محمد صالح محمد
تنسلُّ خيوطُ الشجن من بين أصابع الوقت لتنسج رداءً من ليلٍ سرمديٍّ يلتفُّ حول روحي. ها أنا أقفُ في منتصفِ العمر أو ربما في منتصفِ الوجع أتحسسُ جدرانَ قلبي الباردة فلا أجدُ سوى صدىً خافتٍ لضحكاتٍ غادرتني منذ زمن وبقايا ملامحَ غسلتها أمطارُ الخذلان.
أنا المهجورُ في هذه الدنيا لستُ مجرد جسدٍ يسيرُ على الأرض بل أنا حكايةٌ كُتبت بحبرِ الدموع على ورقٍ مهترئ لم يقرأها أحد ولم يشعر بمرارة فصولها إنسان. أسيرُ في الزحام فتبدو الوجوهُ حولي كضبابٍ كثيف؛ يمرون بي ولا يرون النزيف الصامت في أعماقي. أنا الغريبُ الذي ألفَ الغربة حتى صارت وطنه والوحيدُ الذي صادقَ جراحه حتى باتت أنيسه الوحيد.
ترانيم الفقد تحت ضوءِ القمر …
في كل ليلة أفتحُ نافذةَ ذاكرتي لتطلَّ منها أشباحُ الراحلين. أولئك الذين وعدوا بالبقاء ثم رسموا بظهورهم أقسى لوحات الوداع. يا لمرارة أن تكون “خياراً ثانياً” أو “محطةً عابرة” في حياة من جعلتهم أنت كل حياتك. لقد هجروني ليس لأنني لم أكن كافياً بل لأن قلبي كان أعجز من أن يكره وأضعف من أن يمنعهم من الرحيل.
أراقبُ القمرَ الحزين في كبد السماء وأشعر بصلةِ قرابةٍ غريبةٍ معه؛ كلينا يسكنُ العتمة وكلينا يحاولُ أن يضيءَ للآخرين بينما يحترقُ هو في سكونه. لكن الفرقَ بيننا أن للقمر نجوماً تؤنسُ وحدته أما أنا فلا أملكُ سوى دمعةٍ حرّى تأبى السقوط مخافةَ أن تجرحَ وجنتَيّ اللتين اعتادتا ملمسَ الأسى.
شتاءُ الروح الذي لا ينتهي …
الحياةُ بالنسبة لي لم تعد سوى فصولٍ من الشتاء القارس. الكلماتُ تتجمدُ في حنجرتي قبل أن تولد والأحلامُ تتساقط كأوراقِ الخريف اليابسة تدوسها أقدامُ العابرين دون اكتراث. بحثتُ عن يدٍ تمسكُ بيدي في لحظاتِ انهياري فوجدتُ يديّ تشبكان بعضهما البعض في عِناقٍ يائس.
يا أيها العالمُ الموغلُ في القسوة لماذا تركتني وحيداً أصارعُ أمواجَ الحزنِ بمجذافٍ مكسور؟ أنا الذي منحتُ الدفءَ لكل من مرَّ بساحة قلبي لماذا أُركتُ الآن في صقيعِ الإهمال؟ كأنني قصيدةٌ مهملة في درجِ شاعرٍ اعتزلَ الكتابة أو نوتةٌ موسيقيةٌ حزينة عُزفت مرةً واحدة ثم طواها النسيان.
سأبقى هكذا أنا والليلُ وسجيّةُ الحزن ننتظرُ فجراً قد لا يأتي ونقتاتُ على فتاتِ ذكرياتٍ ذبُلت. أنا المهجورُ الذي علمتهُ الأيام أن الوحدة ليست قدراً بل هي ضريبةُ الصدق في زمنِ الزيف وثمنُ الوفاء في عالمٍ لا يعرفُ سوى الرحيل.
سأهوي بجسدي المتعب فوق رصيف الانتظار ليس لأنني أنتظر أحداً بل لأنني لم أعد أقوى على حمل خيباتي أكثر.
سأغمض عينيّ وأترك العالم يركض من حولي تاركاً خلفي قلباً نزف حتى جف وروحاً نادت حتى بُحّ صوتها في وادٍ سحيق من الصمت.
عندما يحين رحيلي الأخير لا تضعوا على قبري ورداً فقد ذبل الورد في صدري منذ سنين؛ ولا تبكوا عليّ فدموعكم اليوم لن تمحو جرح دهورٍ من النسيان.
اتركوا “المهجور” ينام بسلام تحت ترابٍ سيكون ألطف بي من قلوب البشر ولتكتبوا على شاهدي بخطٍ مكسور “هنا يرقد من منحه الجميعُ ظهره حتى وجد في الموتِ الحضن الوحيد الذي لم يخذله”.
سأرحل كما عشت غريباً، صامتاً، ومحملاً بحزنٍ لا تسعه الأرض ولا تمحوه مرارة الكلمات.
binsalihandpartners@gmail.com
