باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 20 مايو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

إدارة الانتخابات وإعادة بناء الدولة في السودان (الجزء الثالث)

اخر تحديث: 20 مايو, 2026 2:12 مساءً
شارك

إدارة الانتخابات وإعادة بناء الدولة في السودان: نحو نموذج توافقي قائم على التمثيل النسبي في الدول الهشة (الجزء الثالث)

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

ثالثاً: خصائص الانتخابات في الدول الهشة

  1. البيئة الأمنية غير المستقرة

تُعد البيئة الأمنية غير المستقرة من أخطر العوامل المؤثرة على نزاهة الانتخابات وفعاليتها في الدول الهشة، إذ ترتبط الانتخابات في هذه السياقات غالباً باستمرار النزاعات المسلحة وضعف احتكار الدولة للعنف المشروع، مما يحول العملية الانتخابية من آلية سلمية لتداول السلطة إلى امتداد للصراع السياسي والعسكري (Collier, 2009). وتؤكد الدراسات المقارنة أن احتمالات العنف الانتخابي ترتفع بصورة ملحوظة في الدول الخارجة من النزاعات أو التي تعاني من هشاشة مؤسسية، خاصة عندما تكون نتائج الانتخابات مرتبطة بإعادة توزيع السلطة والثروة والموارد بين جماعات متصارعة (Höglund, 2009).

انتشار السلاح.
يؤدي الانتشار الواسع للأسلحة الخفيفة والمتوسطة داخل المجتمع إلى تقويض البيئة الانتخابية السلمية، حيث تصبح المنافسة السياسية مرتبطة بإمكانية استخدام القوة المسلحة لفرض النفوذ أو التأثير على الناخبين. وفي العديد من الدول الهشة، لا تحتكر الدولة وسائل العنف، بل تتقاسمها مع جماعات قبلية أو إثنية أو مليشيات محلية أو حركات تمرد (World Bank, 2011). وفي السودان، ساهمت عقود الحرب الأهلية في جنوب السودان ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق في انتشار ملايين القطع من السلاح وسط المدنيين والجماعات المسلحة، مما زاد من احتمالات العنف السياسي خلال الفترات الانتخابية.

المليشيات المسلحة.
يشكل وجود المليشيات المسلحة تحدياً مباشراً لأي عملية انتخابية، لأنها غالباً ما تمتلك نفوذاً أمنياً واقتصادياً يتجاوز سلطة الدولة في بعض المناطق. وتستخدم بعض المليشيات الانتخابات كوسيلة لإضفاء شرعية سياسية على نفوذها العسكري أو لابتزاز الدولة والمجتمع الدولي (de Waal, 2015). وفي حالات عديدة مثل العراق وليبيا وأفغانستان، لعبت الجماعات المسلحة دوراً حاسماً في التأثير على التصويت أو منع إجراء الانتخابات في بعض المناطق.

صعوبة تأمين مراكز الاقتراع.
تعاني الدول الهشة من ضعف القدرة اللوجستية والأمنية اللازمة لتأمين مراكز الاقتراع، خاصة في المناطق النائية أو التي تشهد نزاعات مسلحة. وتؤدي هذه الصعوبات إلى انخفاض المشاركة السياسية أو إلغاء التصويت في بعض المناطق، وهو ما ينعكس سلباً على شرعية الانتخابات (UNDP, 2020). وفي السودان، تعاني مناطق واسعة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق من ضعف البنية التحتية وصعوبة الوصول الجغرافي، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بالنزاعات المسلحة.

استخدام العنف والترهيب السياسي.
تُستخدم أعمال العنف والترهيب السياسي للتأثير على سلوك الناخبين أو منع المنافسين من ممارسة نشاطهم السياسي بحرية. ويشمل ذلك الاعتداءات الجسدية، والتهديدات، وحرق مقار الأحزاب، واستخدام الخطاب التحريضي (Höglund, 2009). وغالباً ما يكون العنف الانتخابي أكثر حدة في البيئات التي تتداخل فيها الولاءات القبلية والعسكرية مع التنافس السياسي.

استهداف المرشحين والناشطين.
تشهد الدول الهشة معدلات مرتفعة من استهداف المرشحين السياسيين والصحفيين والناشطين المدنيين، سواء عبر الاعتقالات أو الاغتيالات أو التهديدات الأمنية. ويؤدي ذلك إلى إضعاف التعددية السياسية وتقليص فرص المنافسة الحرة (Collier, 2009).

تسييس الأجهزة الأمنية والعسكرية.
في العديد من الدول الهشة، لا تتمتع الأجهزة الأمنية والعسكرية بالحياد المؤسسي، بل تكون مرتبطة بالنظام الحاكم أو بجماعات سياسية معينة، مما يؤدي إلى استخدامها للتأثير على نتائج الانتخابات أو قمع المعارضة (Levitsky and Way, 2010). وقد أدى تسييس القوات النظامية في السودان تاريخياً إلى تدخل المؤسسة العسكرية بصورة متكررة في الحياة السياسية والانقلابات العسكرية.

ضعف القدرة على حماية الناخبين والمراقبين.
تعجز الدول الهشة غالباً عن توفير الحماية الكافية للناخبين والعاملين في اللجان الانتخابية والمراقبين المحليين والدوليين، خاصة في المناطق التي تسيطر عليها جماعات مسلحة أو تشهد نزاعات مستمرة. ويؤدي ذلك إلى تقويض الثقة في العملية الانتخابية وتقليل المشاركة السياسية.

احتمالات انهيار العملية الانتخابية أثناء التصويت أو بعد إعلان النتائج.
تزداد احتمالات انهيار العملية الانتخابية في البيئات الهشة بسبب ضعف المؤسسات الأمنية والقضائية وارتفاع مستويات الاستقطاب السياسي. وفي بعض الحالات، تؤدي النزاعات حول النتائج إلى اندلاع مواجهات مسلحة أو احتجاجات واسعة النطاق، كما حدث في كينيا عام 2007 وساحل العاج عام 2010 (Bratton, 2013).

وجود مناطق خارج سيطرة الدولة تعيق إجراء انتخابات شاملة.
تواجه الانتخابات في الدول الهشة مشكلة وجود مناطق لا تخضع لسيطرة الحكومة المركزية، مما يمنع إجراء انتخابات شاملة ومتساوية. وفي السودان، ظلت بعض المناطق المتأثرة بالنزاعات المسلحة خارج السيطرة الكاملة للدولة لفترات طويلة، وهو ما أثّر على شمولية العمليات الانتخابية.

استخدام النازحين واللاجئين كورقة سياسية في التنافس الانتخابي.
يتحول النازحون واللاجئون في كثير من الأحيان إلى موضوع للتجاذب السياسي، سواء عبر التلاعب بحقوقهم الانتخابية أو استخدام أوضاعهم الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية. ويؤدي النزوح الواسع إلى تعقيد عمليات التسجيل والاقتراع وتوزيع الدوائر الانتخابية (UNHCR, 2021).

تداخل الصراع المسلح مع العمليات الانتخابية في بعض الأقاليم.
في البيئات الهشة، قد تتزامن العمليات العسكرية مع الحملات الانتخابية أو التصويت، مما يؤدي إلى عسكرة المجال السياسي وتقويض الطابع المدني للانتخابات. وفي السودان، ارتبطت العديد من المراحل الانتقالية باستمرار النزاعات المسلحة في الأطراف، مما حد من فرص بناء عملية انتخابية مستقرة.

  1. ضعف مؤسسات الدولة

يُعد ضعف مؤسسات الدولة من أبرز الخصائص البنيوية المؤثرة على الانتخابات في الدول الهشة، إذ تعتمد نزاهة الانتخابات وفعاليتها على وجود مؤسسات مستقلة وقادرة على إدارة العملية الانتخابية بصورة مهنية ومحايدة (North et al., 2009). وعندما تكون مؤسسات الدولة ضعيفة أو مخترقة سياسياً، تتحول الانتخابات إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة بدلاً من كونها وسيلة للتداول السلمي للسلطة.

ضعف القضاء.
يمثل القضاء المستقل أحد أهم الضمانات الأساسية لنزاهة الانتخابات، لأنه الجهة المسؤولة عن الفصل في الطعون والنزاعات الانتخابية. وفي الدول الهشة، يعاني القضاء غالباً من التسييس وضعف الاستقلال المالي والإداري، مما يؤدي إلى فقدان الثقة في قدرته على حماية الحقوق السياسية (Diamond, 2008).

ضعف المفوضيات الانتخابية.
تعاني المفوضيات الانتخابية في الدول الهشة من ضعف الاستقلالية ونقص التمويل والخبرات الفنية، إضافة إلى التدخلات السياسية في تعيين أعضائها. ويؤدي ذلك إلى التشكيك في حياديتها وقراراتها الإدارية (IDEA, 2014).

محدودية السجل المدني.
يؤثر غياب سجلات مدنية دقيقة على عملية تسجيل الناخبين وتحديد الدوائر الانتخابية، كما يزيد من احتمالات التزوير أو الاستبعاد غير العادل لبعض الفئات السكانية.

ضعف البنية الإدارية المحلية.
تعاني الإدارات المحلية في كثير من الدول الهشة من نقص الكوادر والموارد، مما يحد من قدرتها على تنظيم الانتخابات وإدارة المراكز الانتخابية بكفاءة.

الفساد الإداري والسياسي.
يؤدي الفساد إلى استغلال الموارد العامة لصالح أحزاب أو مرشحين معينين، كما يضعف ثقة المواطنين في نزاهة الدولة والعملية الانتخابية (Transparency International, 2022).

التدخل التنفيذي في عمل المؤسسات الانتخابية.
غالباً ما تتعرض المؤسسات الانتخابية لضغوط من السلطة التنفيذية، سواء عبر التحكم في التمويل أو التأثير على القرارات الإدارية والقانونية.

ضعف الكوادر الفنية والتقنية.
تتطلب الانتخابات الحديثة خبرات فنية متقدمة في مجالات التسجيل الإلكتروني وإدارة البيانات والاتصالات، لكن الدول الهشة تعاني غالباً من نقص الكوادر المؤهلة.

غياب نظم معلومات دقيقة وشفافة.
يؤدي غياب البيانات الدقيقة حول السكان والدوائر الانتخابية إلى اختلالات كبيرة في التمثيل السياسي وتوزيع المقاعد.

غياب استقلال الخدمة المدنية عن السلطة السياسية.
عندما تخضع الخدمة المدنية للولاءات الحزبية، يتم توظيف أجهزة الدولة لخدمة الحزب الحاكم بدلاً من العمل بصورة محايدة.

ضعف آليات الرقابة والمحاسبة داخل الدولة.
تؤدي هشاشة مؤسسات الرقابة إلى زيادة احتمالات التزوير واستغلال السلطة أثناء الانتخابات.

تآكل المهنية داخل المؤسسات العامة بسبب التسييس.
يسهم التسييس المستمر للمؤسسات العامة في إضعاف الكفاءة الإدارية وتحويل الوظائف الحكومية إلى أدوات للولاء السياسي بدلاً من المهنية.

  1. الانقسامات الاجتماعية والإثنية

تشكل الانقسامات الاجتماعية والإثنية أحد أهم العوامل المؤثرة على الانتخابات في الدول الهشة، حيث تتحول الانتخابات غالباً إلى ساحة للتنافس بين الهويات الجماعية بدلاً من البرامج السياسية (Horowitz, 1985). وفي هذه السياقات، يصبح التصويت مرتبطاً بالانتماء القبلي أو الإثني أو الديني أكثر من ارتباطه بالرؤى الاقتصادية أو السياسية.

التصويت الهوياتي.
يعتمد كثير من الناخبين في الدول المنقسمة على الهوية الإثنية أو القبلية أو الدينية كأساس للتصويت، وهو ما يؤدي إلى تعزيز الاستقطاب السياسي وإضعاف الأحزاب البرامجية.

الاستقطاب القبلي والإقليمي.
تتحول الانتخابات في بعض الأحيان إلى منافسة بين الأقاليم أو القبائل، مما يؤدي إلى تصاعد التوترات الاجتماعية وربما العنف السياسي (Bratton, 2013).

التعبئة السياسية على أسس دينية وإثنية.
تلجأ بعض الأحزاب إلى استخدام الخطاب الديني أو الإثني لحشد الناخبين، وهو ما يعمق الانقسامات الاجتماعية ويقوض مفهوم المواطنة المتساوية.

إعادة إنتاج النزاعات التاريخية أثناء الحملات الانتخابية.
تُستخدم الذاكرة التاريخية للنزاعات السابقة كأداة للتعبئة السياسية، مما يؤدي إلى إعادة إحياء الصراعات القديمة داخل المجال الانتخابي.

تحول الانتخابات إلى استفتاء على الهوية لا على البرامج السياسية.
بدلاً من التنافس حول السياسات العامة، تصبح الانتخابات منافسة بين هويات جماعية متصارعة، وهو ما يضعف فعالية الديمقراطية التمثيلية.

تهميش الأقليات الصغيرة وضعف تمثيل النساء والشباب.
غالباً ما تعاني الأقليات الصغيرة والفئات المهمشة من ضعف التمثيل السياسي بسبب هيمنة الجماعات الكبرى والشبكات التقليدية للسلطة.

تسييس الانتماءات القبلية داخل العملية الانتخابية.
تستخدم الزعامات القبلية نفوذها الاجتماعي للتأثير على التصويت، مما يعزز الولاءات التقليدية على حساب المواطنة والمؤسسات الحديثة.

ضعف الأحزاب البرامجية مقابل الأحزاب الطائفية والجهوية.
تعاني الدول الهشة من ضعف الأحزاب القائمة على البرامج السياسية الحديثة، مقابل صعود الأحزاب المرتبطة بالطوائف أو المناطق أو الإثنيات.

استخدام التاريخ الاجتماعي كأداة تعبئة سياسية.
تُستدعى السرديات التاريخية المتعلقة بالتهميش أو الصراع لتعبئة الجماعات المختلفة خلال الحملات الانتخابية.

استمرار الانقسامات الاجتماعية رغم العملية الانتخابية بدلاً من معالجتها.
في كثير من الحالات، لا تؤدي الانتخابات إلى تجاوز الانقسامات الاجتماعية، بل قد تعيد إنتاجها داخل المؤسسات السياسية بصورة أكثر حدة (Lijphart, 1999).

  1. الاقتصاد السياسي للانتخابات

يمثل الاقتصاد السياسي للانتخابات أحد أهم الأبعاد التفسيرية لفهم طبيعة التنافس السياسي في الدول الهشة، حيث لا تنفصل العمليات الانتخابية عن بنية توزيع الثروة والموارد وعلاقات القوة الاقتصادية والعسكرية داخل المجتمع (Collier, 2009). وفي العديد من الدول الخارجة من النزاعات أو التي تعاني من هشاشة مؤسسية، تتحول الانتخابات إلى ساحة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والسياسي بين النخب المسيطرة، بدلاً من كونها آلية ديمقراطية خالصة للتداول السلمي للسلطة. كما ترتبط فعالية الانتخابات بمدى استقلال الاقتصاد الوطني عن شبكات الزبائنية والفساد والاقتصاد الريعي واقتصاد الحرب.

شراء الأصوات.
يُعد شراء الأصوات من أكثر الظواهر انتشاراً في الانتخابات داخل الدول الهشة والفقيرة، حيث تستخدم الأموال أو المواد الغذائية أو الخدمات أو الوعود الوظيفية للتأثير على خيارات الناخبين (Schedler, 2002). وتزداد هذه الظاهرة في البيئات التي ترتفع فيها معدلات الفقر والبطالة وضعف الحماية الاجتماعية، إذ يصبح التصويت أحياناً وسيلة للحصول على منفعة اقتصادية مباشرة أكثر من كونه تعبيراً عن قناعة سياسية.

وفي العديد من الدول الأفريقية والآسيوية، ترتبط عمليات شراء الأصوات بشبكات الزبائنية السياسية التي تعتمد على تبادل الولاء السياسي مقابل المنافع الاقتصادية أو الحماية الاجتماعية (Bratton, 2013). وفي السودان، لعبت العلاقات القبلية والطائفية وشبكات النفوذ المحلي دوراً مهماً في توجيه السلوك الانتخابي عبر تقديم المنافع والخدمات للناخبين.

التمويل الخارجي.
تعتمد بعض الأحزاب والجماعات السياسية في الدول الهشة على التمويل الخارجي من دول أو منظمات أو شبكات اقتصادية عابرة للحدود، مما يؤدي إلى اختلال التوازن في المنافسة الانتخابية وتقويض الاستقلال الوطني للعملية السياسية (de Waal, 2015). كما قد تستخدم بعض القوى الإقليمية التمويل السياسي كأداة لتعزيز نفوذها داخل الدولة المستهدفة.

اقتصاد الحرب.
يشير اقتصاد الحرب إلى الأنشطة الاقتصادية المرتبطة باستمرار النزاعات المسلحة، مثل تهريب الموارد الطبيعية والأسلحة والوقود والجبايات غير الرسمية. وفي الدول الهشة، تتحول بعض الجماعات المسلحة إلى فاعلين اقتصاديين يمتلكون موارد ضخمة تسمح لهم بالتأثير على الانتخابات أو الدخول المباشر في العملية السياسية (Keen, 2005). ويؤدي استمرار اقتصاد الحرب إلى تقويض فرص التحول الديمقراطي، لأن بعض النخب تستفيد مادياً من استمرار عدم الاستقرار.

وفي السودان، ارتبطت النزاعات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق بشبكات اقتصادية معقدة شملت تجارة الذهب والموارد الطبيعية والتهريب الحدودي، مما أدى إلى صعود قوى عسكرية واقتصادية مؤثرة خارج الإطار المؤسسي التقليدي للدولة.

استخدام الموارد العامة في الحملات الانتخابية.
تستخدم الأنظمة الحاكمة في كثير من الدول الهشة موارد الدولة ومؤسساتها لصالح الأحزاب الحاكمة أو المرشحين المرتبطين بالسلطة، بما يشمل استخدام المال العام ووسائل الإعلام الحكومية وأجهزة الدولة الإدارية والأمنية في الحملات الانتخابية (Levitsky and Way, 2010). ويؤدي ذلك إلى غياب تكافؤ الفرص بين المتنافسين وتقويض نزاهة الانتخابات.

هيمنة رجال الأعمال وشبكات المصالح على التنافس السياسي.
في البيئات التي تعاني من ضعف التنظيم القانوني والشفافية، يزداد تأثير رجال الأعمال وشبكات المصالح الاقتصادية على العملية السياسية، حيث يتم تمويل الأحزاب والمرشحين مقابل الحصول على امتيازات اقتصادية أو تشريعات تخدم مصالح معينة (Winters, 2011). ويؤدي هذا التداخل بين رأس المال والسياسة إلى إضعاف الديمقراطية وتحويل الانتخابات إلى تنافس بين شبكات النفوذ المالي.

الفساد الانتخابي والزبائنية السياسية.
يرتبط الفساد الانتخابي باستخدام المال والنفوذ والموارد العامة للتأثير على نتائج الانتخابات، سواء عبر شراء الأصوات أو التلاعب الإداري أو تقديم الامتيازات السياسية والاقتصادية للمجموعات الداعمة (Transparency International, 2022). أما الزبائنية السياسية فتشير إلى العلاقات غير الرسمية التي تقوم على تبادل الولاء السياسي مقابل المنافع الاقتصادية أو الحماية الاجتماعية، وهي ظاهرة واسعة الانتشار في الدول ذات المؤسسات الضعيفة.

تأثير الفقر والبطالة على حرية الاختيار السياسي.
كلما ارتفعت معدلات الفقر والبطالة، تراجعت قدرة الناخبين على اتخاذ قرارات سياسية مستقلة، لأن الحاجة الاقتصادية تجعلهم أكثر عرضة للتأثير المالي أو الاجتماعي (UNDP, 2020). كما يؤدي ضعف التنمية إلى تقليص الاهتمام بالقضايا البرامجية طويلة المدى لصالح الاعتبارات المعيشية المباشرة.

تحول الاقتصاد غير الرسمي إلى مصدر رئيسي لتمويل السياسة.
في الدول الهشة، يشكل الاقتصاد غير الرسمي نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي، ويشمل التجارة غير المسجلة والتهريب والأسواق الموازية. وتستخدم بعض الأحزاب والجماعات السياسية موارد الاقتصاد غير الرسمي لتمويل أنشطتها الانتخابية بعيداً عن الرقابة القانونية (Keen, 2005).

ارتباط النخب السياسية بشبكات اقتصادية احتكارية.
ترتبط بعض النخب السياسية في الدول الهشة بشبكات اقتصادية احتكارية تتحكم في قطاعات حيوية مثل التعدين والطاقة والاتصالات والتجارة الخارجية، مما يسمح لها باستخدام النفوذ الاقتصادي لتعزيز السيطرة السياسية (North et al., 2009).

ضعف الشفافية المالية في الحملات الانتخابية.
تعاني الدول الهشة غالباً من غياب نظم فعالة للرقابة على الإنفاق الانتخابي ومصادر التمويل السياسي، مما يسمح بتدفق الأموال غير المشروعة أو الخارجية دون مساءلة.

تداخل السلطة الاقتصادية والعسكرية في بعض البيئات الهشة.
في بعض الدول الخارجة من النزاعات، تتداخل المصالح الاقتصادية مع النفوذ العسكري، حيث تمتلك المؤسسات العسكرية أو الجماعات المسلحة شركات واستثمارات اقتصادية ضخمة، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في الانتخابات والسياسات العامة (de Waal, 2015).

  1. التدخلات الدولية والإقليمية

تؤثر التدخلات الدولية والإقليمية بصورة كبيرة على العمليات الانتخابية في الدول الهشة، خاصة في سياقات النزاعات المسلحة والانتقالات السياسية غير المستقرة. وتتنوع هذه التدخلات بين الدعم الفني والمالي والرقابة الدولية والوساطة السياسية والضغوط الدبلوماسية، لكنها قد تتحول أيضاً إلى أدوات للتنافس الجيوسياسي وإعادة تشكيل موازين القوى الداخلية (Paris, 2004).

دور الأمم المتحدة.
تلعب الأمم المتحدة دوراً مهماً في دعم الانتخابات داخل الدول الهشة عبر تقديم المساعدة الفنية واللوجستية، وتدريب الكوادر الانتخابية، وإرسال بعثات مراقبة، والمساهمة في بناء المؤسسات الديمقراطية (UNDP, 2020). كما تشارك أحياناً في إدارة الانتخابات بصورة مباشرة في حالات الدول الخارجة من الحروب أو الوصاية الدولية.

دور المانحين.
يعتمد تنظيم الانتخابات في العديد من الدول الهشة على التمويل الخارجي من الدول المانحة والمؤسسات الدولية، وهو ما يمنح هذه الجهات تأثيراً كبيراً على تصميم العمليات الانتخابية وأولويات الإصلاح السياسي (Carothers, 2002).

إشكالية السيادة الوطنية.
يثير التدخل الدولي في الانتخابات إشكاليات تتعلق بالسيادة الوطنية، خاصة عندما تتجاوز الجهات الدولية الدور الفني إلى التأثير السياسي المباشر في تشكيل الحكومات أو تحديد مسارات الانتقال السياسي (Paris, 2004).

التنافس الإقليمي على النفوذ السياسي.
تتحول بعض الدول الهشة إلى ساحات تنافس بين القوى الإقليمية التي تسعى إلى دعم أطراف سياسية أو عسكرية متحالفة معها لتحقيق مصالح استراتيجية أو أمنية أو اقتصادية (de Waal, 2015).

التمويل السياسي الخارجي للأحزاب والجماعات المسلحة.
تحصل بعض الأحزاب والجماعات المسلحة على تمويل خارجي مباشر أو غير مباشر، مما يؤدي إلى اختلال التوازن السياسي الداخلي ويزيد من احتمالات الارتهان للخارج.

تأثير العقوبات الدولية على البيئة الانتخابية.
قد تؤثر العقوبات الاقتصادية والسياسية الدولية على البيئة الانتخابية عبر إضعاف الاقتصاد الوطني أو تقليص الموارد الحكومية، كما قد تستخدم كوسيلة ضغط على الأنظمة الحاكمة لإجراء إصلاحات سياسية.

إشكالية ازدواجية المعايير الدولية في تقييم الانتخابات.
تتعرض بعض الجهات الدولية لانتقادات بسبب اختلاف معايير تقييمها للانتخابات تبعاً للمصالح الجيوسياسية، حيث قد يتم التغاضي عن انتهاكات انتخابية في بعض الدول مقابل التشدد في دول أخرى (Carothers, 2002).

استخدام المساعدات الدولية كأداة تأثير سياسي غير مباشر.
قد تستخدم المساعدات التنموية والإنسانية كوسيلة للتأثير السياسي غير المباشر، سواء عبر دعم أطراف معينة أو ربط التمويل بتنفيذ سياسات محددة.

تأثير القوى الإقليمية على تشكيل التحالفات الانتخابية الداخلية.
تسهم بعض القوى الإقليمية في تشكيل التحالفات السياسية الداخلية عبر الدعم المالي أو الإعلامي أو الدبلوماسي، مما يؤثر على توازن القوى داخل العملية الانتخابية.

تعدد مراكز الوساطة الدولية في إدارة الانتقال السياسي.
في بعض الدول الهشة، تتعدد المبادرات والوساطات الدولية والإقليمية، وهو ما قد يؤدي إلى تضارب الأجندات وإضعاف التنسيق السياسي بين الفاعلين الدوليين والمحليين (de Waal, 2015).

سابعاً: الانتخابات والتحول الديمقراطي في السودان

  1. تقييم النظم الانتخابية الأنسب للسودان

يمثل تصميم النظام الانتخابي في السودان قضية محورية في مسار التحول الديمقراطي وإعادة بناء الدولة، نظراً للطبيعة المركبة للأزمة السودانية التي تجمع بين الانقسامات الإثنية والجهوية، والتفاوت التنموي، والإرث الطويل للحروب الأهلية، وضعف المؤسسات، وهيمنة المركز السياسي والاقتصادي منذ مرحلة الحكم الاستعماري وما بعدها (Johnson, 2016). ولا يقتصر تأثير النظام الانتخابي على آليات اختيار الحكام، بل يمتد ليشمل إعادة توزيع السلطة والثروة، وإدارة التنوع الاجتماعي، وتحديد طبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم، وإمكانية بناء شرعية سياسية مستقرة بعد عقود من النزاعات والانقلابات العسكرية (Lijphart, 1999).

وقد أظهرت التجربة السودانية منذ انتخابات ما قبل الاستقلال وحتى انتخابات 2010 أن النظم الانتخابية التقليدية القائمة بصورة أساسية على الدوائر الجغرافية الفردية ساهمت بدرجات متفاوتة في إعادة إنتاج اختلالات التمثيل السياسي وهيمنة النخب المركزية والطائفية، وضعف تمثيل الأقاليم الطرفية والمجموعات المهمشة (Salih, 2003). لذلك تزايد الاهتمام في الأدبيات السياسية السودانية والمقارنة بإمكانية تبني نظم انتخابية أكثر ملاءمة لطبيعة الدولة السودانية المتعددة الإثنيات والأقاليم.

التمثيل النسبي.
يُعتبر نظام التمثيل النسبي من أكثر النظم الانتخابية ملاءمة للدول المنقسمة والمتعددة الهويات، لأنه يتيح تمثيلاً أوسع للقوى السياسية والاجتماعية مقارنة بنظم الأغلبية البسيطة (Lijphart, 1999). وفي السودان، تبرز أهمية التمثيل النسبي بسبب التفاوت الكبير بين المركز والأقاليم، ووجود جماعات إثنية وثقافية متعددة تخشى التهميش السياسي داخل النظام المركزي التقليدي.

ويساعد التمثيل النسبي على تقليل الفجوة بين نسبة الأصوات ونسبة المقاعد البرلمانية، مما يمنح الأحزاب الإقليمية والقوى الصغيرة والمتوسطة فرصة المشاركة في السلطة التشريعية والتنفيذية. كما يسهم في تقليل احتمالات احتكار السلطة بواسطة الأحزاب المركزية التقليدية المرتبطة بالطائفية أو النفوذ الاقتصادي والعسكري.

وتشير التجارب المقارنة في جنوب أفريقيا وبلجيكا والبوسنة والهرسك إلى أن التمثيل النسبي قد يشكل أداة فعالة لإدارة التنوع وبناء الثقة بين الجماعات المتنازعة خلال الفترات الانتقالية (Norris, 2004). وفي السودان، يمكن لهذا النظام أن يمنح تمثيلاً أوسع لدارفور وشرق السودان وجبال النوبة والنيل الأزرق والمناطق الريفية التي ظلت تعاني من ضعف التمثيل السياسي داخل مؤسسات الدولة المركزية.

غير أن التمثيل النسبي يواجه أيضاً تحديات محتملة، أبرزها خطر التشرذم الحزبي وتعدد الأحزاب الصغيرة بصورة قد تعيق الاستقرار الحكومي، خاصة في ظل ضعف الأحزاب البرامجية الحديثة وهيمنة الولاءات الطائفية والجهوية (Sartori, 1997). ولذلك تبرز أهمية تصميم النظام النسبي بصورة تراعي التوازن بين الإدماج السياسي والاستقرار المؤسسي، مثل اعتماد عتبة انتخابية معتدلة تمنع التفتت الحزبي المفرط دون إقصاء القوى الإقليمية الصغيرة.

النظام المختلط.
يقوم النظام المختلط على الجمع بين التمثيل النسبي والدوائر الفردية، بحيث يتم انتخاب جزء من البرلمان عبر القوائم النسبية وجزء آخر عبر التنافس الجغرافي المباشر (Shugart and Wattenberg, 2001). ويُنظر إلى هذا النظام باعتباره من أكثر النماذج ملاءمة للدول التي تسعى إلى تحقيق توازن بين العدالة التمثيلية والاستقرار الحكومي.

وفي السياق السوداني، يمكن للنظام المختلط أن يحقق عدة أهداف متوازية، إذ يسمح بتمثيل الأقاليم والمجموعات السكانية المختلفة عبر القوائم النسبية، وفي الوقت نفسه يحافظ على العلاقة المباشرة بين الناخبين والنواب المحليين عبر الدوائر الجغرافية. كما يمكن أن يسهم في الحد من هيمنة الأحزاب المركزية عبر توسيع فرص الأحزاب الإقليمية والقوى الجديدة.

وتشير التجربة الألمانية إلى أن النظام المختلط يمكن أن يحقق درجة مرتفعة من الاستقرار مع الحفاظ على التعددية السياسية (Norris, 2004). كما اعتمدت دول خارجة من النزاعات مثل العراق وأفغانستان صيغاً مختلفة من النظم المختلطة لمحاولة تحقيق توازن بين الاعتبارات المحلية والوطنية.

غير أن نجاح النظام المختلط في السودان يتطلب وجود مفوضية مستقلة وقضاء فعال وآليات شفافة لترسيم الدوائر الانتخابية، لأن سوء تصميم الدوائر قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التهميش الجهوي أو التلاعب السياسي.

الفيدرالية الانتخابية.
ترتبط الفيدرالية الانتخابية بإعادة تنظيم السلطة السياسية على أساس توزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم، مع تصميم نظام انتخابي يضمن تمثيل الوحدات الفيدرالية بصورة عادلة داخل المؤسسات الوطنية (Elazar, 1995). وفي السودان، تكتسب الفيدرالية أهمية خاصة بسبب الامتداد الجغرافي الواسع والتنوع الإثني والثقافي والتفاوت التنموي بين الأقاليم.

وقد أدى فشل المركزية السياسية منذ الاستقلال إلى تصاعد النزاعات المسلحة والمطالب الإقليمية بالحكم الذاتي أو الانفصال، كما حدث في جنوب السودان ودارفور وشرق السودان. لذلك فإن ربط النظام الانتخابي ببنية فيدرالية حقيقية يمكن أن يسهم في تقليل التوترات الجهوية عبر منح الأقاليم سلطات أوسع في إدارة شؤونها المحلية.

كما يمكن للفيدرالية الانتخابية أن تقلل من الصراع حول السلطة المركزية، لأن توزيع الصلاحيات بين المستويات المختلفة للحكم يخفف من منطق “الفائز يسيطر على كل شيء” الذي يغذي النزاعات السياسية في الدول الهشة (Horowitz, 1985).

الكوتا الإقليمية والنسائية.
تُستخدم نظم الكوتا لضمان تمثيل الفئات أو المناطق التي تعاني من التهميش التاريخي، سواء على أساس جغرافي أو جندري أو إثني. وفي السودان، يمكن للكوتا الإقليمية أن تسهم في تعزيز تمثيل المناطق المتأثرة بالحروب والتهميش داخل البرلمان والمؤسسات التنفيذية.

كما تُعد الكوتا النسائية من الآليات المهمة لمعالجة ضعف تمثيل النساء في الحياة السياسية، خاصة في ظل البنى الاجتماعية التقليدية والهيمنة الذكورية على الأحزاب السياسية (Tripp, 2015). وقد أظهرت تجارب رواندا وجنوب أفريقيا وتونس أن تخصيص نسب محددة للنساء داخل البرلمانات يمكن أن يؤدي إلى رفع مستوى المشاركة السياسية النسائية بصورة كبيرة.

إمكانية اعتماد نظام برلماني لتقليل الصراع الصفري على الرئاسة.
يرى عدد من الباحثين أن النظام البرلماني قد يكون أكثر ملاءمة للدول المنقسمة مقارنة بالنظام الرئاسي، لأنه يقلل من تركيز السلطة في يد شخص واحد ويشجع على بناء التحالفات الائتلافية داخل البرلمان (Linz, 1990). وفي السودان، ارتبطت الرئاسة التنفيذية القوية تاريخياً بالاستقطاب السياسي والانقلابات العسكرية والصراع حول السيطرة على الدولة المركزية.

ويمكن للنظام البرلماني أن يخفف من الطابع الصفري للصراع السياسي عبر جعل تشكيل الحكومة مرتبطاً بالتفاوض البرلماني وليس بالفوز الرئاسي المباشر فقط.

الحاجة إلى تمثيل خاص للمناطق المتأثرة بالحرب.
تتطلب خصوصية النزاعات المسلحة في السودان توفير ترتيبات تمثيلية خاصة للمناطق المتأثرة بالحروب، مثل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، لضمان عدم استمرار التهميش السياسي الذي ساهم في اندلاع النزاعات أصلاً.

وقد تشمل هذه الترتيبات تخصيص مقاعد إضافية أو دوائر خاصة أو ضمانات دستورية للتمثيل الإقليمي خلال المرحلة الانتقالية.

ضمان تمثيل النازحين واللاجئين.
أدت الحروب والنزاعات في السودان إلى نزوح ولجوء ملايين المواطنين، مما يطرح تحديات كبيرة تتعلق بحقوقهم السياسية والانتخابية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن السودان شهد إحدى أكبر أزمات النزوح في أفريقيا خلال العقود الأخيرة (UNHCR, 2021).

ولذلك فإن أي نظام انتخابي مستقبلي يجب أن يضمن تسجيل النازحين واللاجئين وإتاحة فرص التصويت لهم بصورة عادلة، سواء عبر مراكز خاصة أو ترتيبات تصويت بديلة.

أهمية اللامركزية السياسية والإدارية.
تُعد اللامركزية من أهم الآليات الضرورية لإدارة التنوع السوداني وتقليل اختلالات التنمية والسلطة بين المركز والأقاليم. فكلما زادت قدرة الحكومات المحلية على إدارة شؤونها، تراجعت حدة الصراع حول السيطرة على السلطة المركزية.

الحاجة إلى توازن بين الكفاءة الحكومية والتمثيل العادل.
تواجه النظم الانتخابية في الدول الهشة معضلة التوازن بين توسيع التمثيل السياسي وضمان القدرة على تشكيل حكومات مستقرة وفعالة. فالإفراط في التعددية قد يؤدي إلى حكومات ضعيفة ومجزأة، بينما يؤدي التركيز المفرط على الاستقرار إلى إقصاء بعض المكونات الاجتماعية والسياسية.

ملاءمة التمثيل النسبي لطبيعة التنوع السوداني الإثني والجهوي.
يتلاءم التمثيل النسبي مع البنية السودانية متعددة الإثنيات والثقافات، لأنه يسمح بتمثيل أوسع للمجموعات المختلفة داخل البرلمان ويقلل من هيمنة المركز النيلي التقليدي على مؤسسات الدولة.

إمكانية استخدام التمثيل النسبي كمرحلة انتقالية نحو نظام مستقر طويل الأمد.
يمكن اعتماد التمثيل النسبي خلال المرحلة الانتقالية بعد النزاعات بوصفه آلية لبناء الثقة وإدماج الأطراف المختلفة، قبل الانتقال لاحقاً إلى نظام أكثر استقراراً إذا تطورت الأحزاب والمؤسسات الديمقراطية.

أثر النظام الانتخابي على منع إعادة إنتاج المركزية السياسية.
يلعب تصميم النظام الانتخابي دوراً مباشراً في إعادة توزيع السلطة داخل الدولة. فكلما توسعت فرص التمثيل الإقليمي والسياسي، تراجعت احتمالات إعادة إنتاج المركزية التي ارتبطت تاريخياً بالتهميش والصراع في السودان.

العلاقة بين النظام الانتخابي وإعادة توزيع السلطة والثروة.
لا يقتصر تأثير النظام الانتخابي على تشكيل البرلمان والحكومة، بل يمتد إلى التأثير على توزيع الموارد والاستثمارات والخدمات العامة بين الأقاليم. ولذلك فإن إصلاح النظام الانتخابي يمثل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس أكثر عدالة وتوازناً.

  1. السيناريوهات المحتملة

تمثل السيناريوهات المستقبلية للتحول الديمقراطي والانتخابات في السودان إطاراً تحليلياً لفهم المسارات المحتملة لتطور الدولة السودانية في ظل التداخل المعقد بين الحرب الأهلية، والهشاشة المؤسسية، والانقسامات الاجتماعية، والتدخلات الإقليمية والدولية، والأزمات الاقتصادية البنيوية. ولا ترتبط هذه السيناريوهات فقط بالعملية الانتخابية ذاتها، بل أيضاً بطبيعة التسويات السياسية، ومستوى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح القطاع الأمني، ومدى قدرة النخب السياسية والعسكرية على الانتقال من منطق الصراع الصفري إلى منطق التفاوض والتسوية التاريخية (Diamond, 2008).

كما تعكس السيناريوهات المختلفة التوتر القائم بين مطلب الشرعية الديمقراطية السريعة من جهة، ومتطلبات بناء الدولة والاستقرار والسلام من جهة أخرى. وتُظهر التجارب المقارنة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أن الانتخابات في الدول الخارجة من النزاعات قد تتحول إما إلى نقطة انطلاق نحو الاستقرار التدريجي أو إلى عامل إضافي لتجديد العنف والانقسام، تبعاً لطبيعة البيئة السياسية والمؤسسية المحيطة بها (Paris, 2004).

السيناريو الأول

انتخابات مبكرة دون تسوية سياسية

يقوم هذا السيناريو على إجراء انتخابات عامة سريعة في ظل استمرار الانقسام السياسي والعسكري وغياب اتفاق شامل بين الأطراف المتصارعة حول طبيعة الدولة الانتقالية وترتيبات تقاسم السلطة والثروة والسلاح. وغالباً ما يرتبط هذا السيناريو بضغوط داخلية أو خارجية تسعى إلى استعادة الشرعية الدستورية بسرعة دون استكمال متطلبات بناء المؤسسات والتسوية السياسية (Mansfield and Snyder, 2007).

وتشير الأدبيات المقارنة إلى أن الانتخابات المبكرة في البيئات الخارجة من النزاعات قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم تسبقها ترتيبات أمنية وسياسية مستقرة، لأن الفاعلين السياسيين والعسكريين يتعاملون مع الانتخابات باعتبارها معركة وجودية تحدد من يسيطر على الدولة والموارد العامة (Paris, 2004). وفي السودان، تزداد خطورة هذا السيناريو بسبب تعدد مراكز القوة المسلحة، وضعف احتكار الدولة للعنف، وغياب الثقة المتبادلة بين القوى المدنية والعسكرية والحركات المسلحة.

تصاعد احتمالات العنف والانقسام.
في ظل غياب التسوية السياسية، قد تتحول الحملات الانتخابية إلى امتداد مباشر للصراع العسكري والإثني، حيث تستخدم الأطراف المختلفة التعبئة الهوياتية والخطاب التحريضي لتعبئة قواعدها السياسية. كما قد تلجأ الجماعات المسلحة إلى استخدام القوة لمنع التصويت أو السيطرة على مناطق معينة أو فرض نتائج سياسية محددة (Höglund, 2009).

وتشير تجارب كينيا عام 2007 وساحل العاج عام 2010 إلى أن الانتخابات في البيئات المنقسمة قد تؤدي إلى اندلاع مواجهات واسعة النطاق إذا شعر أحد الأطراف بأنه معرض للإقصاء السياسي أو فقدان النفوذ الاقتصادي (Bratton, 2013).

ضعف الاعتراف بالنتائج.
تتراجع احتمالات الاعتراف بنتائج الانتخابات عندما تغيب الثقة في المؤسسات الانتخابية والقضاء وأجهزة الدولة، أو عندما تكون بعض الأطراف المسلحة غير مندمجة داخل العملية السياسية. وفي السودان، يرتبط هذا الاحتمال بضعف الثقة التاريخية بين المركز والأقاليم، وبين القوى المدنية والعسكرية، إضافة إلى الإرث الطويل للانقلابات والتزوير الانتخابي.

إعادة إنتاج الحرب وعدم الاستقرار.
بدلاً من إنهاء الصراع، قد تؤدي الانتخابات المبكرة إلى إعادة إنتاجه بصورة أكثر حدة، خاصة إذا اعتبرت الجماعات الخاسرة أن العملية السياسية لا توفر لها فرصاً عادلة للوصول إلى السلطة. وفي هذه الحالة، قد تعود الحركات المسلحة إلى العمل العسكري باعتباره الوسيلة الوحيدة لحماية مصالحها أو الحصول على مكاسب سياسية (Collier, 2009).

تفكك مؤسسات الدولة واستمرار الصراع المسلح.
إذا جرت الانتخابات في ظل مؤسسات ضعيفة ومنقسمة، فقد يؤدي النزاع حول النتائج إلى مزيد من الانقسام داخل الجيش والأجهزة الأمنية والإدارة المدنية، وهو ما يفاقم احتمالات انهيار الدولة أو تحولها إلى ساحة صراع دائم بين مراكز قوى متعددة (de Waal, 2015).

السيناريو الثاني

انتقال تدريجي مع بناء المؤسسات

يقوم هذا السيناريو على تأجيل الانتخابات إلى حين تنفيذ إصلاحات سياسية وأمنية ومؤسسية تدريجية، تشمل إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح القطاع الأمني، وتحقيق الحد الأدنى من التسوية السياسية بين الأطراف المتصارعة. ويُعتبر هذا السيناريو الأقرب إلى مقاربات “بناء المؤسسات أولاً” التي تؤكد ضرورة ترسيخ قواعد الدولة والقانون قبل التنافس الانتخابي الكامل (Paris, 2004).

وفي السودان، يتطلب هذا المسار بناء مفوضية انتخابية مستقلة، وإصلاح القضاء، وتطوير السجل المدني، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وتوسيع المشاركة السياسية للقوى الإقليمية والمجتمعات المتأثرة بالحرب.

تعزيز فرص الاستقرار السياسي.
يساعد الانتقال التدريجي على تقليل منطق الصراع الصفري، لأن الأطراف المختلفة تحصل على الوقت الكافي لبناء الثقة والتفاوض حول القضايا الجوهرية المرتبطة بالدستور وتقاسم السلطة والثروة. كما يسمح بدمج الحركات المسلحة داخل العملية السياسية بصورة أكثر استقراراً (Lijphart, 1999).

تحسين الثقة في المؤسسات.
كلما زادت استقلالية القضاء والمفوضيات الانتخابية والخدمة المدنية، ارتفعت احتمالات قبول نتائج الانتخابات وشرعية النظام السياسي. ويؤدي بناء المؤسسات تدريجياً إلى تقليل الاعتماد على الشخصيات الكاريزمية أو الولاءات القبلية والعسكرية.

إتاحة الوقت للإصلاحات الأمنية والقانونية.
يتطلب الانتقال الديمقراطي المستقر إصلاح القطاع الأمني ونزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين السابقين، إضافة إلى إصلاح القوانين المنظمة للأحزاب والانتخابات والحريات العامة. ومن دون هذه الإصلاحات، تظل الانتخابات معرضة للانهيار أو التلاعب (World Bank, 2011).

تراكم تدريجي للشرعية السياسية.
في هذا السيناريو، لا تُبنى الشرعية السياسية بصورة مفاجئة عبر انتخابات واحدة، بل تتراكم تدريجياً من خلال بناء مؤسسات فعالة وتحسين الأداء الحكومي وتعزيز المشاركة السياسية والمساءلة العامة (Diamond, 2008).

السيناريو الثالث

نظام توافقي انتقالي طويل الأمد

يقوم هذا السيناريو على إنشاء نظام سياسي توافقي يعتمد على تقاسم السلطة بين القوى السياسية والعسكرية والإقليمية لفترة انتقالية طويلة نسبياً، بهدف منع العودة للحرب وطمأنة الأطراف المختلفة (Lijphart, 1977).

وقد طُبقت نماذج مشابهة في لبنان والبوسنة والعراق وجنوب أفريقيا بدرجات متفاوتة، حيث تم اعتماد ترتيبات انتقالية قائمة على المحاصصة السياسية أو الإثنية أو الجهوية.

تقليل احتمالات الإقصاء السياسي.
يمنح النظام التوافقي المجموعات المختلفة ضمانات للمشاركة في السلطة، وهو ما يقلل من مخاوف الهيمنة أو الإقصاء التي تغذي النزاعات المسلحة في الدول الهشة.

إشكالية إطالة المرحلة الانتقالية.
رغم أن التوافق قد يمنع الحرب على المدى القصير، إلا أن إطالة المرحلة الانتقالية قد تؤدي إلى تجميد التحول الديمقراطي وتأجيل بناء المؤسسات الدائمة. كما قد تتحول الحكومات الانتقالية إلى أنظمة شبه دائمة غير خاضعة للمساءلة الشعبية (Sisk, 1996).

احتمالات تحول المحاصصة إلى نظام دائم.
في بعض التجارب، تحولت ترتيبات تقاسم السلطة المؤقتة إلى بنية دائمة تعيد إنتاج الانقسامات الإثنية والطائفية، كما حدث في لبنان والعراق، حيث أصبحت المحاصصة جزءاً بنيوياً من النظام السياسي (Horowitz, 1985).

إمكانية تجميد الصراع دون حله جذرياً.
قد يؤدي النظام التوافقي إلى خفض مستوى العنف دون معالجة جذور الأزمة المرتبطة بالتنمية غير المتوازنة والعدالة الانتقالية وإصلاح الدولة. وبالتالي يبقى الصراع كامناً وقابلاً للانفجار مجدداً عند أي أزمة سياسية أو اقتصادية.

السيناريو الرابع

تسوية إقليمية ودولية تفرض انتقالاً سياسياً محدود السيادة

يقوم هذا السيناريو على تدخل إقليمي ودولي واسع لفرض تسوية سياسية بين الأطراف السودانية، سواء عبر الضغوط الدبلوماسية أو العقوبات أو الوساطات أو الدعم المالي والعسكري لبعض الأطراف (de Waal, 2015).

وغالباً ما يظهر هذا النموذج في الدول التي تعاني من ضعف شديد في مؤسسات الدولة أو تتحول إلى ساحات تنافس جيوسياسي بين القوى الإقليمية والدولية.

زيادة الاعتماد على الفاعلين الخارجيين.
كلما ازداد الاعتماد على الوساطات والتمويل الخارجي، تراجعت قدرة القوى المحلية على إدارة الانتقال بصورة مستقلة. كما قد تصبح القرارات السياسية الأساسية مرتبطة بمصالح القوى الدولية والإقليمية أكثر من ارتباطها بالأولويات الوطنية.

ضعف الشرعية الوطنية.
قد تواجه أي تسوية مفروضة من الخارج أزمة شرعية داخلية إذا شعرت قطاعات واسعة من المجتمع بأنها لا تعبر عن الإرادة الوطنية أو أنها فُرضت تحت الضغوط الدولية (Paris, 2004).

احتمالات الاستقرار المؤقت دون معالجة جذور الأزمة.
قد يؤدي التدخل الدولي إلى وقف مؤقت للعنف أو إنشاء ترتيبات انتقالية مستقرة نسبياً، لكنه لا يضمن معالجة الأسباب البنيوية للنزاعات المرتبطة بالهوية والتنمية والعدالة وتقاسم السلطة والثروة.

تحول القرار السياسي إلى مستويات خارجية غير منتخفي بعض الحالات، تصبح المؤسسات الدولية والإقليمية والمانحون الدوليون أطرافاً مؤثرة بصورة مباشرة في صنع القرار السياسي والاقتصادي، وهو ما يضعف السيادة الوطنية ويقلل من تطور الشرعية الديمقراطية المحلية.

وتشير التجارب المقارنة في البوسنة وكوسوفو وأفغانستان والعراق إلى أن الانتقالات السياسية المدعومة خارجياً قد تنجح في منع الانهيار الكامل للدولة، لكنها تواجه صعوبات كبيرة في بناء شرعية وطنية مستقرة ومستقلة على المدى الطويل (Fukuyama, 2004).

ثامناً: الدروس المستفادة للسودان

لا انتخابات ناجحة دون سلام مستدام

تؤكد الأدبيات المقارنة الخاصة ببناء السلام والتحول الديمقراطي أن الانتخابات في الدول الخارجة من النزاعات المسلحة لا تمثل نقطة البداية لبناء الاستقرار، بل تأتي عادة في مراحل متقدمة نسبياً بعد الوصول إلى حد أدنى من التسوية السياسية والأمنية والمؤسسية (Paris, 2004). وقد أثبتت تجارب عديدة أن التسرع في تنظيم الانتخابات داخل البيئات الهشة يؤدي في كثير من الأحيان إلى إعادة إنتاج الصراع المسلح أو تحويل التنافس السياسي إلى امتداد مباشر للحرب. ففي أنغولا، وبعد توقيع اتفاق بيسيس عام 1991، أُجريت الانتخابات الرئاسية والتشريعية عام 1992 قبل استكمال نزع السلاح ودمج القوات المتحاربة، مما أدى إلى رفض حركة يونيتا نتائج الانتخابات وعودة الحرب الأهلية التي استمرت حتى عام 2002 وأدت إلى مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين (Malaquias, 2007). وفي كينيا، أسفرت الانتخابات الرئاسية عام 2007 عن أعمال عنف إثني واسعة النطاق أدت إلى مقتل أكثر من 1300 شخص ونزوح نحو 600 ألف شخص خلال أسابيع قليلة بسبب ضعف الثقة في المؤسسات الانتخابية والقضائية والانقسامات الإثنية الحادة (Branch and Cheeseman, 2009).

وفي السودان، ارتبطت أغلب الأزمات السياسية الكبرى باستمرار النزاعات المسلحة وضعف التسويات الوطنية الشاملة. فمنذ الاستقلال في يناير 1956، لم تعرف الدولة السودانية استقراراً سياسياً طويلاً، إذ اندلعت الحرب الأهلية الأولى في جنوب السودان قبل اكتمال بناء مؤسسات الدولة الوطنية، واستمرت حتى توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972. ثم انهارت الاتفاقية عام 1983 مع إعلان قوانين سبتمبر وإلغاء الحكم الذاتي للجنوب، لتندلع الحرب الأهلية الثانية بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، والتي استمرت حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005 (Johnson, 2016).

وقد أدت هذه الحرب وحدها إلى مقتل ما يقدر بنحو مليوني شخص ونزوح أكثر من 4 ملايين شخص وفق تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي (World Bank, 2011). كما شهد السودان منذ عام 2003 اندلاع حرب دارفور التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث قُتل مئات الآلاف ونزح أكثر من 2.7 مليون شخص داخل السودان، بينما لجأ مئات الآلاف إلى تشاد وأفريقيا الوسطى (UNDP, 2022).

كما أدى النزاع في جنوب كردفان والنيل الأزرق بعد عام 2011 إلى موجات نزوح إضافية وتدمير للبنية التحتية والخدمات الأساسية، مما جعل إجراء انتخابات شاملة ونزيهة أمراً بالغ الصعوبة في ظل استمرار القتال وانعدام الأمن. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن عدد النازحين داخلياً في السودان تجاوز 8 ملايين شخص بحلول عام 2024 نتيجة الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع التي اندلعت في أبريل 2023، وهو ما جعل السودان يشهد إحدى أكبر أزمات النزوح في العالم (UNHCR, 2024).

كما تُظهر تجربة جنوب أفريقيا أن نجاح انتخابات 1994 جاء بعد سنوات طويلة من التفاوض بين المؤتمر الوطني الأفريقي ونظام الفصل العنصري، شملت إصلاحات دستورية وأمنية وضمانات سياسية للأقلية البيضاء والأحزاب المختلفة (Sisk, 1996). وفي موزمبيق، جاءت الانتخابات بعد اتفاق روما للسلام عام 1992 الذي تضمن ترتيبات واضحة لوقف إطلاق النار وإعادة دمج المقاتلين (Manning, 2002). أما في ليبيريا وسيراليون، فقد أدى ضعف مؤسسات الدولة واستمرار نفوذ الجماعات المسلحة إلى هشاشة العملية الانتخابية حتى بعد انتهاء الحروب رسمياً (Collier, 2009).

وتشير نظريات بناء السلام الليبرالي إلى أن السلام المستدام لا يتحقق فقط عبر الاتفاقات السياسية، بل يتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد والعقد الاجتماعي والثقة العامة في المؤسسات (Paris, 2004). ولذلك فإن أي انتخابات مستقبلية في السودان لن تكون قادرة على تحقيق الاستقرار ما لم تسبقها تسوية سياسية شاملة تتضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار، وإعادة هيكلة القوات المسلحة، ودمج الحركات المسلحة، وتفكيك اقتصاد الحرب، ومعالجة جذور النزاعات المرتبطة بالتهميش التنموي والجهوي والإثني.

بناء المؤسسات يسبق التنافس الانتخابي

توضح الأدبيات الحديثة في مجال بناء الدولة أن الانتخابات في حد ذاتها لا تنتج الديمقراطية بصورة تلقائية، بل قد تتحول إلى أداة لإضفاء شرعية شكلية على أنظمة هشة أو سلطوية إذا لم تكن هناك مؤسسات فعالة ومستقلة قادرة على إدارة التنافس السياسي بصورة عادلة (Fukuyama, 2004). ويشمل ذلك القضاء، والخدمة المدنية، والمفوضيات الانتخابية، وأجهزة الإحصاء والسجل المدني، وأجهزة الرقابة والمحاسبة، إضافة إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية.

وفي السودان، أدى الإرث الطويل للحكم العسكري منذ انقلاب الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر 1958 إلى إضعاف المؤسسات المدنية وتسييسها بصورة متكررة. فقد شهد السودان فترات حكم عسكري طويلة تحت أنظمة الفريق عبود (1958–1964)، والعقيد جعفر نميري (1969–1985)، والمشير عمر البشير (1989–2019)، إضافة إلى الانقلابات والمحاولات العسكرية المتعددة بعد الثورة السودانية في ديسمبر 2018.

وقد أدى هذا المسار إلى تآكل استقلال القضاء والخدمة المدنية والنقابات والجامعات وأجهزة الرقابة. كما ساهمت سياسات “التمكين” التي تبناها نظام الإنقاذ بعد 1989 في إحلال الولاء الحزبي محل المهنية داخل مؤسسات الدولة، وهو ما أدى إلى تراجع كفاءة الإدارة العامة وارتفاع معدلات الفساد والمحسوبية (de Waal, 2015).

وتشير تقارير منظمة الشفافية الدولية إلى أن السودان ظل لسنوات طويلة ضمن الدول الأكثر فساداً في العالم، حيث احتل مراتب متأخرة جداً في مؤشر مدركات الفساد، إذ جاء في المرتبة 173 من أصل 180 دولة عام 2022 (Transparency International, 2022). كما أوضحت تقارير البنك الدولي أن ضعف المؤسسات وسيادة القانون في السودان كان من أكبر معوقات الاستثمار والتنمية والاستقرار السياسي (World Bank, 2020).

كما أن ضعف مؤسسات الإحصاء والسجل المدني أدى إلى صعوبات كبيرة في تنظيم الانتخابات وتوزيع الدوائر الانتخابية بصورة عادلة. ففي تعداد 2008، ظهرت خلافات سياسية وإقليمية واسعة حول دقة البيانات السكانية، خاصة في دارفور وجنوب السودان، واتُهمت الحكومة المركزية باستخدام التعداد لخدمة التوازنات السياسية والانتخابية (Johnson, 2016).

وتؤكد تجربة البوسنة والهرسك بعد اتفاق دايتون، وتجربة تيمور الشرقية بعد الاستقلال، وتجربة رواندا بعد الإبادة الجماعية عام 1994، أن بناء مؤسسات فعالة ومحايدة كان شرطاً أساسياً لتحقيق استقرار نسبي بعد الحروب (Paris, 2004).

كما تشير أدبيات الاقتصاد السياسي إلى أن ضعف المؤسسات في الدول الهشة يؤدي إلى صعود شبكات الزبائنية والاقتصاد غير الرسمي واقتصاد الحرب، وهو ما يحول الانتخابات إلى منافسة بين شبكات النفوذ الاقتصادي والعسكري بدلاً من كونها منافسة برامجية بين أحزاب سياسية حديثة (North et al., 2009).

أهمية التوافق السياسي الواسع

توضح نظريات الديمقراطية التوافقية أن المجتمعات المنقسمة إثنياً أو دينياً أو جهوياً تحتاج إلى ترتيبات سياسية تتجاوز منطق الأغلبية العددية التقليدية، لأن تطبيق نموذج “الفائز يسيطر على كل شيء” داخل البيئات المنقسمة قد يؤدي إلى شعور بعض المجموعات بالإقصاء الوجودي ومن ثم العودة إلى العنف المسلح (Lijphart, 1977).

وفي السودان، اتسمت الحياة السياسية منذ الاستقلال بدرجة عالية من الاستقطاب بين الأحزاب الطائفية والقوى العسكرية والحركات الإقليمية والقوى الأيديولوجية المختلفة. وقد أدى غياب التوافق الوطني في عدة مراحل إلى انهيار التجارب الديمقراطية القصيرة. ففي الفترة الديمقراطية الأولى (1956–1958)، فشلت الأحزاب الكبرى في الاتفاق على دستور دائم أو تسوية مستقرة للعلاقة بين المركز والجنوب، مما ساهم في إضعاف النظام المدني وفتح الطريق أمام انقلاب 1958.

كما شهدت الفترة الديمقراطية الثالثة (1986–1989) انقسامات حادة بين حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية القومية والحركة الشعبية لتحرير السودان، إضافة إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والحرب الأهلية، وهو ما مهد الطريق لانقلاب 30 يونيو 1989 بقيادة عمر البشير وبدعم الجبهة الإسلامية القومية.

وتشير تجربة جنوب أفريقيا إلى أن نجاح الانتقال الديمقراطي اعتمد على “التسوية التاريخية” التي ضمنت مشاركة الأطراف الرئيسية وعدم شعور أي طرف بالتهديد الوجودي (Sisk, 1996). كما اعتمد اتفاق الجمعة العظيمة في أيرلندا الشمالية عام 1998 على ترتيبات توافقية شملت تقاسم السلطة والتمثيل النسبي والضمانات المتبادلة بين الكاثوليك والبروتستانت (Horowitz, 1985).

وفي السودان، تزداد أهمية التوافق السياسي بسبب التعدد الإثني والجهوي الواسع، إذ يضم السودان مئات الجماعات الإثنية واللغوية والثقافية، إضافة إلى التفاوتات التنموية الكبيرة بين المركز والأقاليم. كما أن استمرار الحروب في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق السودان يعكس عمق أزمة بناء الأمة الوطنية وضعف الثقة التاريخية بين الدولة المركزية والهامش.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن غياب التوافق الوطني الشامل بعد ثورة ديسمبر 2018 ساهم في هشاشة المرحلة الانتقالية وتصاعد الصراع بين القوى المدنية والعسكرية، وصولاً إلى انقلاب أكتوبر 2021 ثم الحرب الواسعة التي اندلعت في أبريل 2023 (UNDP, 2022).

الكاتب

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الاسلاميون من حرب اميركا وروسيا إلى طلب احتلال السودان !
منبر الرأي
تأمّل في معنى القصيد: الحلقة الخامسة عشر .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
التعليم في الفترة : 1956-1989 (8) .. بقلم: تاج السر عثمان
الدعم النفسي وسيكولوجية الحروب .. بقلم: د. سمية سعيد صديق جبارة
منبر الرأي
عندما يكون تكريم السفير جعفر رسالة وفاء لدبلوماسية إنسانية فاعلة

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

وزير الخزانة الامريكي عندنا .. نظفوا المواعين .. بقلم: عواطف عبداللطيف

طارق الجزولي
منبر الرأي

أسرار تفوق الحضارة الغربية فى كتاب جديد! … بقلم: الخضر هارون

الخضر هارون
منبر الرأي

السودان الوطن الممكن: الان: أول دعوانا أن: الشعب يريد تغيير النظام .. بقلم: د.عبدالله جلاب/ جامعة ولاية أريزونا

د. عبدالله جلاب
منبر الرأي

في وداع أكثر الأسلامويين نبلا .. بقلم: المثني ابراهيم بحر

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss