عبد المنعم عجب الفَيا
حكايات (الف ليلة وليلة) وقصص الفروسية العربية والحب العذري النبيل، هي الأصول والنماذج والمثل العليا التي تأسس عليها فن القصة والرواية الحديثة في أوربا بمختلف أشكالها وتقنياتها السردية وفي كافة مراحل تطورها، وبمختلف مذاهبها الفنية من رومانسية وواقعية وطبيعة ونقدية ورمزية وفانتازية، وذلك بدءا من حكايات الدكاميرون للايطالي بوكاتشيو، وحكايات كانتربري للانجليزي جفري شوشر في القرن الرابع عشر، وحتى اشكالها وتقنياتها الأكثر حداثة في القرن العشرين كما تجلت عند الفرنسي بروست صاحب البحث عن الزمن المفقود، والبريطاني جيمس جويس صاحب رواية يوليسيس.
هذا الربط الحاسم لنشاة القصة والرواية الحديثة في أوربا بالتراث العربي، ليس رايا شخصيا صادرا عن تحيز ثقافي وقومي وايديولوجي، بل هو حقيقة تاريخية وواقعية علمية وباعتراف الأوروبيون أنفسهم.
فقد كانت أوربا على الدوام منذ اواخر القرون الوسطى وعلى وجه التحديد بدءا من القرن الثاني عشر الميلادي تعلن عن تقديرها العميق للحضارة العربية وتعبر عن امتنانها اللامحدود لها، وتعمل جاهدة على تقليدها ونقل علومها وادابها وفنونها. وهكذا استمر موقف أوربا من التراث العربي الاسلامي حتى القرن التاسع عشر. ولكن منذ منتصف القرن التاسع عشر حينما بسطت أوربا سيطرتها على العالم العربي والإسلامي، اخذت تتنكر لكل ما كانت قد اتعرفت به من فضل للعرب على حضارتها، وتعمل جاهدة على نسيان ما كتبه اسلافها عن امتنانهم للحضارة العربية وتقديرهم لها في القرون السالفة.
ولما صار الأوروبيون هم سادة البحث العلمي، يتحكمون في اتجاهاته وتحديد مجالاته حرصوا على ابقاء هذا الاعتراف بالفضل بعيدا عن اهتمام الدارسين والباحثين العرب رغبة منهم في ترسيخ التبعية الثقافية والهيمنة السياسية. فوقر في اذهان ابناء الثقافة العربية الاسلامية، وقد سلبوا حرية البحث خارج الأطر المعرفية المرسومة لهم، ان كل ما توصلت اليه أوربا من تقدم في العلوم والفنون والآداب هو انتاج أوربي خالص، منبت الصلة بموروثهم الحضاري، فاحتقروا هذا الماضي وهذا التراث حتى ذهب بعضهم إلى أنه ليس امام العرب من سبيل للنهوض والتقدم الا بقطع الصلة بهذا الماضي وهذا الموروث والاذعان الكامل للحضارة الغربية والتسليم المطلق بكل ما تجود بهم عليهم دون مساءلة وتمحيص.
اقول ذلك وفي البال مساهمات قلة من المستشرقين المنصفين ظلوا على مدى القرن التاسع والقرن العشرين وحتى يوم الناس هذا، يذكرون الناس بفضل العرب على حضارة أوربا غير ان كتاباتهم لا تجد اذانا صاغية وهي كتابات على قلتها غير متاحة الا لقلة من القراء، ولا يتعدي اثرها الدوائر الأكاديمية الضيقة.
ومن هذه القلة المنصفة، نتوقف على سبيل المثال عند اراء المستشرق البريطاني المعروف هميلتون جِبّ (١٨٩٥-١٩٧١) أستاذ الأدب واللغة العربية بجامعتي لندن واكسفورد سابقا، في فضل الحضارة العربية على نهضة أوربا حيث يقول: “كان تشرب أوربا بفنون الأدب العربي في العصور الوسطى في الحقيقة مظهراً من مظاهر حركة فكرية عامة شملت تلك العصور. فقد ضاق الناس بالعقلية الدينية الضيقة التي فرضها عليهم رجال الكنيسة، ولما لم يجدوا متسعاً فيما لديهم من الآداب اللاتينية لضيقها وجدبها وافتقارها إلى قوة الإبداع، كان لا بد لهم من أن يولوا وجوههم شطر جهة أخرى لعلهم أن يظفروا بما كانوا يرغبون فيه. ولقد كانوا إلى ذلك الحين يعترفون على مضض بتفوق العالم الإسلامي في الناحية الحربية فقط، ولكنهم ما لبثوا يومئذ أن لاحظوا في شيء من الخجل أنه يبزهم في الحياة العقلية أيضاً، بعد أن غمرهم فيض العلوم العربية مصحوبة بفيض الآثار الأدبية التي تغلغلت في جميع الآداب الأوربية الناهضة، فتمهد بذلك طريق الانقلاب الفكري الذي تمثل في عصر النهضة”.
وعن فضل العرب على أوربا في الشعر والقصص يقول: “وربما كان أفضل ما أسدته الآداب الإسلامية، لآداب القرون الوسطى أنها أثرت بثقافتها العربية وفكرها العربي، في شعر القرون الوسطى ونثرها، سواء كانت المواد التي أخذت عن المصادر العربية، ظاهرة أو غير ظاهرة”.
ويضيف في ذات السياق:” ومهما يكن مقدار ما للشعر العربي من فضل في إثارة العبقرية الشعرية في الشعوب الرومانية الجنوبية، فإن ما تدين به أوربا في العصور الوسطى للنثر العربي لا يكاد يكون موضع جدل”.
وأما عن حكايات (ألف ليلة وليلة) فيقول جِبّ عن تأثيرها العميق على الآداب الأوربية: “لسنا مبالغين إن قلنا إن قصص ألف ليلة وليلة، قد هدت كُتّاب الشعب إلى الباب الذي كانوا يبحثون عنه، أو قلنا إنه لولاها لما عرف الناس قصة روبنسن كروزو، أو ربما لم يعرفوا كذلك قصة رحلات جولفر”.
وردت أراء جِبّ هذه ببحث اختار له عنوان (الأدب) وساهم به في تأليف كتاب: (تراث الاسلام) Islam Legacy والذي ضم مجموعة أبحاث لكبار المستشرقين وصدر الكتاب بالإنجليزية سنة 1931 عن جامعة أكسفورد ونُقل إلى العربية في الطبعة الأولى سنة 1936 عن اللجنة الجامعية للتأليف والترجمة والنشر بالقاهرة. وقد أعاد المركز القومي للترجمة بالقاهرة طباعته سنة 2007.
ومضمون الكتاب (ثراث الاسلام) ليس عن الاسلام كدين، وإنما عن تأثير أو مساهمة العرب المسلمين في النهضة الأوربية، فقد شمل بحوث عن مختلف ضروب العلم والمعارف من أدب وفلسفة وطب وعمارة وموسيقى وزخرفة ورسم وغيرها.
وقول جب انه لولا ألف ليلة وليلة، لما كانت قصة روبنسن كروزو، ولا قصة رحلات جولفر. هو قول صحيح تماما، فالقصتان الانجليزيتان، وقد صدرتا في تواريخ متقاربة في أوائل القرن الثامن عشر، محاكاة سافرة لرحلات السندباد البحري، التاجر البغدادي، في كتاب الف ليلة وليلة. لكن الحقيقة هي ان أدباء أوربا شرعوا في تقليد الف ليلة قبل ذلك بنحو ثلاثمائة سنة. فالثابت أن الأوروبيين يؤرخون لبداية فن القصة عندهم بصدور كتاب (الدكاميرون) للإيطالي جيوفاني بوكاتشيو (١٣١٣-١٣٧٥) الذي شرع في كتابته سنة ١٣٤٨ ميلادية. والكتاب محاكاة لقصص الف ليلة وليلة شكلا وموضوعا. فكلمة “دكاميرون” كلمة يونانية مركبة تعني الأيام العشرة، “ديكا” عشرة و”هيميرا” يوم. ويضم الكتاب مئة قصة أو حكاية تروي خلال عشرة أيام، يرويها مجموعة مكونة من عشرة شبان للترويج عن أنفسهم وقطع الوقت، وهم سبع نسوة وثلاثة رجال لجأوا الي كنيسة سانتا ماريا الجديدة بفلورنسا، هربا من وباء الطاعون الذي اجتاح المدينة الإيطالية سنة ١٣٤٨ وفي كل يوم ينصب الشبان أحدا منهم ملكا أو ملكة ليحدد موضوع القصص التي تروي في ذلك اليوم ويعين من يلعب دور السلطانة شهرزاد في الحكي. وتتنوع مواضيع القصص والحكايات ولكنها تتمركز معظمها حول النساء ومكائدهن بلا حياء أو حرج وبعض القصص يتضمن نقدا اجتماعيا عاما يشمل التعرض لرجال الدين وحياة الرهبان.
والواضح من عنوان الكتاب وفكرته وحبكته وموضوعاته انه مجاراة أدبية متعمدة لحكايات (الف ليلة وليلة). فالهرب من وباء الطاعون ومراوغة الموت وتاجيله بالتسلي وتشبثا بالأمل في البقاء على قيد الحياة هو تقليد لنفس “الثيمة” التي استخدمتها شهرزاد في قصص الف ليلة وليلة.
والمعلوم ان القصة الرئيسة التي تشكل اطارا مرجعيا لحكايات الف ليلة وليلة، هي قصة شهراد مع الملك شهريار. فقد اصيب شهريار بعقدة نفسية حيال النساء أثر خيانة زوجته له، فقرر ان ينتقم من جنس النساء بالزواج كل يوم بفتاة عذراء وقتلها بعد الدخول عليها، واستمر على هذه الحال فترة الي ان اهتدت شهرزاد بنت الوزير إلى حيلة، فقررت ان تتزوج الملك لتنفذ الحيلة التي استبطنتها لكي تخلص بنات جنسها من بطشه. وذلك بأن تحكي له عند دخوله بها، قصة مشوقة كل ليلة ثم تتوقف عن الحكي عند نقطة مثيرة في القصة، وتعده ان تكمل القصة اليوم التالي. وهكذا واظبت شهرزاد على الحكي كل ليلة، فتتناسل القصص والملك يستحثها على المزيد، إلى ان حلت عقدته النفسية من كراهية النساء فاحب شهرزاد وانجب منها عدد من البنين والبنات وعاشا في سعادة.
ونرى أن هذه القصة، بهذا العمق الإنساني والمعرفي والفني، كانت تصلح ان تؤسس عليها نظريات في علم النفس على النحو الذي فعله سيغموند فرويد حينما أسس بعض نظرياته في علم النفس على قصة اوديب وقصة الكترا في فن التراجيديا الاغريقية.
والجدير بالذكر أن الدكاميرون تضمنت قصة عن صلاح الدين الأيوبي القائد المسلم الذي هزم الصليبيين في فلسطين، كما ورد اسم صلاح الدين في أكثر من قصة بالدكاميرون. وقد لفت نظري ان صلاح الدين الأيوبي يحظى باحترام خاص في الآثار الأدبية الأوربية ومن ذلك أن دانتي في (الكوميديا الإلهية) لم يدخله النار وجعله يقيم في (المطهر) جنبا الي جنب كبار الفلاسفة: سقراط وأفلاطون وارسطو وابن سينا وابن رشد، وعظماء التاريخ الأوربي، في الوقت الذي جعل فيه احد كبار القديسيين النصارى وخصم ابن رشد اللدود مخلدا في النار.
وكان بوكاتشيو قد عاش بمدينة فلورنسا الإيطالية في ذات الفترة التي عاش فيها دانتي وبترارك، وقد شكل ثلاثتهم، الأعمدة التي شيد عليها صرح الأدب الأوربي من قصة وشعر، وكلهم مدين للثراث العربي الإسلامي في المجال الذي ابدع فيه. فقد أفاد دانتي في ملحمته الشعرية القصصية المسماة (الكوميديا الإلهية) من قصة الاسراء والمعراج الإسلامية كما وردت في الأحاديث النبوية وكما صورها الشيخ الصوفي الأندلسي ابن عربي في كتاباته المختلفة، واحتذى دانتي بابن عربي وشعراء التصوف الإسلامي وشعراء الغزل العذري بأن جعل معشوقته باتريشا رمزا للعشق الالهي ومرشدا له في رحلته الروحية الي السماء في الكوميديا. كما أفاد دانتي أيضا من رسالة الغفران لابي العلاء المعري. وأما بترارك فقد لعب دورا كبيرا في نشر قصيدة السونيت في أوربا، وهي نمط متطور من شعر التروبادور الذي نشأ بتأثير مباشر بفن الموشح والزجل الأندلسيين. واتخذ بترارك هو الآخر من معشوقته لورا، رمزا للعشق الالهي وكانت قد قضت في وباء الطاعون الذي وصفه بوكاتشيو في الدكاميرون. وبتأثير من دانتي وبترارك أصبحت رمزية الانثي للعشق الالهي والأشواق الروحية المبهمة، تقليدا متبعا في الآداب الأوربية حتى اليوم. (انظر كتابنا : الأثر العربي في نشاة الشعر الأوربي الحديث) .
هذا وبعد نحو أربعين سنة من نشر كتاب الدكاميرون وضع البريطاني جيفري شوشر ( ١٣٤٣- ١٤٠٠) مجموعة قصصية اطلق عليها اسم (حكايات كانتربري) بدأ كتابتها سنة١٣٨٧ م وفكرة هذه القصص تقوم على ان نفر من الحجاج المسيحيين كانوا في طريقهم إلى زيارة ضريح القديس صمويل بيكت في كانتربري، فاتفقوا في الحانة أو الفندق الذي كانوا ينزلون فيه على ان يحكي كل منهم قصتين في طريق الذهاب وقصتين في طريق العودة وذلك للترويح عن انفسهم وقتل الوقت. ولم تخرج مواضيع الحكايات عما ورد في الدكاميرون فشملت مواضيع قصص مكائد النساء وقصص التضحية والوفاء والزهد والبحث عن الحكمة، ونقد رجال الكنيسة، وبعض القصص استعارها تشوشر مباشرة من حكايات الف ليلة وليلة منها قصة (الحصان الطائر) وغيرها.
ومما لا شك فيه أن شوشر اقتفى في حكاياته أثر بوكاتشيو في الدكاميرون، فالثابت تاريخيا انه عمل سفيرا للبلاط الملكي البريطاني بجنوة وفلورنسا بإيطاليا في الفترة ما بين العام ١٣٧٢ والعام ١٣٧٣ وهناك التقى ببكاتشيو وبترارك. ويلقب شوشر في بريطانيا “ابو الشعر الانجليزي”، فهو اول شاعر انجليزي يستخدم القافية في الشعر إذ انه اول من كتب قصيدة سونيت على غرار السونيت الإيطالية بتأثير مباشر من بترارك الذي تأثر بالشعر العربي كما سبق البيان. وقصيدة السونيت تعد اول شعر أوربي مقفى، فشعر اليونان والرومان كان مرسلا بلا قافية. وكان الشعر الانجليزي قبل شوشر يخلو من القافية ويعتمد على النبر والسجع والجناس.
واذا كانت كل من الدكاميرون وحكايات كانتربري هي مجموعة قصص يجمعها ويضمها اطار مرجعي أو قصة رئيسة واحدة على غرار قصة شهرزاد والملك شهريار، فإن اول قصة أوربية كتبت على نسق الرواية الحديثة من حيث وحدة الموضوع، هي رواية (دون كيخوته) أو دون كيشوت كما بنطقها البعض للاسباني ميغيل دي ثرفانتيس (١٥٤٧- ١٦١٦).
وبالحديث هذه الرواية نكون قد انتقلنا للحديث عن مصدر عربي آخر من المصادر التي تأسست عليها الرواية في أوربا الا وهو أدب الفروسية النبيلة. ومعلوم ان أدب الفروسية والبطولات عند العرب يعود إلى العصر الجاهلي ويتجلي في صورة الشاعر الفارس كما هو الحال مع المهلهل وعنترة بن شداد والشعراء الصعاليك مثل عروة بن الورد والشفرى. ثم ظهر فن الملاحم والسير العربية في اواخر الدولة العباسية والتي تحكي عن سير هؤلاء الفوارس كما ابدعها المخيال العربي الشعبي عبر التاريخ. ومن هذه الملاحم سيرة سيف بن ذي يزن وسيرة عنترة بن شداد وسيرة الزير سالم الهلالي وغيرها. وقد انتقل أدب الفروسية النبيلة هذا الي أوربا في اواخر القرون الوسطى، فنشات في أوربا طبقة في النظام الاقطاعي تسمى طبقة الفرسان وذلك في الفترة مابين العام ١١٧٠ والعام ١٢٢٠ وارتبطت الفروسية في أوربا بما يسمى بقصص الرومانس التي تقوم على الحب العذري الذي يتخذ من المرأة رمزا الي كل القيم النبيلة السامية والأشواق البعيدة المنال بل اتخاذها رمزا الي العشق الالهي كما تجلى ذلك عند الشعراء التروبادور الذين استعاروا هذه المفاهيم والتقاليد من شعراء الغزل العذري العرب وشعراء التصوف الإسلامي.
في البحث الذي نشره سنة 1778م بعنوان: (حول أثر الأدب في عادات الشعوب القديمة والحديثة)، يقول المؤرخ وعالم اللغات والناقد الأدبي هردر: “ولما اكتسح العرب وعلى مدى قرون عديدة بعض أجزاء من أوربا وسكنوها، كان لابد أن يتركوا آثاراً من فنونهم الشعرية وعلومهم وعاداتهم وتقاليدهم، ولعل تأثير فنونهم لم يكن أقل من تأثير علومهم، التي كنا قد أخذناها بكاملها تقريباً من أيديهم.. وهكذا بدأ في الأفق الأوربي ذوق جديد يستشرف كل ما هو جديد ويشيد بالمغامرة، سواء اتصل منها بالأفعال أو الشرف أو الحب، ذوق أخذ يزحف بالتدريج من الجنوب إلى الشمال دون أن يلاحظ من قِبل أحد، وراح يختلط بالمسيحية وذوق الشعوب الشمالية. وغدت روح الفروسية الأوربية روحاً شرقية، فظهرت أناشيد بطولية وقصص تروي المغامرات والعجائب، وأثر ذلك كله تأثراً مذهلاً في أوربا”.
وتعد سيرة الفارس والشاعر عنترة بن شداد أكثر قصص الفروسية العربية انتشارا في أوربا القرون الوسطى حتى صارت نموذجا يحتذي في أدب الفروسية الأوربية. ويرى المستشرق البريطاني كلاوستون (١٨٤٣-١٨٩٦) في كتابه (اشعار عربية للقارىء الانجليزي)، أن سيرة عنترة هي النموذج الاسمي للفروسية العربية التي أثرت في نشاة أدب الفروسية في أوربا في القرون الوسطى. كذلك يذهب المستشرق والباحث السويسري تيتوس بوكهارت (١٩٠٨-١٩٨٤) إلى ان قيم الفروسية النبيلة مستمدة في جوهرها من الثقافة العربية، وان هذه القيم لم تكن معروفة في أوربا المسيحية قبل مجئ العرب. ويرى بوكهارت ان قيم الفروسية النبيلة قد امتزجت بالقيم الصوفية الروحية السامية.
جاء ذلك في كتاب بوكهارت (ثقافة المور في اسبانيا) والمور هو المصطلح الذي كان يطلقه مسيحيو أوربا على العرب وسكان شمال أفريقيا في اسبانيا إبان الحكم العربي الإسلامي. وقد استخدم شكسبير هذا المصطلح “المور” في مسرحية (اوتيلو) او عطيل. ويرى كثير من الباحثين ان شكسبير قد استلهم هذه المسرحية من سيرة عنترة بن شداد، فقد رسم شكسبير في المسرحية عطيل فارسا اسود البشرة من “المور” بشمال أفريقيا، فهو إذن افريقي عربي مثل عنترة. (يرد في بعض المصادر ان اسم المور يشمل سكان شمال أفريقيا من المغرب الى السودان والحبشة والصومال شرقا). هذا وكان المستشرق تيريك هاميلتون قام في ١٨٢٠ بترجمة أجزاء من سيرة عنترة في أربعة مجلدات تحت عنوان “عنترة: رومانسا بدوية” (Antar, a Bedoueen Romance).
هذا التمهيد التاريخي عن أدب الفروسية كان ضروريا للحديث عن رواية دون كيشوت، فهي من روايات الفروسية، ولكنها كتبت في بدايات القرن السابع عشر بعد انتهاء عصر الفروسية في أوربا بنحو ثلاثمائة سنة. والقرن السابع عشر كما هو معروف شهد مولد الثورة العلمية والصناعية وعصر الجماهير ودولة القانون في أوربا، كانما أراد مؤلف الرواية القول لقد انقضى عهد البطل الفرد الخارق ولن يعود.
فبطل الرواية دون كيشوت ينحدر من أسرة يعود جذورها الي طبقة النبلاء، فيقرا كثيرا عن أدب الفروسية، فيستهويه تاريخ اجداده الفوارس ويقرر ان يعيش مثلهم حتى ينتصر للمستضعفين والنساء، ويرد الظالمين ويقيم العدل ويهدي انتصاراته الي محبوبته التي تلهمه الشجاعة. فيمتشق سلاحه ويمتطي فرسه ويخرج سائحا في الأرض لدحر اعداء الإنسانية، فتصور له حماسته بعض ما يراه في صورة العدو الظالم ومن ذلك انه يرى طواحين الهواء فيخيل اليه هوسه بالفروسية انهم اعداء، فيستعد لمنازلتهم. ويستمر على هذا الحال سنين عددا حتى ينقذه من جنونه صديق قديم يتوصل إلى قناعة ان دون كيشوت لن يفيق من سكرته الفروسية الا اذا تعرض لمنازلة حقيقية من فارس مثله، فيطلب من دون كشيوت منازلته ولكنه اشترط عليه انه اذا انتصر فيجب على دون كيشوت ان يتخلى عن حياة الفروسية ويعود الي بلدته، وان انتصر دون كشيوت عليه، فإنه سوف يتنازل له عن فرسه وسلاحه، فيقبل دون كشيوت بالشرط وتجري المبارزة، فينتصر الصديق ويستسلم دون كيشوت ويعود الي بيته ليموت في النهاية على فراشه.
وخلاصة القول، كما يرى هيلتون جب، في بحثه المشار إليه انفا ان “سرفانتيس كان مديناً للثقافة الأندلسية في قصته دون كيشوت، فقد صرح بريسكوت انها قصة أندلسية بحتة لما يظهر فيها من لباقة وفطنة”.
وهنا يطرح سؤال نفسه، كيف وجد القصص العربي طريقه الي المجتمعات الأوربية؟
وللإجابة على السؤال نقول باختصار انه لا بد أن انتشرت القصص والملاحم العربية اول الأمر مشافهة في خلال فترة حكم العرب لاجزاء من أوربا: أسبانيا والبرتغال وجنوبي فرنسا ووجنوبي إيطاليا، ثم عن طريق العلاقات التجارية ورحلات الحجيج المسيحيين الي الاراضي المقدسة بفلسطين ومن خلال سكان المقاطعات البيزنطية ببلاد الشام.
ثم جاء عصر الترجمة، ترجمة علوم واداب وفنون العرب الي اللاتينية ما بين القرنين الثالث والرابع عشر وخاصة في عهد فريدريك الثاني (١١٩٤-١٢٥٠) ملك صقلية وامبراطور إيطاليا والمانيا معا، فقد كان عالما موسوعيا ويتحدث العربية بطلاقة، ومن حبه للحضارة العربية طرد من الكنيسة لرفضه المشاركة في الحروب الصليبية و رفضه الانصياع للبابا، وقد لقب “اعجوبة العالم” لعظمة انجازاته. وكذلك في عهد الفونسو العاشر (١٢٢١-١٢٨٤) والملقب بالحكيم، ملك قشتالة باسبانيا وليون بفرنسا، والذي سمى نفسه راعي الديانتين: المسيحية والإسلام، وكان هو الآخر عالما ومؤلفا للكتب ومتحدثا بالعربية. (هذه الصفحات من التاريخ الأوربي مغيبة وتكاد تكون مجهولة). ويرى كثير من الباحثين ان نقل علوم الحضارة العربية إلى اللاتينية الذي قام به كل من فريدريك الثاني والفونسو الحكيم في اواخر القرون الوسطى، يمثل النهضة الأوربية الأولى، وهي نهضة عربية خالصة.
هذا وكانت اللاتينية، لغة الإمبراطورية الرومانية، هي لغة التعليم والتأليف ودواوين الحكم والمراسلة بين الفلاسفة والأداء في اوربا، وظلت كذلك حتى القرن السابع عشر حين اكتمل استقلال اللغات القومية لشعوب اوربا عن اللاتينية. فكانت ان ظهرت اول ترجمة كاملة لحكايات الف ليلة وليلة إلى الفرنسية على يد المستشرق الفرنسي أنطوان غالاد في الفترة ما بين العام ١٧٠٤ والعام ١٧١٧ وذلك في نحو ١٢ مجلدًا. فتاثر بها أدباء فرنسا على نطاق واسع ويعد الأديب الفرنسي فولتير (١٦٩٤-١٧٧٨) مفكر الثورة الفرنسية، اكثر أدباء فرنسا تأثرا بهذه القصص، ونقل عنه قوله ان “لم يصبح كاتبا الا بعد أن قرأ الف ليلة وليلة اثنتي عشر مرة”. وقال هميلتون جب ان فولتير “كان يصوغ قصصه في قالب شرقي”. ومن ذلك روايته المعروفة (كانديد) ورواية Zadig (صادق) وهي قصة رمزية كتبها فولتير على طريقة الف ليلة وليلة وصادق اسم البطل، وقد نقلها الدكتور طه حسن إلى العربية وترجم العنوان (القدر) وهو العنوان الفرعي للرواية Ou la destinee غير ان طه حسين احتفظ في متن الترجمة بكتابة اسم البطل “ذديج” مبررا ذلك في مقدمة الترجمة بقوله: “وبطل هذه القصة فتى، يسميه فولتير ذديج، ونسميه نحن صادقا، وقد كدت اضع صادقا مكان ذديج في القصة كلها، ولكنني أثرت ان احتفظ فولتير باسم بطله كما اراده هو أن يكون”. ولا نرى سببا معقولا لهذا التردد. فصادق هو الاسم الذي أراده حقا فولتير لبطله. وصادق مشتق من الصدق، والصدق والأمانة أبرز ما يميز بطل القصة ولأجل ذلك نصبه سكان المدينة في نهاية القصة ملكا عليهم. كما ان موضوع القصة هو البحث عن الحكمة والحقيقة، والصدق أول شرط لبلوغ ذلك. أضف إلى هذا أن اسم محبوبة البطل هو “سمر” وأن المؤلف يستخدم في الاهداء المتخيل، في مستهل القصة، لفظ “السلطانة” للإشارة الي المهدى إليه، و”سعدي” اسما لكاتب الاهداء. والسلطانة هو لقب شهرزاد في الف ليلة وليلة. كما ان ذكر العرب وبلاد العرب يرد في أكثر من موضع بالقصة.
ومن كبار أدباء فرنسا الذين سحرتهم الثقافة العربية الاسلامية فيكتور هيجو (١٨٠٢-١٨٨٥) شاعر فرنسا الأكبر وصاحب رواية (البؤساء) الشهيرة. وكانت اول رواية يصدرها هوجو، وهو في سن الثانية والعشرين، من روايات الفروسية وقد اختار لها عنوان (هان الايسلندي). واللافت في هذه الرواية ان هوجو قد دبج أكثر من فصل من فصول هذه الرواية بأبيات مقتبسة من قصائد أبي الطيب المتنبي بنصها المترجم. مما يدل على أنه كان يتخذ من المتنبي نموذجا للفارس النبيل. وفكتور هوجو هو صاحب المقولة المشهورة: “كان الناس في عهد لويس الرابع عشر مقبلون على الدراسات الاغريقية، اما الآن فهم مقبلون على الدراسات الشرقية”. ويقول في مقدمة ديوانه (شرقيات): “صار الشرق صورة وفكرة، الشغل الشاغل، للعقول والمخيلة الأدبية، وقد خضع له مؤلف هذا الكتاب”. يعني نفسه.
ومن أعمال هوجو الشعرية (أسطورة القرون) وقد حوت قصائد في تمجيد الحضارة العربية والإسلام منها قصيدة في مدح النبي (ص) وصحابته الكرام بعنوان (العام التاسع للهجرة)، وقصيدة في مدح الخليفة عمر بن الخطاب باسم (شجرة الأرز)، وقصيدة أخرى تحت عنوان (آية من القرآن) تناصص فيها مع سورة الزلزلة.
واستمر تأثير الف ليلة وليلة على ادباء فرنسا حتى القرن العشرين، فاستلهم منها الفرنسي مارسيل بروست أحد رموز الحداثة، تقنية الزمن الدائري اللانهائي في الف ليلية وليلة وذلك في روايته الذائعة الصيت (في البحث عن الزمن المفقود) وفي الجزء الأخير من الرواية المسمى (الزمن المستعاد) استدعي حكاية شهرزاد وشهريار لمعالجة “ثيمة” استعادة الزمن بالذكريات.
وبتاثير من الترجمة الفرنسية سرعان ما ظهرت أول ترجمة في الإنجليزية في العام ١٧٠٦ بقلم المستشرق الانجليزي ريتشارد وارتون اختار لها عنوان (الليالي العربية) فاحدثت على الفور نهضة كبري فن السرد القصصي الانجليزي، فاخذ الكتاب يقلدونها بحماس شديد، ومن أوائل الروايات الإنجليزية تقليدا لها رواية دانيال دوفو (روبنسون كروز) وبعدها بقليل صدرت في
١٧١٩ رواية (رحلات جليفر) لجونثان سويفت، والروايتان محاكاة سافرة، كما سبق البيان، لرحلات السندباد البحري السبع في كتاب الف ليلة وليلة.
ومن اكثر الكتاب الإنجليز استلهاما لعوالم الف ليلة وليلة واسلوبها، روبرت لويس ستيفنسون صاحب رواية (جزيرة الكنز) والذي نشر أكثر من مجموعة قصصية تحت عنوان (الليالي العربية الجديدة). بل ان أشهر قصة “فانتازيا” في الأدب الانجليزي الحديث، وهي قصة (أليس في بلاد العجائب) لعالم الرياضيات الانجليزي لويس كارول والتي صدرت سن ١٨٦٥ لا تعدو ان تكون إعادة كتابة أوربية لقصص الف ليلة وليلة. كذلك تأثر بها تشارلس ديكنز في تقنيات القص، وذكر اسم (علاء الدين) في أكثر من رواية وذلك في إشارة إلى قصة (علاء الدين والمصباح السحري) في الف ليلة وليلة.
وفي القرن العشرين تأثر رائد الحداثة السردية جيمس جويس الايرلندي تاثرا عميقا بتقنيات السرد في الف ليلة وليلة وبلغتها وعباراتها الشعبية وذلك في روايته الأشهر (يوليسيس). كما أنه استخدم حيلة شهرزاد لتاجيل الموت بالحكي في روايته (يقظة فينيغان). كذلك في مجموعته القصصية (أهالي دبلن) نجده قد وظف في قصة تحمل عنوان (عربي) فانتازيا الف ليلة وليلة لتصوير قساوة الواقع.
ولم يتوقف تأثير الف ليلة ليلة على كتاب السرد القصصي في بريطانيا بل شمل حتى الشعراء الذين استلهموها في اشعارهم لا سيما الرومانتيكون نذكر منهم: ألفريد تينسون، وكولردج، وردزورث، وجون كيتس، ولورد بايرون والأخير ديوانا شعريا اسماه (حكايات شرقية) وامتد تأثر الف ليلة وليلة ليشمل الشعراء الرمزيون الإنجليز في القرن العشرين نذكر منهم وليم بلتر يتس.
وبتأثير من الترجمة الفرنسية ظهرت في تلك الفترة أيضا ترجمة الدنماركية للكتاب، فكتب على اثرها الدنماركي “اولنتشليجر” قصتان هما: (علي والوردة الهندية) وقصة (علاء الدين) التي صدرت في العام ١٨٠٨
وأما في أمريكا الشمالية فقد تركت الف ليلة وليلة اثرها العميق على الأديب ادجار ألن بو، أحد رواد فن القصة الحديثة في العالم، والأب الروحي للحركة الرمزية الفرنسية في الشعر، فقد أفاد من تقنيات السرد في الف ليلة وليلة في اجتراحه منهجه الرائد في قصص الرعب والخيال العلمي والقصص البوليسية الي درجة انه نشر قصة بعنوان: (ليلة شهرزاد الثانية بعد الالف).
وأما في روسيا فقد ظهرت اول ترجمة الي اللغة الروسية عن الترجمة الفرنسية وذلك في الفترة ما بين العام ١٧٦٣ والعام ١٧٧٤ بقلم الكسي فلاتييف، وياتي على رأس من تأثر بها ليو تولستوي والكسندر بوكشين إضافة إلى نيكولاي قوقل (١٨٠٩- ١٨٥٢) رائد الواقعية السحرية في الأدب الروسي والذي قال عنه ديسكوفيسكي: “كلنا خرجنا من عباءة قوقل”. وكانت قصة (العباءة) أو المعطف أبرز قصص قوقل وأكثرها تأثيرا، وبطلها موظف بسيط يسرق معطفه الذي اشتراه بشق الأنفس في أول يوم، فيمرض، ويموت من شدة البرد، ولكن شبحه يعود ليطارد الناس في الشوارع ويختطف منهم عباءاتهم! أيضا من قصص قوقل التي كان لها أعظم الأثر، قصة (الأنف) حيث يصحو البطل من النوم فلا يجد أنفه، فيشرع في مطارد الناس بحثا عن أنفه. وقد وتأثر بهذه القصة على وجه الخصوص التشيكي فرانز كافكا في قصته (المسخ) كما تأثر به كتاب العبث واللامعقول وعلى رأسهم الروماني يوجين يونسكو في مسرحية (الخرتيت) حيث يظهر فجأة حيوان “وحيد القرن” يطارد الناس في شوارع المدينة، ثم يكتشف الناس ان كل فرد منهم قد تحول إلى حيوان وحيد القرن.
وأما في ألمانيا، فقد كان للاستشراق الألماني القدح المعلى في لتقدير الآداب العربية والشرقية والاهتمام بنقلها الي اللغات الأوربية وذلك بفضل الدعوة إلى “الأدب العالمي” التي أطلقها في القرن الثامن عشر في ألمانيا أمثال هردر وشلر وشبلنغل وجوته، فظهرت ترجمات عديدة لحكايات الف ليلة وليلة الي الألمانية في القرن الثامن عشر وظلت تتوالى الترجمات الألمانية حتى القرن العشرين.
ويعد شاعر ألمانيا الاكبر جوته (١٧٤٩-١٨٣٢) أعمق الأدباء تأثرا، ليس بالف ليلة وليلة وحسب بل بالشعر الشرقي عامة والشعر العربي وبخاصة. وليس ادل على ذلك من ديوانه الشعري الذي اختار له اسم: (الديوان الشرقي للشاعر الغربي). ولم يكن جوته شاعرا وحسب بل كان قاصا وروائيا عظيما أيضا. والثابت وباعلانه هو من تلقاء نفسه أنه أفاد فائدة جذرية من حكايات (ألف ليلة وليلة) في العديد من أشعاره ورواياته ومسرحياته، لا من حيث الأسلوب والتنكيك والحكبة وحسب، بل ومن حيث المضامين والرؤى أيضا.
تقول كاتارينا مومزن الباحثة القديرة، وأستاذة الأدب الألماني في الجامعات الأمريكية، والمختصصة في أدب جوته، بكتابها (جوته والعالم العربي) إن جوته كان يكثر من الحديث في رسائله ومذكراته اليومية والمنقولة عن هذا السفر الأدبي “الذي هو ملك للعالم العربي لا من حيث اللغة، وحسب بل من حيث المحتوى أيضا، إذا إن الكثير من أجزائه، على أقل، تقدير مستقى من مصادر عربية”.
كان جوته، كما تقول، شديد الشغف بأحاديث “شهر زاد” في حكايات ألف ليلة وليلة التي سمعها من والدته ووجدته في أيام طفولته المبكرة ولم التي تمح من ذاكرته أبدا، ظل يستدعي ويستلهم “شهر زاد” في الكثير من أشعاره ويعبر على لسانها عن بواعث معينة ويلبسها أدوارأ وأفعالاً مختلفة. وكثيرا ما كان جوته يقارن نفسه بصفته شاعرا وروائيا، بشهر زاد، وكان يقول ذلك بوعي تام وبصورة مستمرة.
وترد كاتارينا مومزن، الجدة التي لاحظها الدراسون في أسلوب روايات جوته وحاروا في تفسيرها، إلى تأثر جوته بأسلوب السرد في حكايات ألف ليلة وليلة. فمثلاً إهمال البناء الشكلي في رواية (سنوات تجوال فلهم مايستر) سببه بحسب اعتراف جوته نفسه أنه كان ينهج نهج شهر زاد في اتباع طريقة تقوم على سرد “أقاصيص مختلفة” بصورة “متداخلة” وتقديمها في “باقة زهور متشابكة”.
وكذلك هدت (الف ليلة وليلة) جوته إلى طريقة الكتابة في رواية (سنوات التجوال) فقد استلهم فيها “طريقة السلطانة شهر زاد” في الحكي. فقد كان يرى أن جوهر السرد وروعته يكمنان فيما يسببانه “من حب استطلاع” قد “يستثار إلى حد جامح” ومن ثم ينبغي على القاص ان يسعى إلى “تعليق السرد للإسثارة” وشد السامع “بكل الأساليب الفنية” الممكنة.
وقد انتهج جوته هذا الأسلوب في مؤلفه (أحاديث مهاجرين ألمان) فنشره على شكل مسلسل مستلهما بذلك بصورة متعمدة “أسلوب ألف ليلة وليلة” حيث “يتشابك الحدث مع الحدث الآخر، ويُنسى الاهتمام بالحدث الآخر”. وهو الأسلوب نفسه الذي اتبعه جوته في الكتب التي تناول فيها سيرته الذاتية وبخاصة كتابه (شعر وحقيقة) وكتابه (الرحلة الإيطالية) وكان جوته يصف هذه الكتب بـ” الألف ليلة وليلة العجيبة في حياتي”.
ولم يقتصر تأثر جوته بالف ليلة وليلة بالبناء الشكلي وحسب بل استلهم بالقدر ذاته وفي الكثير من الحالات مادة وموضوعات ملموسة من هذا السفر العربي. وتشهد على هذا الاستلهام أعمال أدبية دبجها في مراحل حياته كافة ابتداء من عمله الدرامي المبكر (نزوة العاشق) وانتهاء بآخر أعماله وهو القسم الثاني من (فاوست). فكان يستعير جزئيات ومفردات مميزة وموضوعات وشخوصاً معينة معبرة، كما كان يستمد موضوعات أساسية (موتيفات) أو شخصيات تعينه على إضفاء جو سحري على بعض أجزاء نتاجه الأدبي. مومزن ص26
ففي مسرحيته (نزوة العاشق) استعار لبطلة المسرحية اسماً من إحدى قصص ألف ليلة وليلة وهو الاسم العربي (أمينة) ولكنه لم يكتف بذلك بل استعار كذلك المعالم الكلية لهذه الشخصية التي تلاحقها الغير ليتطابق المغزى المسرحية مع المغزى الذي انطوت عليه القصة الواردة في ألف ليلة وليلة حيث يدفع رجل الندم ثمناً لغيرته وشكه وسلوكه الأناني الفظ. مومزون ص27، والأمر نفسه ينطبق على حكاية جوته (باريس الجديد) ومؤلفه (ميلوسينة الجديدة) كما ينطبق على القصة الخرافية التي وردت بمؤلفه (أحاديث مهاجرين ألمان).
وأما في رواية (سنوات تجوال فلهم مايستر) يؤمي جوته بصورة واضحة إلى قصتي علاء الدين والمصباح السحري، وقصة حلاق بغداد بألف ليلة وليلة. كذلك في روايته (الأنساب المختارة) استعان جوته بقصة أبو الحسن وشمس النهار، مثلما أفاد في روايته (الأقصوصة) من حكاية الأمير أحمد والجنية باريبانو، من كتاب ألف ليلة وليلة.
ومن أكثر الأمور إثارة للدهشة تلك الآثار التي تركتها الف ليلة وليلة في القسم الثاني من (فاوست) إذ توجد مشاهد كبيرة تحاكي حكايات شهر زاد. فقد اتاحت قراءة جوته لكتاب الف ليلة وليلة كما تقول كاتارينا مومزن، الفرصة لإيجاد الحلول لمشكلات فنية كانت في غاية التعقيد وا لأشكال.
فمن أجل تبيان الطريق الذي يوصل فاوست إلى هلينيا استخدم الشاعر الأسلوب الذي سردت به أقاصيص الف ليلة وليلة، الطريق الطويل الموصل إلى كسب ود أميرة من الجن تعيش في عالم ناء. وفي “ليلة الفالبورج الكلاسيكية” يمر الطريق عبر بلاد الجن وتتخلله مشاهد لقاء بالجن عديدة وغير ذلك من المواقف المشابهة.
كما ان لقاء فاوست بهيلينيا ومشاهد احتفائه بها وزواجه منها وكذلك موضوع القصر في العالم السفلي كل هذا غدت ىصياغته الشعرية طوع بنان جوته حينما لجأ إلى استخدام بعض السمات والمعالم من الحكايات الشرقية.
كما يوجد كذلك بالفصل الأول من القسم الثاني من (فاوست) الكثير الكثير من المؤثرات التي تعود أصولها إلى ألف ليلة وليلة. فهناك مثلاً موضوع استخراج الكنز المدفون في باطن الأرض وموضوع المناظر السرية العديدة التي رافقت تنكر الأشباح وحكاية (تسويلر– تيرزيتس) وما جاء يها من صراع بشأن استحضار الأشباح وأوهام الحريق الكبير وكذلك موضوع الهيمنة على البحار وما شابه ذلك.
وفي نهاية الفصل الخاص بالمناظر السحرية التي رافقت تنكر الأشباح في (فاوست) نجد جوته يثني على ألف ليلية وليلة ويشيد بشهر زاد وذلك على لسان القيصر وهو يثني على مفيستوفليس الشخصية المسؤولة عن امتاع القيصر وتسليته، إذ قال في مشهد (حديقة السرور) البيت رقم 6031 وما بعده:
أي حظ طيب هذا الذي قادك إلى هنا،
مباشرة من ألف ليلة وليلة؟
لو استطعت أن تتشبه بشهر زاد في خصوبة عطاياها
لوعدتك وعدا صادقا بأثمن الهدايا
تأهب على الدوام (لتسليتي)
فما أكثر ما تبتليني أيام دنياكم
بأعظم الكروب والمنغصات.
خاتمة :
لا اريد لهذا البحث القصير ان يصنف في خانة ما يسمى بالادب المقارن على النحو الذي درجت عليه الدراسات العربية في هذا المجال، ذلك اننا نرى ان الأدب المقارن فيما يلي دراسة العلاقة بين الآداب العربية القديمة والآداب الأوربية الحديثة، حيلة أوربية ماكرة تتخفى تحت رداء البحث العلمي لوأد اي محاولة لتقصي جذور الاداب الأوربية الحديثة في تربة الثقافة العربية الإسلامية حتى تغدو الدراسة المقارنة ليس أكثر من مساواة بين النصوص محل البحث في القيمة التاريخية والفنية، فلا يكون هناك من فضل لسابق على لاحق وتميع القضية وتضيع نتائج البحث وخلاصاته المنطقية بحجة عالمية الأدب.
وأما نحن فنهدف بلا مواربة من هذا البحث إلى إثبات وتوكيد حقيقة ان فن السرد الاوربي الحديث من قصة ورواية قد تأسس نتيجة تأثير مباشر بفنون وتقنيات واساليب القصص في التراث العربي الإسلامي. ولا تزال هذه التقنيات والاساليب والرؤى هي التي يسير على هديها السرد القصصي الأوربي والعالمي، وقد تنوسي أصلها أو يكاد.
مصادر ومراجع:
١- جيوفاني بوكاتشيو، الدكاميرون، ترجمة صالح علماني، دار المدى، الطبعة الأولى ٢٠٠٦
٢- جوفيري تشوشر، حكايات كانتربري، ترجمة: مجدي وهبة وعبد الحميد يونس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
٣- دانتي، الكوميديا الإلهية، ترجمة حنا عبود، ورد للطباعة والنشر، سوريا، ٢٠٠٢
٤- سارفانتيس، دون كيشوت، ترجمة صياح الجهيم، دار الفكر اللبناني، الطبعة الأولى ١٩٩١
٥- فولتير، صادق (القدر)، ترجمة طه حسين، دار العلم الملايين، بيروت، الطبعة الخامسة ١٩٨٢ م.
٦- فيكتور هوجو، هان الآيسلندي، ترجمة زيادة العودة، وزارة الثقافة، سوريا، ط١، ٢٠٠
٧- ِجبّ، الأدب، بحث بكتاب: تراث الإسلام، ترجمة لجنة الجامعيين، القاهرة، طبعة 1983، (صدر الكتاب بالإنجليزية سنة 1931 عن جامعة أكسفورد: Legacy of Islam، وشارك فيه عدد من المستشرقين، ونُقل إلى العربية في الطبعة الأولى سنة 1936 عن اللجنة الجامعية للتأليف والترجمة والنشر بالقاهرة. وأعاد المركز القومي للترجمة بالقاهرة طباعته سنة 2007). ص ١٩٠، ١٧٦، ٢٠٢
٨- اسين بيلاثيوس، أثر الإسلام في الكوميديا الإلهية، ترجمة جلال مظهر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، طبعة ٢٠١٥
٩- كاتارينا مومزن، جوته والعالم العربي، ترجمة عدنان عباس، مراجعة د. عبد الغفار مكاوي، سلسلة عالم المعرفة، رقم 194، الكويت، فبراير 1995، ص ٢٤، ٢٦، ٢٧، ٢٨
١٠- نيكولاي غوغل، قصص، دار رادوغا، موسكو، ١٩٨٧
١١- عبد المنعم الفَيا، الأثر العربي في نشاة الشعر الأوربي الحديث، دار المصورات، ٢٠٢٤
The Legacy of Islam, Oxford University Press, 1931
The Penguin Dictionary of Literary Terms and Literary Theory, 1999
Oxford Concise Companion to English Literature, 1996
Gulliver’s Travels, Jonathan Swift, Penguin Books, 1994
عبد المنعم عجب الفَيا
٥ أبريل ٢٠٢٦
abusara21@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم