إلغاء ترخيص المحوّل: قصور إجرائي أم غياب مساءلة؟
عمر سيد أحمد | باحث في الاقتصاد السياسي السوداني | خبير مصرفي ومالي مستقل
Email: o.sidahmed09@gmail.com
يوليو 2026
امتداداً لمقالي السابق «إلغاء رخصة العسجد.. إن صحّ، ليس نهاية الأمر»، أعرض في هذا المقال زاوية أخرى من القضية نفسها، تتعلق هذه المرة بالطريقة التي مُنحت بها الرخصة أصلاً – لا بمصير شركة بعينها بعد إلغائها.
القضية ليست شركة بعينها ولا شخصاً بعينه
أثار خبر إلغاء ترخيص «العسجد» – إن صحّ – نقاشاً عاماً تمحور غالباً حول شركة بعينها، أو أشخاص بعينهم ممن ارتبطت أسماؤهم بالملف. وهذا التمحور، رغم فهمه، يُبعد النقاش عن جوهر المشكلة الحقيقية. فالقضية ليست شركة معينة أخطأت أو أصابت، ولا شخصاً معيناً يُحاسَب أو يُبرَّأ، بل هي طريقة منح التراخيص نفسها: كيف مُنحت رخصة تشغيل محوّل مدفوعات وطني – ومعها على الأقل ثلاث رخص مماثلة لشركات أخرى لا نعرف على وجه الدقة عددها الكامل ولا تفاصيل ملفاتها – دون أن يكون واضحاً للرأي العام من قرر، وعلى أي أساس، وبأي ضمانات.
بعبارة أخرى: لو استُبدل اسم «العسجد» في هذا المقال باسم أي شركة أخرى من الشركات الثلاث المرخّص لها، فإن الأسئلة المطروحة هنا تبقى صحيحة بالكامل دون أي تعديل. وهذا وحده مؤشر على أن المشكلة بنيوية لا فردية.
التسلسل الذي لا يجوز تجاهله: كيف تُمنح الرخصة أصلاً؟
منح ترخيص تشغيل محوّل مدفوعات لا يحدث بقرار لحظي، بل يمر – افتراضاً – بسلسلة خطوات: تتقدّم الشركة بطلب رسمي، وفق متطلبات ومعايير يضعها بنك السودان المركزي مسبقاً (رأس مال، بنية تقنية، إجراءات امتثال، حوكمة داخلية، وربما غيرها). وبناءً على استيفاء بعض هذه المتطلبات والالتزام بالوفاء بكامل المطلوبات قبل منح الرخصة الكاملة – أو ما يُفترض أنه استيفاء لها – تُمنح الشركة موافقة مبدئية، علي ان يتم منح الموافقة النهائية بعد اكمال بناء النظام واكتمال استيفاء كامل المطلوبات قبل منح الترخيص الفعلي (مثل الذي تم منحه للعسجد) تمهيداً لموافقة نهائية وترخيص فعلي.
هذا التسلسل، إن جرى كما هو مفترض، يعني أن «العسجد» وغيرها من الشركات لم تحصل على شيء من فراغ، ولا بقرار متسرّع من جانبها هي ولم تستثمر مبالغ كبيرة في بناء أنظمتها دون موافقة مبدئية من البنك المركزي: بل تقدّمت لجهة رقابية هي بنك السودان المركزي، وحصلت منه على موافقات مبدئية بموجب معايير هو من وضعها لا هي. وهذا يضع المسؤولية الأولى عن أي قصور محتمل في الملف على الجهة المانحة قبل الجهة المتقدّمة بالطلب والتي استثمرت وفق عهد قاطع مكتوب ومشروط من البنك المركزي، ذلك أن الخبرة والمقدرة المالية والفنية للشركة تكون عادة مطلوبة لمنح الترخيص المبدئي وتتطلب الموافقة او الترخيص النهائي اكتمال بناء النظام ومطابقته لمعايير البنك المركزي. وذلك يعني أن البنك المركزي قد قيّم المقدرات المالية والتشغيلية للشركة قبل منح التصديق المبدئي وترك التصديق النهائي حتي يتم تقييم النظام (المحول) الذي سوف تستخدمه الشركة إلى المرحلة الأخيرة كشرط للتصديق النهائي، والذي نفترض أنه مُنح بعد تقييم المحوّل ومطابقته لشروط بنك السودان
الأعباء التي تحمّلتها الشركات بناءً على الموافقة المبدئية
الموافقة المبدئية ليست إجراءً شكلياً بلا أثر. فالشركة التي تحصل عليها تنتقل عملياً إلى مرحلة تنفيذية: تعاقدات مع موردي تقنية وبنية تحتية، توظيف كوادر، التزامات مالية وإدارية تجاه شركاء ومساهمين، وربما اتفاقيات تشغيل بينية مع مصارف أو جهات أخرى. وكل هذه الأعباء تُحمَّل استناداً إلى ثقة مشروعة بأن الجهة الرقابية التي منحت الموافقة المبدئية قد درست الملف بما يكفي لتثبيت هذه الموافقة لاحقاً اذا التزمت الشركة بما تم الاتفاق عليه.
والأهم من ذلك: أن منح الترخيص لم يكن أمراً خافياً، بل أُعلن عنه – بحسب المتداول – بحضور قيادات في الدولة، بما يمنحه صفة رسمية معلنة لا مجرد إجراء إداري داخلي. وهذا يرفع سقف المسؤولية: فحين يُعلَن قرار بحضور قيادات رسمية، يصبح التراجع عنه لاحقاً بقرار إداري صامت – دون تفسير علني للأسس التي بُني عليها الإلغاء – أمراً يستحق مساءلة لا تبريراً عابراً.
سؤال المساءلة: كيف تقرر الإدارة الإلغاء بهذه البساطة؟
إن صحّ أن إدارة بنك السودان المركزي قررت إلغاء ترخيص شركة معينة بناءً على ما أُثير بشأنها إعلامياً أو شعبياً، فإن هذا بحد ذاته يطرح إشكالية أخطر من مصير الشركة نفسها: فإذا كانت الأسس التي بُني عليها منح الترخيص أصلاً – من دراسات وضوابط ومراجعات – كافية ومتينة، فلا ينبغي أن يهزّها ضغط الرأي العام وحده دون معطيات جديدة موثّقة. وإذا كانت هذه الأسس غير كافية أو لم تكن موجودة أصلاً، فإن المشكلة الحقيقية سبقت الإلغاء بأشهر، وتكمن في لحظة المنح لا في لحظة السحب.
وفي الحالتين، فإن القرار – كيفما اتُّخذ – يكشف عن غياب إطار واضح ومعلن يحكم منح التراخيص وسحبها على حد سواء، بما يجعل كل قرار مستقبلي عرضة للشك ذاته: هل يستند إلى معايير ثابتة، أم إلى ضغط الرأي العام في لحظة بعينها؟
الأسئلة التي تنتظر إجابة
من الجهة أو الشخص المسؤول فعلياً عن منح هذا النوع من التراخيص داخل بنك السودان المركزي؟ وهل القرار فردي أم يمر عبر لجنة أو مجلس؟
ما الأسس والمعايير التي مُنحت التراخيص الأربعة بموجبها؟ وهل هذه المعايير موحّدة ومعلنة، أم اختصت بها لجان مختلفة لكل شركة على حدة؟
هل سبق منح الترخيص والإعلان عنه دراسات قانونية وتقنية متكاملة تُقيّم الأثر على استثمار الدولة القائم في (EBS)، وعلى حماية بيانات المودعين؟ وهل هذه الدراسات موثّقة ويمكن الرجوع إليها؟
هل حوسب أي مسؤول عن التصديق على منح الترخيص إن ثبت وجود قصور فيه؟ وهل حوسب أي مسؤول عن قرار الإلغاء إن ثبت أنه اتُّخذ دون أساس كافٍ؟
ما مصير التراخيص الثلاثة الأخرى؟ وهل ستخضع لمراجعة بالمعايير نفسها التي طُبّقت – أو قيل إنها طُبّقت – على «العسجد»؟
هل هناك إجراءات وضوابط ومعايير واضحة ومنشورة للعامة تتعلق بعملية التقديم ومنح التراخيص المبدئية والنهائية والالشروط المطلوبة، وإذا كانت موجودة، كيف تم منح تصديق أولي ونهائي لجهة بافتراض أنها ملتزمة بكل المعايير، ولكن لاحقاً تم سحب التصديق بحجة عدم الالتزام بنفس المعايير التي ذكر المركزي أنها التزمت بها، وتم علي أساس ذلك منح الرخصة
هل هناك استراتيجية او ضوابط تفصيلية منشورة لاشراك القطاع الخاص في خدمات التقنية المصرفية ومجازة من الإدارة العليا للبنك المركزي؟
شبهة اللامهنية والتعامل غير المسؤول تجاه (EBS)
الأمر لا يقف عند حدود الشركات الخاصة الأربع، بل يمتد إلى الطريقة التي تعاملت بها إدارة بنك السودان المركزي مع مؤسسة الدولة القائمة أصلاً في هذا المجال. فشركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS) ليست جهة خاصة منافسة، بل مؤسسة يملك بنك السودان المركزي فيها حصة 49% من الأسهم، بالشراكة مع اتحاد المصارف التي تمتلك 21% وشركة سوداتل المملوكة جزئيا للدولة. يرأس البنك المركزي مجلس إدارة EBS، وهناك ممثل لإدارة نظم الدفع في المجلس إضافة لممثلين من اتحاد المصارف وممثل لسوداتل. وتعمل شركة EBS على أساس غير ربحي، وتقدم كثيراً من الخدمات مجاناً أو بسعر رمزي يحدده البنك المركزي الذي يدعم الشركة بجلب العتاد حتى تستطيع الاستمرار كشركة غير ربحية. ولم يتجاوز فائض التشغيل في سنة من سنوات الشركة اكثر من 22% يعاد تدويرها في تطوير الشركة ولم يتم توزيع جنيه واحد من هذه الفوائض لاي من المساهمين. ويبقى جوهر EBS شركة غير ربحية تهدف لدعم التقنية المصرفية وتحقيق استراتيجية البنك المركزي وذراعه التقني في ذلك. ويعتبر نموذج شركة EBS نموذجاً سائداً في كثير من الدول، يمكّن البنك المركزي من فرض رقابة ميسّرة وسهلة على كل المعاملات المصرفية، إضافة لوجود ذراع تقني يسمح للبنك المركزي بتنفيذ استراتيجياته التقنية. وهذا يعني أن أي قرار يفتح المجال لمنافسين خاصين لأداء المهمة نفسها، دون توضيح مسبق لأثره على مؤسسة تملك الدولة فيها هذه الحصة الكبيرة، ليس مجرد قرار تنظيمي عادي، بل قرار يمسّ استثماراً قائماً لبنك السودان المركزي ذاته وشركائه.
وقد واجهت شركة EBS مقاومة شرسة من الذين سعوا للسيطرة على المعاملات المالية سواء عن طريق تحويل الرصيد أو من خلال شركات القطاع الخاص التي طمعت في السيطرة على المعاملات المالية بعدا عن الرقابة وسعيا وراء تحقيق الربح علي حساب المواطن. وتبني توجه التخلص من EBS حتى بعض الجهات في الدولة، وانقطع التمويل عن الشركة مع استمرار التحكم في الأسعار، مما قاد الشركة لخسائر في عام 2020، وظلت الشركة تعمل بأجهزة غير محدثة تجاوزت عمرها الافتراضي بفترة طويلة. وكانت الحرب فرصة للإجهاز على الشركة، حيث تم سحب المحول القومي والأنظمة الحساسة والتي قام بتمويلها البنك المركزي تم سحبها من الشركة وأصبحت بلا أنظمة وتم التخلص من كفاءات كثيرة والتزم البنك المركزي بتشغيل الأنظمة التي كانت تقوم بتشغيلها شركة EBS، لكنه فشل فشلاً ذريعاً، مما أضرّ بالقطاع المصرفي لانعدام المحول القومي والربط البيني وتضرر القطاع المصرفي ضررا بليغا. وقد حاولت شركة EBS رغم الحصار والتجفيف المضروب عليها محاولة استعادة بعض الخدمات الضرورية مستخدمة برمجيات تم تطويرها محليا لانعدام التمويل وقد نجحت في مساعدة القطاع المصرفي بينما فشل بنك السودان والشركات الخاصة التي صدق لها محولات بين البنوك. وبعد تعيين المحافظ الحالي قرر ان يدعم البنك المركزي شركة EBS وتم تعيين مدير للشركة من موظفي البنك المركزي لكن يبدو أن قرارات المحافظ تواجه مقاومة خفية من داخل وخارج البنك المركزي، وأن تقوية EBS لا يجد القبول من الكثيرين.
وما يعزز شبهة عدم المهنية هنا هو غياب أي تفسير معلن ومتكامل لهذا التناقض: كيف يُعزَّز الاستثمار في (EBS) في مطلع العام، ثم تُمنح تراخيص منافسة لها بعد أشهر قليلة، دون أن يصدر عن بنك السودان المركزي موقف واضح بشأن الأثر المتوقع لهذا التوسع على مؤسسته المملوكة جزئياً له وللمصارف وسوداتل؟ التعامل مع هذا الملف بهذه الطريقة – إعلان تراخيص جديدة دون تقييم معلن للأثر على مؤسسة قائمة يملك فيها البنك المركزي حصة كبرى – هو في حد ذاته مؤشر على أن القرار لم يخضع لمراجعة مؤسسية متكاملة تراعي مصالح الدولة في مجملها، لا مصلحة طرف دون آخر.
والتاريخ هنا دقيق ومهم: الاستحواذ الاستراتيجي على (EBS) أُعلن رسمياً في 15 يناير 2026 تحديداً، أي قبل أشهر معدودة فقط من منح التراخيص الخاصة الأربعة. والأهم أن بنك السودان المركزي لم يكتفِ بتعزيز ملكيته في (EBS) عند هذا الحد، بل واصل توسيع دورها التشغيلي في الأشهر التالية: فقد اعتُمدت الشركة رسمياً كمكتب خدمة لشبكة سويفت العالمية للرسائل المالية والتحويلات البنكية، كما تولّت استعادة تشغيل المحوّل القومي وإتمام عمليات التسوية الشاملة بين جميع البنوك خلال النصف الأول من عام 2026. وهذا يجعل التناقض المؤسسي أكثر وضوحاً لا أقل: ففي الوقت الذي كان فيه بنك السودان المركزي يوسّع صلاحيات (EBS) ويمنحها اعتماداً دولياً ودوراً محورياً في المحوّل القومي والتسوية بين البنوك، كان يمنح – في النافذة الزمنية نفسها تقريباً – تراخيص مستقلة لأربع شركات خاصة لأداء مهام من الطبيعة نفسها. تزامن كهذا بين تمكين مؤسسة مملوكة للدولة وفتح الباب لمنافسين خاصين لها، دون تفسير مؤسسي واحد يجمع بين الخطين، يبقى في حد ذاته أحد أبرز مظاهر القصور التي يطرحها هذا الملف.
قصور إضافي تؤكده مقارنات موازية
تحليلات أخرى تناولت الحدث من زاوية مختلفة تصل إلى الاستنتاج البنيوي نفسه. فالتجارب الدولية الناجحة في تشغيل محولات المدفوعات – مدى في السعودية، وNPCI في الهند، وPesaLink في كينيا، وإنستاباي في مصر – تتفق جميعها على أن البنك المركزي يُبقي إشرافاً مباشراً على المحوّل الوطني، ولا يتركه لشركة خاصة منفردة، لأن هذا المرفق حرج بقدر شبكة الكهرباء أو الاتصالات: أي عطل أو اختراق فيه لا يصيب شركة واحدة بل يشلّ المنظومة المصرفية بأكملها.
وهذا يضيف زاوية قصور لم يفصّلها هذا المقال سابقاً: فحتى لو افتُرض أن منح التراخيص الأربعة جرى وفق إجراءات سليمة شكلياً، يبقى السؤال الأعمق دون إجابة معلنة، وهو: من يملك هذه الشركات الأربع فعلياً، وهل لبنك السودان المركزي أو للمصارف حصة مؤثرة فيها كما هو الحال في مدى السعودية؟ غياب الإفصاح عن هيكل الملكية – لا عن مجرد وجود ترخيص – هو بالضبط ما يجعل تعدد المشغلين الخاصين أقرب لمخاطرة احتكارية منه لتنويع صحي في الخدمة.
كذلك يبقى معلّقاً دون جواب: هل صدرت، قبل تدشين هذه التراخيص أو بعده، لوائح معلنة لحماية بيانات العميل، وسقف تنظيمي للرسوم يمنع تحميل المواطن كلفة احتكارية، وآلية شفافة ومستقلة لفض شكاوى العملاء، وخطة معلنة لاستمرارية الأعمال عند انقطاع الخدمة؟ هذه الأسئلة – شأنها شأن أسئلة المساءلة عن قرار المنح والإلغاء – تصبّ جميعها في نتيجة واحدة: أن القصور ليس في شركة بعينها، بل في غياب إطار تنظيمي متكامل ومعلن يسبق منح أي ترخيص لبنية تحتية مصرفية سيادية، لا يلحقه بعد وقوع الجدل العام.
خلاصة
القصة ليست عن شركة نجحت أو فشلت، ولا عن شخص أخطأ أو أصاب، بل عن نظام منح وسحب تراخيص لبنية تحتية مالية سيادية يبدو أنه يفتقر إلى معايير ثابتة ومعلنة ومساءلة واضحة عند كل مرحلة. وطالما بقيت هذه الأسئلة دون إجابة رسمية وشفافة، فإن أي قرار – منحاً كان أو إلغاءً – سيظل عرضة للشك، لا لأنه بالضرورة خاطئ، بل لأن الطريقة التي اتُّخذ بها لم تُطلع الرأي العام على أساسه.
والله من وراء القصد وعليه السبيل
