢. ومع كشف «العسكرة المحدودة» لترامب في إيران حدود القوة الأمريكية، فإن تراجع النفوذ الأمريكي في أوراسيا قد يصبح عاملاً محفزاً لولادة نظام عالمي جديد، يتجاوز النظام القديم القائم على الهيمنة الأمريكية.

تماما كما يُذكر أنتوني إيدن اليوم في بريطانيا كرئيس وزراء ساهم في انهيار الإمبراطورية خلال أزمة السويس، قد يرى المؤرخون مستقبلاً أن دونالد ترامب هو الرئيس الذي أضعف النفوذ الدولي للولايات المتحدة عبر مغامرته العسكرية المحدودة في الشرق الأوسط. ومع صعود وسقوط الإمبراطوريات، يظل العامل الجيوسياسي عنصراً ثابتاً في تحديد مصائرها – وهو درس يتكرر عبر التاريخ.

في أوقات مضطربة كهذه، حين تبدو الأحداث غامضة ومربكة، تعود كلمات مارك توين عن «شظايا الأساطير القديمة» لتذكّرنا بنماذج تاريخية مماثلة مثل انهيار قوة ونفوذ بريطانيا العظمى أو الاتحاد السوفيتي، والتي يمكن أن تساعدنا في فهم كيف يهمس الماضي غالباً للحاضر – كما يبدو أنه يفعل اليوم في مضيق هرمز.

[i] رابط المقال https://tomdispatch.com/imperial-decline-in-the-straits-of-hormuz/

[ii] ألفريد مكوي أستاذ التاريخ في جامعة ويسكونسن-ماديسون. وهو مؤلف كتاب “سياسات الهيروين: تواطؤ وكالة المخابرات المركزية في تجارة المخدرات العالمية” The Politics of Heroin: CIA Complicity in the Global Drug Trade ، وكتاب “في ظلال القرن الأمريكي: صعود وسقوط القوة العالمية للولايات المتحدة” In the Shadows of the American Century: The Rise and Decline of the US Global Power.

[iii] تُترجم، حرفيا، بالعسكرة “الجزئية” أو “الدقيقة”؛ فضلت استخدام وصف “المحدودة” كناية عن المحدودية والعجز في تحقيق انتصار استراتيجي رغم التفوق التكتيكي كما سيتضح من مضمون الحجج الواردة في المقال.

[iv] المنطقة المحيطة” مصطلح جيوسياسي، صاغه نيكولاس سبايكمان في ثلاثينيات القرن العشرين، ويصف المناطق الساحلية البحرية لأوراسيا التي تحيط بقلبها. وهي بمثابة منطقة عازلة بين القوى البرية والبحرية، بما في ذلك أوروبا الغربية والشرق الأوسط وآسيا، والتي تُعتبر بالغة الأهمية للسيطرة على الشؤون العالمية وممارسة النفوذ الدولي. ويكيبيديا-مادة “نظرية إطار الأرض”.

osmanhamdan72@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان: العنف الجنسي والإعدامات الموجزة.. نزاع متصاعد وانتهاكات منهجية

منتدى الإعلام السوداني: الخرطوم، 12 مارس 2026 (شبكة عاين)- في عام 2025، شهد السودان مسارًا …