اذا كان هناك من يعتقد بان سياسات التحرير و الخصخصة كلها ايجابيات و تؤدي الي الكفاءة و ضبط الجودة فهو علي خطأ عظيم. لا يمكن للسوق ان يعمل حتي في ظل المنافسة الكاملة بكفاءة دون رقابة و توجيه و ضبط حكومي . اما خصخصة الخدمات العامة في بلد مثل السودان فهي أس للبلاء و محور للشر لان هنالك الكثير من المحاذير حولها مثل الفقر الجماهيري الكبير في الريف و الحضر و تدني الدخول لدرجة لا تكفي لسد الحاجات الاساسية للعيش، يضاف لكل ذلك ضعف الرقابة في بلد كبير مثل السودان تسود بعض مناطقه الإضرابات و العنف ، هذا فضلا عن ضعف الأجهزة الرقابية المؤسسية المختصة للدولة خاصة في الخدمة المدنية و عدم وجود القوانين المدنية التي تحكم جميع انواع المعاملات و الخدمات و تضمن جودتها و تكفل حق التقاضي الناجز و تردع المخالفين و تضمن التعويض المجزي للمتضررين . كما ان هناك بدائية في التعامل الاقتصادي و قلة في الوعي مع وجود الأمية بنسب غير قليلة. لقد كان تقديم الخدمات العامة خاصة في الصحة و التعليم من اختصاص الدولة لقرون في الدول المتقدمة اقتصاديا بل و لا زال حتي الان في العديد من تلك الدول اما بشكل مباشر او عبر انظمة متطورة و فاعلة للتأمين الصحي مع ملاحظة ان التأمين الصحي في الدول المتقدمة يرتبط بنظام الضمان الاجتماعي و بالتالي فهو غير مرهق للأفراد و مغطي بشكل ممتاز لتكلفة العلاج الباهظة.
لكل الأسباب التي أوردناها و للعشرات غيرها التي تفصلها الدراسات المختصة فان خصخصة خدمات التعليم و الصحة في السودان ادت الي ثمن باهظ تدفعه البلاد في صحة مواطنيها و في تعليم الابناء و البنات و ضمان كفاءة تأهيلهم و اخراجهم الي الحياة بقدرة علي المنافسة و الاعتماد علي الذات بعد تخطي عتبة البطالة بالطبع. من الامثلة علي ذلك ما جاء في تصريح السيد بارمينا اوريال وزير الصحة بولاية الخرطوم و الذي ذكر فيه ” ان وزارته قد وجدت مخالفات خطيرة في خمسة وعشرين من المستشفيات الخاصة بالولاية … شملت المخالفات وجود اجهزة و معدات تحتاج لصيانة … و وجود ادوية منتهية الصلاحية..” ، الايام،السبت، 21 فبراير 2009م. هذا فقط في ولاية الخرطوم و يمكن ان يذهب بنا التفكير الي ان هذا قليل من كثير في ظل ضعف الرقابة و عدم تغطيتها لجميع المستشفيات و لجميع العناصر التي تجب مراجعتها اضافة لسعة الحيلة في التهرب من القانون خاصة لدي الجهات النافذة كما يحدث في حالة التهرب من المراجعة العامة.السؤال هو ما هي نتائج تلك المخالفات علي صحة المواطنين الذين تلقوا العلاج بتلك المستشفيات؟ و هل رصدت الوزارة مثل تلك النتائج مثل الناتجة عن العلاج بدواء منتهي الصلاحية مثلا؟ و اذا كان ذلك هو حال المستشفي بكامله فما هو حال العيادات الخاصة به ؟ و ما مدي نجاح ما يتم فيه من عمليات جراحية مثلا؟
عما قريب ستأتي امتحانات الشهادة السودانية و برصد نتأئج المدارس الحكومية و مقارنتها بالمدارس الخاصة و المدارس النموذجية التي تشبه الخاصة في كثير من جوانبها ستكتمل اعراض امراض الخصخصة علي الخدمات العامة و ستكتمل الصورة في مشهد خطير جدا. ندعو هنا الي ضرورة زيادة الانفاق العام علي الخدمات العامة و تطوير المستشفيات و المدارس الحكومية التي لا غناء لهذا الوطن عنها . و بالعلاج و التعليم نقدم الانسان السليم الذي يستطيع البناء و مواجهة تحديات المستقبل.
mnhassanb8@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم