في واحدة من أكثر الحملات الإعلامية سطحيةً التي ظهرت مؤخرا ، خرج عدد من الصحفيين والصحفيات السودانيين في العاصمة الخرطوم وهم يطرحون سؤالًا استنكاريًا عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي” أين الكيماوي؟ “
بعضهم تنسّم هواء العاصمة، وبعضهم تجوّل في شوارعها، وآخرون أجروا حوارات مع بعضهم البعض، ثم عادوا ليطرحوا السؤال وكأنهم قد قدموا بذلك دليلًا ينفي استخدام الأسلحة الكيميائية!
والحقيقة أن السؤال في حد ذاته مشروع بل هو سؤال مهم للغاية… لكن المشكلة ليست في طرح السؤال وإنما في الطريقة السطحية التي جرى بها التعامل معه.
فإذا كانت هناك اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية في الحرب السودانية فإن التعامل المهني معها لا يكون بجولة في شوارع الخرطوم ولا باستنشاق الهواء ولا بسؤال عابر لمواطن… ” هل رأيت كيماوي؟ “
القضية ببساطة جدا هي قضية تحقيق علمي وفني معقد.. تحتاج إلى جمع الأدلة وتحليلها ومقارنته وليس إلى أداء إعلامي يقوم على السخرية والاستنكار.
كان المنتظر من الصحفي الذي يريد اختبار صحة هذه الاتهامات أن يبدأ بطرح عدد من الاسئلة المهمة .. ما هي الأدلة التي استندت إليها الجهات التي اتهمت الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية؟ .. ما طبيعة هذه الأدلة؟ .. أين وقعت الحوادث المزعومة؟ .. متى حدثت؟ .. من هم الشهود؟ ماذا عن التقارير الطبية؟ .. هل جمعت عينات من التربة أو المياه أو بقايا الذخائر؟ .. هل خضعت هذه العينات للفحص في مختبرات مستقلة؟ … هل توجد صور أو مقاطع فيديو لهذ1ه الحادثة؟ .. ما هو موقف منظمة حظر الاسلحة الكيميائية؟ … ما هو موقف الحكومة السوادنية من ذلك و الخطوات الجادة التي اتخذتها تجاه هذه الإتهامات؟ إ1ذن هذه الاسئلة و غيرها كان ينبغي أن تشغل الصحفيين، بدلًا من الاكتفاء بالظهور في شوارع الخرطوم وطرح السؤال الساخر “أين الكيماوي؟” في حملة اعلامية هزيلة فيها نوع من العباطة و الهبل من the Bunch of Idiots .
إذن القضية ليست أن ترى الكيميائي بعينيك … هناك خطأ جوهري في الطريقة التي تعامل بها هؤلاء الجوغة من الصحفيين مع القضية، وهو افتراض أن السلاح الكيميائي شيء يمكن أن يراه الصحفي بعينيه في الشارع .. أو أن آثاره يجب أن تظل ظاهرة حتى وصوله إلى موقع التصوير. و بالطبع هذا تبسيط شديد لقضية علمية وأمنية معقدة. فالتحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية يعتمد على الأدلة المادية والبيئية والطبية والجنائية إلى جانب شهادات الضحايا والشهود والمعلومات الاستخبارية والأدلة الرقمية.
ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية نفسها توضح أن التحقيقات في حالات الاستخدام المزعوم تعتمد على مقابلة المصابين والمستجيبين الأوائل والأطباء والشهود، إضافة إلى جمع العينات البيئية والطبية والأدلة المادية وتحليلها علميًا. وبالتالي فإن عدم وجود آثار ظاهرة في الشارع وقت وصول الصحفي لا يثبت عدم وقوع استخدام سابق لمادة كيميائية، كما أن وجود أعراض معينة وحده لا يثبت بالضرورة استخدام سلاح كيميائي.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية التحقيق العلمي المستقل. ثم تأتي التقارير الدولية التي لا تقل أهمية من ذلك وقد اعلنت الولايات المتحدة رسميًا أنها خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024، واتخذت إجراءات وعقوبات على هذا الأساس … بينما نفت الحكومة السودانية الاتهامات وأكدت التزامها باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
والأكثر أهمية أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية نفسها أصبحت طرفًا في النقاش الدولي حول القضية حيث طُرحت أسئلة رسمية بشأن ما إذا كانت الأسلحة الكيميائية قد استُخدمت في النزاع السوداني؟ وكيف يمكن ضمان أن يكون التحقيق السوداني في هذه الاتهامات مستقلًا وموضوعيًا وقابلًا للتحقق؟
تلي ذلك تحقيقات مهمة جدا .. ففي 5 سبتمبر 2026 نشرت صحيفة واشنطن بوست تحقيقًا موسعًا استند إلى مجموعة من الوثائق والفيديوهات والرسائل والمواد التي قالت الصحيفة إنها حصلت عليها وراجعتها مع أكثر من عشرين مسؤولًا وخبيرًا في الاستخبارات والأسلحة الكيميائية وحقوق الإنسان. وذكرت الصحيفة أن الخبراء رأوا في المواد مؤشرات قوية ومتسقة مع وجود برنامج للأسلحة الكيميائية … لكنها في الوقت نفسه نقلت عن الخبراء أن الوصول إلى مواقع الأسلحة والشهود والأدلة الميدانية يظل ضروريًا للوصول إلى حسم نهائي.
وهنا تظهر الدعاية الاعلامية الرخيصة التي كان أبطالها صحفيين رخيصي القيمة قليلي المعرفة فاقدي الاحترافية المهنية فبينما ينشغل بعض الصحفيين السودانيين بسؤال ” أين الكيماوي؟” ينشغل صحفيون ومختصون دوليون بالسؤال الأكثر جدية: أين الأدلة؟ وكيف يمكن فحصها؟ وهل تتطابق مع المعايير العلمية والقانونية لإثبات استخدام سلاح كيميائي؟ و من هذا نخلص الى ان التحقيقات الدولية لا تكتفي بالإدعاء كما أن التقارير الصحفية الدولية التي تناولت الموضوع لم تقل إن مجرد الادعاء يكفي لإثبات الجريمة .. بل لجأت إلى فحص الوثائق والمواد الرقمية والاستعانة بخبراء متخصصين.وفي تحقيق واشنطن بوست الأخير، على سبيل المثال، خضعت بعض المواد الصوتية والصور والفيديوهات لفحوصات جنائية رقمية وشارك في تحليلها متخصصون في الأدلة الرقمية والصوتية والصور … ومع ذلك أبقت الصحيفة على قدر من التحفظ بشأن ما يمكن إثباته بصورة نهائية من تلك المواد. وهذا هو الفارق بين الصحافة المهنية والدعاية السياسية.
الصحفي المهني لا يبدأ من النتيجة التي يريد الوصول إليها ثم يبحث عما يؤيدها… وإنما يجمع الأدلة … ويستمع إلى جميع الأطراف ثم يبحث عن الأدلة المؤيدة والناقضة، ثم يترك للوقائع أن تقوده إلى النتيجة… أما أن يأتي صحفي إلى الخرطوم، يتجول في شوارعها، ثم يستنشق الهواء ويقول بسذاجة ” أين الكيماوي؟” فهذا لا يُثبت شيئًا … لا لصالح الاتهام ولا لصالح النفي. بل يزيد من الشكوك و يضر بالقضية.
أ. غازي محي الدين عبد الله
سلطنة عمان
