1/ مُـفـتـتـح:
حول تطورات الحرب الدائرة في السودان، سأتناول في مقالي عرضٍاً مقتضباً ، وبتركيزٍ وجيزٍ، لاستصحاب وقائع وخلفياتٍ تاريخية، تلقي ضوءاً يساعد على فهم تعقيدات أوضاع الأزمة السّـودانية المستعصية. أجل، هي أزمة لها أسباب عميقة الجذور، يزيد في استعصائها على أهلها، كما على الأطراف الساعية للتوسُّـط لحلّها دون جدوى. صورة السُّـودان الماثل، والذي استقلّ من حالة الاستعمار منذ سـبعين عاماً، ينخرط الآن في حرب يسارع عبرها للوصول إلى الإفـنـاءٍ الـذاتي والدّمار الشامل، ليسجل حالةً لدولةٍ غير مسبوقة في التاريخ الحديث.
ثمّة خلفيات لا يسمعها المتابعون، مما يبث عبر القنوات والتغطيات الإعلامية، ومن محللين وإعلاميين وخبراء تحليل سياسي، سودانيين أو سواهم.
من يسعى لفهم طبيعة المأزق الذي يحاصر مصير السودان، له أن ينظر لتنوّع جغرافية ذلك البلد وتاريخه القريب والبعيـد، وديموغرافية سـكانه ، وتنوّع إثنياتهم وأجناسهم وألسنتهم وثقافاتهم. من قال بعض المؤرِّخين عن السُّودان أنه صورة “ميكروسكوبية” لقارة أفريقيا، لم يكن بعيدا عن الحقيقة البتة. إنّ فشل السودانيين في استبصار تنوّع أوضاع بلادهم الداخلية، تجده قد قادهم إلى حالٍ مِن التماس المستعصِي مع نفسه، مثلما مع جيرانه الثماني. هي حالة أعمى خرج ممسكا بعصاه، لكنّهُ لا يعرف حال هندامه، إن عارياً أم كاسـيا. وليس ذلك من قِـلـة عقـل، بل من قـِلـة وعي.
2/ التباس في الجغرافيا والتاريخ:
السودان الذي لم يستبصر جيّداً أوضاعه الجغرافية والتاريخية، بقيَ مُعلقاً بين هويتين، أفريقية وعربية . ثمّة فراعـنة سُّـمر من الأسـرة الخامسة والعشرين، حكموا في قرون قبل ميلاد المسيح، من وادي النيل إلى أطراف الشّـام وفلسطين، مثلما حكم سودانيٌّ أسود من جنوب السودان بلدا افريقيا اسمه يوغندا في سبعينات القرن العشرين.
إنَّ للحرب الدائرة الأن في السودان، جذور فيما حكيت أعلاه.
لنا أن ننظر بعمق لطبيعة المنخرطين في القتال الدائر في السودان .علينا التميِّيز بين طبيعة تكوين الجيش الرّسمي للدولة، خلفيته وعقيدته، وطبيعة أيّ قـوات إضافية أخرى مسانّدة ، سواءً قوات طوعية يشرف عليها جيش الدولة الرَّسمي، أو أي قوات أخرى تنشأ بمعزلٍ عن الدولة، وتكون موازية لجيشه، أو متمرّدة عليها. للجيش الرسمي قواعد للتدريب وللآعتماد، ولها تراتبية تعكسها الخبرات وتنظمها الرتب العسكرية ، وفوق ذلك تخضع لتقاليد عسكرية ولقواعد انضباط صارمة.
ليس للمليشيات والحركات المسلحة العشوائية – موازية أو متمرّدة- أيّ تقاليد عسكرية ولا قواعد انضباط، ولا التزام بتقدير الرُّتب الأدنى للرتب الأعلى.
3 /الجيش المنهك من حروبه الداخلية:
لم ينعم الجيشُ السُّودان الوطني بحالة من الاستقرار، منذ خروجه من عباءة المستعمرقبل سبعين عاما، إذ مع تباشير استقلال البلاد، وقع تمرّد مُسـلَّح في جنوب البلاد، في عام 1955، واستفتحت البلاد حـرباً أهلية بينَ الشمال والجنوب قُدِّرَ لها أن تستمر لنحو عقدين من الزّمان، في قتالٍ شرس لم تضع الحرب تلك أوزارها، إلا بعد اتفاقية أبرمت بين حكومة السودان ومتمردي جنوب السودان، في عام 1972 على أيام نظام قاده الرئيس جعفر نميري. . بعدها حلَّ السلام في ربوع البلاد لقرابة العشرة أعوام .
إلا أنَّ نظام مايـو (1969-1985) الذي تزعَّمهُ الجنرال جعفر نميري، وقد بدأ في سنواته الأولى قريباً من قوى اليسار، إلا أنه تحوَّل بعد مصالحات وطنية ، وانفتح نظامه بعدها على قوى سياسية يمينية، وكان منهم إسلاميون صاروا الأكثر تأثيراُ على نظامه،. تحوّلَ نميري بعدها تحوّلاً جذرياً نحو أسلمة الحكم في السودان. ثمَّ بادر من نفسه، إلى نقض اتفاق السلام الذي أبرمه عام 1972 أوقف تلك الحرب بيديه، فصار نظام نميري كالتي نقضتْ غزلها وجعلته أنكاثا. ذلك سببٌ واحد من أسباب عدة، انتفض بعدها جنوب البلاد في تمرُّدٍ جديد على شماله عام 1983. ثم كانت انتفاضة السودانيين عام 1985 وأسقطتْ نظام جعفر نميري.
غير أن الحرب لم تتوقف، إذ استمرت خلال سنوات حكم المدنيين المضطربة، إلى أن استولى الإسلاميون على الحكم في السودان في عام 1989 ..
4 / الأدلجـة وتحوير عـقيدة الجيش الوطني:
إنّ الجيش الوطني في السودان قد مرّ بتجربة للأدلجة والتسييس خلال فترة حكم جعفر نميري السابقة،، بدتْ بصورةٍ ناعمة أواخر سبعينات القرن العشرين، ثمّ سرعان ما وقع تحوّل في النظام الذي حكم فيه الجنرال جعفر نميري السودان أواخر سبعينات القرن العشرين،َّ واتخذ توجُّهاً إسلامياً بتأثير من التنظيم الإسلامي الذي كان يقوده دكتور حسن الترابي الذي أصبح شريكا مع نظام نميري.
نتيجة ذلك التوجه، اتَّبع نظام جعفر نميري أواخر سنوات السبعينات من القرن العشرين، تنظيم دورات لتأهيل ضباط الجيش السوداني، عبر برامج للدراسات الإسلامية. من تداعياتها أنْ حدث تحولٌ بدا تدريجياً في عقيدة الجيش الوطني، فتأثرت بذلك الكثير من الرُّتبِ العسكرية الوسـيطة.
5 / الإنقـاذ : تجربة تسييس الدّولـة:
حينَ وقع الانقلاب على الحكومة المنتخبة ً في يونيو عام 1989، كان ملاحظاً أنَّ كلّ قياداته هم من الضباط الإسلاميين، هم من تلك الرتب الوسيطة التي تلقت تأهيلا إسلامياً، خلال فترة حكم جعفر نميري. فتحوَّرت عقيدة الجيش الوطني التي تأهلت “إسلامياً “في حالة حكم نظام نميري السابق، لتلعب دورا رئيسا في النظام الانقلابي الذي قاده من وراء حجاب، زعيم الجبهة الإسلامية دكتور حسن الترابي وتركت قيادة الحكم التنفيذية لأكبر رتبة وسيطة، فتولى العميد عمر اليشير السلطة ، واستمرت سيطرته لثلاثين عاما.
تواصلت الحرب الضروس لسنوات طوال، بين قوات الحكومة في الشمال وقوات الحركة الشعبية في جنوب السودان ، وأصيب الجيش الوطني خلالها بحالة إنهاك قصوى. إنَّ عشرين عاما من الاقتتال الشرس، وما لحق بنظام الإنقاذ” من ضعف جرَّاء عزلته غير المجيدة، كانت للمجتمع الدولي والإقليمي ضغوطه التي أثمرتْ بعد مفاوضات مضنية إلى اتفاقيات أأنهت حالة الحرب في عام 2005.
حملتْ تلك الاتفاقية إقراراً بأجراء استفتاءٍ، قاد في عام2011 إلى انفصال جنوب السودان إلى دولة لحالها. كان انفصالُ جزءٍ غير مسلم من البلاد، أمراً مريحاً لنظام الإسلاميين السودانيين.
جيش السودان الذي تعرّض “لأدلجة” مخففة وناعمة، خلال السنوات الأخيرة من حكم جعفر نميري ، صار تحت نظام “الإنقـاذ” الإسلاموي”، أكثر وضوحاً وأشدّ مسعىً لتسييس الخدمة المدنية إسلامياً عبر سياسة “التمكين”. تلك سياسة طبقها الإسلاميون على كافة مؤسسات الدولة، إذ طالت المؤسسات التعليمية والفنية والخدمة العامة والدبلوماسية والهندسية والطبية التي قضت بإحلال الموالين للنظام في جميع مفاصل الدولة المدنية .
6 / الجيش : ضياع الهيـبة والانضباط العسكري:
أما الجيش الوطني، والذي بدأت تجربة “أدلجته” وتسييسه مبكراً، فقد تواصلت بوتيرة أسرع بعد تولى تنظيم الإسلامويين حكم البلاد بعد عام 1989. القوات النظامية في الجيش أو الشرطة، ممن كان مجندوهم مضرب المثل في الانضباط والنظافة والأناقة العسكرية، تحولّ معظمهم لإطلاق اللحى والإكثار من التزيِّي بالجلاليب للرجال، ثم تبعه إعلان قوانين اللبس المحتشم للنساء ومنع خلوة النساء مع الرجال. لربما بدت مثل هذه الأمور توجيهات شكلية، لكنها شـكّلت ذهنية تعمدت لإعادة صياغة المجتمع بكامله في كورة الإسلام السودانية..
لعلَّ غسل ادمغة أفراد القوات النظامية، قد تمّ بقصد ترسيخ عقيدة سياسية تقنعهم كونهم الأقـدر والأقوى والذين يُستأمنون على، والأنسب لتولى مهمة حكم البلاد.
هكذا انتهى جيش السودان إلى حالة من الإنهـاك والتضعضع وتداعي الروح المعنوية وغياب الانضباط وبقية التقاليد العسكرية.
7 / انهـيار حُكــم البشـيـر:
أمام استعصاء إيجاد حلول للتحديات الجسام داخلياً وخارجياً ، والتي واجهت حكم نظام “الإنقاذ” وأودت به إلى عزلة في إقليمه، ناهيك عن نفور المجتمع الدولي عن نصرته، ، بدأ تفكك النظام وتضعضعه، فهـبَّ السودانيون وأسقطوا بانتفاضة شعبية كاسحة كبرى في ديسمبر /كانون الأول نظام “الإنقـاذ”. سارع عدد من الضباط الإسلاميين في الجيش الوطني الرسمي، الناقمين على سياسيات “البشير” وانحازوا لمساندة تلك الانتفاضة. تحالف معهم مجندو مليشيا “الدعم السريع” غير المدرّبين، تحت قيادة “حميدتي” الذي كان قد منحه “البشير” رتبة ضابط كبير في الجيش، كما شاركت معها بعض الحركات المسلَّحة التي ظلت تعارض حكم الإنقاذ. وهكذا نجحت الثورة في إقصاء نظام “الإنقاذ”.
لكن لم تكن مساندة المكون العسكري ومن والاه من المسلحين ، انحيازاً بلا ثمن.
8 / خلافات وصراعات ثورة ديسمبر2018 :
لمْ تفلح الثورة التي اسقطتْ نظام حكم الطاغية البشير عام 2019 ، وساندها عددٌ من قيادات الجيش الوطني، الرَّسمي، وأيضا من قيادات مجندي “قوات الدعم “، وسواهم مليشيات تابعة لحركات مسلحة من أبناء غرب السودان ووسطه وشرقه، في تجاوز خلافات وصراعات مكوناتها المدنية والعسكرية . انتهى الأمر بالانقلاب على الحكومة المدنية الانتقالية، تلك التي عُهـدَ إليها بالإعداد لمرحلة حكم انتقالي لوضع أسس لحكم ديمقراطي مدني في السودان المضطرب. لكن سرعان ما تصاعدت وتيرة الخلافات بين التكوينات المدنية والعسكرية، فوقع انقلاب قاده الجنرال البرهان والجنرال “حميدتي” في 25 أكتوبر من عام 2021 . بلغتْ المناوشات بين الإثنين حول إدارة البلاد تجري تحت الطاولة ، ثم سرعان ما ارتفعت إلى فوق الطاولة.
فيما أخذ الجنرال البرهان يعزّز سيطرته، سعى “حميدتي” لتعزيزمساعيه للاستقواء بحلفاء داخل السودان داخلياً ، باستجلاب المزيد من المجندين المسلحين إلى أسنانهم بلا تأهيل ، وبالحصول على السلاح القاتل من وراء الحدود، مستغلا ما بيده من ثروات يسيل لها لعاب حلفاء الخارج.
وهكذا تحوَّلتْ الخلافات السياسية بين الفرقاء السّودانيين، إلى حربٍ مدمِّرة بين الجيش الوطني الرَّسمي و”قوات الدّعم السريع” المسلحة ومن معهم، إلى حرب جرحتْ وقتلت الآلاف من السكان الأبرياء ، وفرَّ من استطاع أن يفرَّ، ومَن بقيَ منهم طُحِـنَ طحنـاً قاسـياً، فكانت المأساة الماثلة، هي تلك الحرب التي انشغل عنها المجتمع الدولي والإقليمي الآن، فصارتْ حرباً منسية، بل صار السودان الذي اندلعت تلك الحرب في أرضه، عند رئيس الدولة “الأعظم”، بقعة كأن لم يسمع بها من قبل..!
9 / معركة الشرعـية وتهافـت السُّـلطة:
من قيادات الجيش الرّسمي، الذين واجهوا التمرُّد الماثل، من قِبَـل “مليشيا الدّعم السريع”، وعلى رأسهم الجنرال البرهان، وقادوا حرب الجيش الرسمي الوطني، معلنين أنهم الحكومة الشرعية من مدينة “بورتسودان”، ظلوا يسعون للحصول على شرعية غائبة. يلاحظ على تلك العصبة من الجنرالات، ضعف قدرات على السيطرة على البلاد، بل أيضاً ضعف السيطرة على بعض ضباط الجيش، وحتى في الالتزام بالتقاليد العسكرية السودانية الرّاسـخة منذ إنشاء قوة دفاع السودان قبل مأئة عام .
ضباط الجيش الرَّسمي، وجنرالاته الذين يديرون البلاد مؤقتاً، بمسمّى “المجلس السيادي”، تتخبّط أقوالهم وتضطرب مواقفهـم، ويتعزّز عجزهم كلَّ يوم عن الحصول على اعترافٍ بشرعية سيطرتهم على حكم السودان، لا من المجتمع الإقليمي ولا من المجتمع الدولي.
ثمّة شبهات تكاد تثبتَ صدقيتها أطرافٌ دولية، فقد أكدت تقاريرها دون مواربة، أن قيادات نظام “الإنقـاذ” السابق تتخفّى وراء الجنرال قائد الجيش، ووراء حكومة بورتسودان ورئيسها الذي بلا أعـبـاء، يتحيّنَون الفرص للـقـفـز من جديد لحكم السودان. ليس ذلك ما يثير العجب، أوليسوا هم وحـدهم من يرونَ في مناماتهم أنهم عائدون لحكم السودان . .؟
(10)
من ينظر لحال السودان والمسلحون الذين يتقاتلون بشراسة، ولكنهم يقتلون شعبهم في محـارق شهوة الحكم، سيرى بعينيه حالاً من “الفوضى العسكرية”، ضاربة أطنابها، وسيرى طامعيـن من وراء الأنهار والبحار والمحيطات وقـد انفتحـتْ شـهواتهم لابتلاع كعكـة السودان، وسيرى مجتمعاً دولـياً لا يعرف بعضُ كباره أين موقع السودان في خرائط الجغرافيا، وسيرى- من قبل ومن بعد- ما تبثه شاشات التلفزة عن العجـزة والمعوَّقـيـن أخلاقـيـاً وسياسياً وعسكرياً، وهم يطمعون للسيطرة على بلدٍ كان يوما من أكبر بلدان القارة وأوسـعها صيتا..؟
القاهرة- 2/12/2025
jamalim@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم