رمضان اسحق
في مايو/أيار من عام 1991، صعدت أسمرة إلى واجهة الأحداث العالمية ببزوغ فجر استقلالها. في تلك اللحظة التاريخية، لم يكن الفرح يسع الإريتريين في الداخل والخارج؛ كان ابتهاجاً ممزوجاً بمرارة اللجوء القاسية، وفخراً معززاً بإباء ثورة دفعوا في سبيلها كل نفيس من دمائهم وفلذات أكبادهم. في معسكرات النزوح الممتدة، بكت عيون اللاجئين الإريتريين، ولم تكن دموعهم حزناً، بل كانت اغتباطاً بالعودة الوشيكة إلى رحاب وطن حرروه ببنادقهم. لكن أحداً منهم لم يدرك حينها أن هذا الوطن الصغير في القرن الأفريقي سيضيق بأبنائه بعد سنوات قليلة، ليتحول حلم العودة إلى رحلة فرار مستمرة.
مخاوف السلطة من “المجتمع المفتوح”
تشير القراءة التحليلية لتلك الحقبة إلى معضلة ديموغرافية وسياسية واجهتها القيادة الجديدة؛ فبين عامي 1992 و1994، كان هناك أكثر من مليون لاجئ في السودان وحده، إلى جانب مئات الآلاف من المهاجرين في الشتات. لو عادت هذه الكتلة البشرية الهائلة دفعة واحدة، بحمولتها التعددية جغرافياً واجتماعياً وفكرياً، لكان من المستحيل على نظام مركزي قادم من أدبيات “الجبهة الشعبية” العسكرية السيطرة عليها.
أدركت السلطة مبكراً أن المجتمع المفتوح والتعددي لا يدار بـ “لغة الأوامر العسكرية”، ومن هنا بدأت ملامح استراتيجية غير معلنة لإدارة ملف العودة، قامت بالدرجة الأولى على المماطلة السياسية ثم التعطيل الممنهج على أرض الواقع، عبر ثلاثة مسارات أساسية:
- التجفيف الاقتصادي والقوانين التعجيزية
فرضت السلطات ترسانة من القوانين والتشريعات الخاصة بالأراضي تمنع المواطن العائد من التملك إلا بشروط تعجيزية. ترافق ذلك مع حظر إدخال رؤوس الأموال الصغيرة، واحتكار قطاعات التجارة الحيوية بالكامل بيد شركات تابعة للحزب الحاكم وتدار من قياداته. كانت الرسالة الاقتصادية الضمنية الموجهة للمغتربين واللاجئين واضحة: “عودوا من حيث أتيتم، لا مكان لكم هنا”.
- التجفيف المعنوي وإسقاط الحقوق
جرى تحويل المواطن العائد ممن أفنى شبابه في دعم الثورة مالياً أو عانى في معسكرات اللجوء، من “صاحب حق تاريخي” أصيل في وطنه، إلى مجرد “ضيف” عابر عليه تقديم آيات الشكر والامتنان للسلطة الحاكمة لمجرد السماح له بالدخول. هذا الإحباط النفسي دفع الكثيرين إلى مراجعة حسابات الاستقرار.
- إغلاق الباب نهائياً بالخدمة العسكرية المفتوحة
حتى أولئك الذين تجاوزوا العقبات الاقتصادية والمعنوية وعادوا بأسرهم، اصطدموا بالجدار الأخير عقب اندلاع الحرب الحدودية مع إثيوبيا عام 1998. حيث فرض النظام “الخدمة الوطنية الإلزامية المفتوحة” بلا سقف زمني محدد. فتحول الشباب من قوة إنتاجية وبناء إلى مجندين دائمين في المعسكرات، مما أطلق موجة هروب ثانية شملت من عاد حديثاً ومن كان مقيماً في الداخل على حد سواء.
المفارقة الأفريقية الصادمة
أفرزت هذه السياسات واقعاً يمثل حالة فريدة وصادمة في القارة الأفريقية؛ إذ تعد إريتريا الدولة الوحيدة التي ارتفع فيها عدد لاجئيها بعد الاستقلال ونيل الحرية بدلاً من أن يتناقص.
إن جوهر المأساة الإريترية يكمن في بساطة المطالب؛ فالإريتريون لم يطالبوا نظام “الجبهة الشعبية” ببناء ديمقراطية مثالية معقدة كتلك الموجودة في سويسرا أو السويد، بل كانت غاية طموحاتهم الحصول على الحد الأدنى من الكرامة والآدمية:
- أن يسافر المواطن بحرية دون الحاجة إلى “تصريح خروج” حكومي صعب المنال.
- أن يتنقل بين المدن والقرى دون خوف من حواجز التفتيش الأمني المباغتة.
- أن يعمل ويمارس حياته المدنية دون أن يكون مجنداً تحت السلاح إلى الأبد.
لكن حتى هذا الحد الأدنى من الحقوق الأساسية استكثرته السلطة الحاكمة على شعبها. والنتيجة الحتمية اليوم هي معادلة مقلوبة: تحول الوطن الذي كان حلم أهله العودة إليه عام 1991، إلى زنزانة كبيرة أصبح أقصى حلم أهله.. هو الهروب منها.
